خطبة الجمعة واجبة لا تصح الصلاة بدونها، ومن الواجب اختيار الخطيب الذي تتوافر فيه شروط الخطابة حتى يكون للخطابة أثرها في الفرد والمجتمع فالخطيب الناجح يعني نجاح الخطبة وقوة تأثيرها في السامعين.
لذا من الواجب على الجهات المسؤولة عند تعيين الخطباء تحري صلاحية الخطيب علما وسلوكاً وأداء فإن فاقد الشيء لا يعطيه وهناك صفات ذاتية وصفات معنوية يجب توافرها في الخطيب الناجح.
الصفات الذاتية:
1- حسن المظهر الذي يدل على التزام الخطيب بأحكام الإسلام الظاهرة لأن الخطيب قدوة لغيره فلابد أن يظهر أثر الصلاح والاستقامة على نفسه أولاً. حتى يستطيع أن يؤثر في غيره، فإذا كان الخطيب يعتريه شيء من التقصير أو يرى عليه التساهل ببعض المعاصي، فإنه لا يصلح أن يكون خطيباً لأن الخطيب داعية والداعية عليه إصلاح نفسه أولاً فمهما أوتي من الفصاحة والبلاغة وسعة العلم وهذه محالة، فإنه غير صالح للخطابة.
2- قوة الشخصية:
بمعنى أن يكون لديه ثقة بنفسه، رابط الجأش قوي التأثير، حتى يستطيع التغلب على ما قد يعتريه في خطبته من المواقف لأن ارتباك الخطيب على المنبر يفقد الكثير من عوامل التأثير، ويدعو إلى ضعف ثقة الناس به.
3- قوة العبارة وحسن الأداء:
لأن هذا مما يضفي على الخطبة قبولاً أكثر لدى السامعين، ويزيل عنهم السأم والملل ويشد من انتباههم، بخلاف ضعف الأداء وركاكته فإنه يبعث في النفس الكسل فيصاب السامع بالنعاس وشرود الذهن.
4- الحماس المعتدل:
أي من غير إفراط اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم، فكان إذا خطب احمرت عيناه وعلا صوته، واشتد غضبه كأن منذر جيش يقول صبحكم ومساكم.
الصفات المعنوية:
1- الإخلاص: الذي هو شرط كل عمل، وخطبة الجمعة عبادة والله تعالى يقول {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ}، فالخطيب المخلص همه مراقبة الله عز وجل في كل كلمة يقولها، وأن يكون غرضه وهدفه نفع السامعين وإصلاح حالهم، ويتجرد من كل ما يدعو إلى الرياء وحب السمعة، فإن ذلك يورث العجب بالنفس وهو من أشد الآفات على الدين والأخلاق.
2- التزود من العلم الشرعي:
فهذا من أهم الأمور في كل خطيب وداعية فيجب أن يكون ملماً بعلم الكتاب والسنة حتى يتمكن من اختيار الموعظة المؤثرة، والاحتجاج بالدليل وتبصير الناس بأمور دينهم، فيكون على درجة كبيرة من الفقه في الدين ومعرفة أحكام الصلاة والخطبة لأنه قدوة لسامعيه.
3- العلم بأحوال المسلمين وقضاياهم المعاصرة:
وذلك لأن من مجالات الخطبة الإصلاح بين الناس، ومعالجة ما يواجه المجتمع من مشاكل اجتماعية وأسرية، وإيجاد الحلول المناسبة لها، وعرض ما عليه المسلمون وما قد يواجهونه من كيد الأعداء من قتل وتشريد واضطهاد وواجب إخوانهم المسلمين نحوهم، والحث على التآخي بين المسلمين وتآلف قلوبهم فالخطيب أشبه ما يكون بالطبيب الذي يتلمس شكاية المريض فيسعى إلى علاجها ووصف الدواء المناسب والمجتمع اليوم بحاجة إلى الخطيب الناجح الذي يدرك حاجة المجتمع وما ينبغي التنبيه إليه أو التحذير منه.
4- الاعتدال والحكمة:
فالناس اليوم بحاجة إلى هذه الصفة التي تزيد من تآلف القلوب وجمع الكلمة فإن بعض الخطباء يأخذه الحماس لأمر ما فيتعدى حدوده ويسيء إلى غيره ويتهجم على الآخرين بأساليب ليست من الخطبة في شيء بل إنها تضر أكثر مما تنفع، فالإفراط في معالجة بعض القضايا تخرج الخطيب عن الهدف المقصود وتفقد الخطابة أهميتها، ويسيء الخطيب إلى نفسه قبل أن يسيء إلى غيره فعلى الخطيب أن يزن الأمور بميزان العدل والحكمة، ويحذر من التسرع والاندفاع المذموم.
موضوعات الخطبة:
خطبة الجمعة لها طابع خاص، ومجالات تخصها، فيجب أن تكون مشتملة على ما يلي:
1- البداية بحمد الله والثناء عليه اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم.
2- الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم.
3- قراءة آية من القرآن فأكثر فقد كانت خطبة النبي صلى الله عليه وسلم قصداً يقرأ آيات من القرآن ويذكر الناس.
4- الموعظة الحسنة المؤثرة في النفوس فهو في مجال وعظ وإرشاد وتوجيه.
ويسن للخطيب السلام على الناس إذا صعد المنبر، والجلوس بين الخطبتين وتقصير الخطبة والاتكاء على عصا أو نحوها، والدعاء للمسلمين عامة وتخصيص الدعاء لولاة أمر المسلمين بالصلاح والاستقامة ففي صلاحهم صلاح المسلمين.
اختيار الموضوع:
على الخطيب أن يجتهد في اختيار موضوع الخطبة بما يتناسب وحال السامعين فلكل مقام مقال فكلما كان الموضوع جيداً وموافقاً لحاجة الناس كان أدعى لسماعه وقبوله ويراعي الخطيب عند اختيار الموضوع ظروف الزمان والمكان فالمناسبات الزمانية تحتاج إلى تخصيصها وبيان المشروع والممنوع منها وينبغي عند الاختيار مراعاة ما يأتي:
1- موافقة الخطبة لحال السامعين وقدراتهم.
2- تلمس حاجة المجتمع وتتبع ظروفه وأحواله، والتعرف على مشاكله ومعالجة قضاياه بالحكمة والموعظة الحسنة أثناء الخطبة.
3- تخصيص بعض الخطب للأحكام الفقهية التي يجهلها الكثير من الناس كسجود السهو، وحالات المأموم مع الإمام والمعاملات المالية المعاصرة فإن بعض الخطباء يغفل هذا الجانب ويكثر من الحديث عن أحوال العالم الإسلامي فالتجديد في موضوعات الخطبة مطلوب فهذا مما يرغب السامعين ويزيد ثقافتهم.
4- البعد عن كل ما يورث النزاع والشقاق بين المسلمين حتى وان حسن المقصد فإن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، فمن الخطباء من تأخذه الحماقة والإثارة فيتطرق لموضوعات يسيء فيها لأشخاص أو جهات أو حكومة معينة فتأخذ الخطبة مجالاً آخر وتكون وسيلة للتحريض وتلمس النقائص والعيوب بدل أن تكون وسيلة لجمع الكلمة وتأليف القلوب.
5- أن تكون الخطبة ذات موضوعية وهدف، فيبتعد الخطيب عن الأساليب الإنشائية والسجع المتكلف والألفاظ المنمقة والعبارات الركيكة فإن ذلك كله مما يضعف شأن الخطبة في قلوب السامعين.
6- أن تكون الخطبة مكتوبة لأن ذلك يحفظ للخطبة عناصرها فتكون عباراتها مركزة خالية من الحشو والإطالة وتكون في حدود الزمن المعتاد فخير الكلام ما قل ودل ومتى رغب الخطيب في الارتجال دون كتابة فذلك حسن ولكن عليه أن يكون ذا خبرة طويلة في هذا المجال حتى يستطيع التحكم في العبارة والوقت فإن كل طويل مملول والسنة تقصير الخطبة مراعاة لحال السامعين.
7- الالتزام بقواعد اللغة العربية فإن ذلك مهم جداً، وأدعى لسماع الخطبة والتأثر بها، وفيه زيادة تميز للخطيب فتعظم ثقة الناس فيه، لأن هذا ينبئ عن سعة علمه وقوة عبارته واهتمامه باللغة وهذا أمر نفتقده في بعض الخطباء اليوم.
هذه أهم الميزات التي يجب أن تكون عليها خطبة الجمعة من أجل وفائها بالغرض الذي شرعت من أجله وهو النفع العام للمسلمين بعيداً عن الأهواء والأغراض الشخصية.