الحب كلمة فضفاضة متعددة الوجوه والاتجاهات في الحياة.. وهي كلمة سامية ذات أهداف نبيلة إذا تمثل النبل والشهامة عند المحب، وارتقى المرء بالنفس مرتقى عالياً.. ونأى المرء بالنفس عن صغائر الأمور وخلق (قاعدة) عريضة لديه من المحبة، هو بها المحب والمستحب.
والمحبة حلوة إذا استطعنا أن نعيش ونتعايش في كنفها في علاقات اجتماعية صحية حميمية، ركيزتها الأساسية المحبة والثقة بين بعضنا البعض في البيت والعمل والمتجر والمدرسة والمصنع، بل في كافة مناشط الحياة.
الحب متأصل في وجدان الإنسان، فليس هناك إنسان يخلو قلبه من الحب، ولكن يجب أن نسعى لتنمية هذا الحب لكي يخرج من نطاق الذات لنفكه من أسره ليكون امتداداً في محبة أشياء كثيرة من مباهج الحياة، كالتعارف بين فئات المجتمع والاختلاط بهم وتبادل الأفكار والرؤى معهم، والبحث في سبل تأصيل أواصر المحبة في الحياة، لأن مجتمعنا يكاد يكون مجتمعاً مغلقاً لا يعرف مثل هذه العادة الأصيلة وتنميتها، حيث انشغل بالتنمية العمرانية واللهاث وراء جمع المال، تمسك بالقشور الزائلة وترك الدر المنثور من السعادة في المحبة والألفة التي لا يضاهيها جمع المال، تلك هي المحبة والتي هي من سمة طبيعة الإنسان.
وليس هناك إنسان ما لم يكن جرب الحب ولكنه يختلف في محبته التي تكون مقصورة على فئة معينة من الناس دون أخرى، فهو تطبع بهذه الخاصة التي لم تكن من طبيعته كإنسان فطر على الحب الذي لا يعرف القيود والحدود، ولكن الإنسان باختياره ومزاجه تحكم تحكماً ظالماً في (حبه) وأصبغ عليه هالة من المقاييس والأبعاد، ذات القيود والحدود (النفسية) التي اكتفى وانكفأ على حالة معينة دون النظر بنظرة حانية ولفتة إنسانية لحب حالات أخرى أكثر شمولية وذات مدلولات إنسانية جليلة، والتي لو أحصيناها لما استطعنا لها حصراً من فوائدها العظيمة.
فإن المرء الذي لم يمارس الحب في الحياة، فأصبحت الحياة عنده أشبه بصحراء قاحلة ومظلمة، فهو لا يرى الحياة إلا بعين واحدة وكأنه أغمض الثانية عنوة لكي لا يرى ما يراه الآخرون، ويبقى أسير رؤيته المعتمة. وما قصدته بممارسة الحب هو أن نجعل للوجود جمالاً، وأن نمعن النظر بما حولنا من جزئيات وكائنات تحيا بالحب وتموت بغيابه.. كالأرض التي تحب المطر لكي ترتوي منه وتنبعث منها تلك الرائحة الزكية وتنبت بها تلك الفطريات التي نحب أكلها في حينها. والأشجار تحب المطر وترتوي به وتؤرق وتثمر، وحتى الجبال الرواسي تحب المطر وتغتسل به وتزدان بهجة ونضارة، وكل له لغته، ولكننا لا نفقه لغاتها تلك اللغة الصامتة، فما بالنا لا نجاري هذه الكائنات بلغة الحب الذي نفهمها وبمقدورنا التخاطب بها شفهية وعلانية في لغة البيان والتبيان عن ما بدواخلنا من حب كامن يتحاشى الكثير منا البوح به!!
وإنه من دواعي الضرورة وما تحتمه الظروف الحالية، أن نشيع هذا الحب الطاهر من داخل البيت بداية حيث الزوجة ومن ثم الأبناء.. فالزوجة تحب من زوجها الكلمة الحلوة والبسمة الجميلة والمداعبة اللطيفة والطرفة الضاحكة ومشاركة الرأي، فهي شريكة حياة. وبهذه اللمسات الجميلة من الحب تتوثق عرى المحبة ولا يشوبها شائبة. أما إذا كان عكس ذلك من تعامل سيء فقد تفكك الرباط المقدس.. وهذا ما نلاحظه من حالات الطلاق التي تعد بالمئات إن لم تكن بالآلاف، نتيجة المشاحنات الزوجية وغياب التفاهم بين الزوجين، والتي يكون ضحيتها الأبناء إن وجدوا.
نحن بحاجة فعلية للدعوة للحب في الحياة.. فهناك الكثير من الشوائب التي تشوب، تصرفاتنا في أقوالنا وأفعالنا التي تحتاج (لغربال) لكي نسقط ما علق بها، مثل: التكشيرة والصرامة والجهامة والسخرية والنزق، التي تكاد تكون (مدموغة) في سلوكيات البعض منا، وخصوصاً ما نراه في المؤسسات الخدماتية، والشارع!! فيجب أن نروض هذه السلوكيات الخاطئة حتى تتلاشى من حياتنا، نعمل على ترويضها بالكلمة الحلوة، والبسمة الوضاءة، والتعامل اللبق، الذي يبقى أثره خالداً بالنفوس. فالحب بالحياة ذو معنويات كثيرة وقمينة لا يدركها المرء من أول وهلة، ولكنها تأتي بالتدريب والممارسة السليمة ومن ثم إتقانها بالخبرة والمفهومية التي هي فن الحياة، وبالموازي المقابل لها، فن التعامل مع المجتمع.