Al Jazirah NewsPaper Saturday  04/04/2009 G Issue 13337
السبت 08 ربيع الثاني 1430   العدد  13337
تجربة الابتعاث الخارجي
د. مساعد بن عبد العزيز العبد اللطيف

 

في الوقت الذي تجاوزت فيه أعداد المبتعثين السعوديين إلى الخارج الستين ألفاً (عدا مرافقيهم) ظهرت الحاجة إلى تقييم تلك التجربة من حيث تحقيق الأهداف ونوعية المخرجات. من بين أولئك المبتعثين هناك اثنا عشر ألفاً في بريطانيا وقد كان أقل من ثلاثة آلاف قبل سنوات قليلة. ولقد ساهم برنامج خادم الحرمين الشريفين للابتعاث الخارجي في ذلك الازدياد اللوغاريتمي لأعداد المبتعثين.بمقارنة سريعة مع أعداد المبتعثين إلى بريطانيا والمنتمين لدول أخرى نجد أن المملكة في مقدمة الدول الكبيرة من حيث نسبة عدد المبتعثين إلى مجمل عدد السكان. انظر إلى الصين الشعبية، ففي كل مائة ألف صيني يتواجد ثلاثة طلاب مبتعثين في بريطانيا. كذلك الهند، فمن بين كل مائة ألفٍ يتواجد واحد ونصف (كنسبة) من الطلبة المبتعثين. أمّا المملكة فمن بين كل مائة ألف سعودي يتواجد حالياً 63 طالباً مبتعثاً في بريطانيا وحدها.

نحن الآن في السنة الخامسة منذ بداية البرنامج، فهل تحققت الأهداف المرجوة منه؟ ماذا عن جودة المخرجات؟ وبالنظر إلى هذه التجربة كمشروع استثماري بحت، هل تمّت دراسة الجدوى الاقتصادية لذلك المشروع؟ وفي حال وجود مثل تلك الدراسة، هل كانت نتائجها مشجعة؟ وإن لم تكن كذلك، فهل تمّ التفكير في بدائل أخرى تؤتي ثماراً طيبة؟

لا تغيب عن أذهاننا - بأية حال - الأزمة التي بدأت منذ خمسة عشر سنة فيما يتعلّق بقبول الطلبة - والطالبات خصوصا - في جامعات المملكة التي لم تكد تتجاوز العشر جامعات. هل كان الابتعاث الخارجي هو الحل المؤقت لتوفير التعليم العالي لأبناء الوطن؟ لقد قارب عدد الجامعات المحلية العشرين جامعة الآن، والفضل يعود لله ثم إلى التفكير السليم والسريع من مسؤولي التعليم العالي الذين استشعروا خطورة انفجار القنبلة السكانية المتمثّلة في التزايد المطّرد لأعداد الشباب والفتيات. أخذاً بالاعتبار أنه ما زالت عواقب ذلك التضخم السكاني تظهر على السطح سنة بعد أخرى. ولم يبق سوى جذب الطلبة إلى تلك الجامعات الناشئة ودعمهم مادياً بمنحهم بعثات داخلية تحل محل البعثات الخارجية.

نعم، لقد ساهم الابتعاث الخارجي في حلٍّ مؤقت لتلك الأزمة. إلاّ أن ذلك لم يحلّ المشكلة جذرياً، إننا نخشى من أن يأتي بعضٌ من تلك الثمار مرًّا علقما. عندها ستظهر المشكلة مرة أخرى بمجموعة من الشباب العاطل والذي كلّف الدولة جهداً ومالاً كان من الأولى صرفهما على من هو أولى منه.

لنبدأ من ابتعاث الطلبة وقبل ذهابهم للخارج. إن ما يقارب نصف عدد طلبة البرنامج المبتعثين يدرس مرحلة البكالوريوس، كثيرٌ منهم حصل على الثانوية العامة بنسبة متوسطة لا تجذب الانتباه. ذلك أن الطلبة المتميزين قد تمكنوا من أخذ مقاعدهم في جامعات المملكة وفي التخصصات المرموقة. أمّا النصف الآخر فهم طلبة الدراسات العليا وأغلبهم يحضرون لدرجة الماجستير.

إن مستوى اللغة عند أولئك الطلبة يكاد يكون صِفْراً، بل قد يكون أقل من ذلك حيث إن أكثرهم تعلّم اللغة تعلّماً سلبياً بنطقٍ (مكسّر) وبتراكيبَ بالية. مثل أولئك يحتاجون إلى (مسحٍ) تام لخلفيته في اللغة ومن ثم يبدأ من جديد دراسة اللغة السليمة. في بريطانيا لا توجد جامعة توفر لطلابها دراسة اللغة من المستوى الصفري حيث تشترط الجامعات إلمام الطالب ببعض مبادئ اللغة. أين يذهب طلبتنا إذن؟ إنهم يذهبون إلى معاهد متخصصة في تدريس اللغة قد يتعاون بعضها مع الجامعات. في تلك المعاهد تظهر مشكلة توزيع الطلبة السعوديين، فنظراً لندرة الطلبة الآخرين ذوي المستوى الصفري نجد أن فصول المستويات المبكّرة قد امتلأت بالسعوديين بنسبة تصل 90% أحيانا! وهذا ما يقلق العديد من الطلبة الجدد. لقد سهّلت الملحقية الثقافية في بريطانيا أمر الانتقال من معهد لآخر وفق ضوابط محددة، إلا أن الإجراءات الجديدة التي ستعمل بها الحكومة البريطانية ويفترض أنها بدأت في تطبيقها ستمنع ذلك الانتقال إذ إنها ستربط تأشيرة المبتعث بجهة الدراسة التي سيلتحق بها، ولا يمكنه تغيير مقر الدراسة إلا بإجراءات معينة قد تستدعي سفره وعودته للدراسة من جديد.

إذا ما نظرنا إلى مستوى الجدّية لدى مبتعثي البرنامج فسنجده يتفاوت من طالبٍ لآخر، ولعل من المآخذ المحسوبة على البرنامج عدم مراعاة ذلك. إن هناك عدداً لا بأس به المبتعثين لدراسة البكالوريوس (الفئة العمرية 17-20) يكاد يكون مستوى الجدّية لديه صفرا. وقد يكون بعضهم قدم للتسلية أولاً ثم لطلب العلم ثانياً. يظهر ذلك جليّاً من نسبة حضورهم المتدنية في معاهد اللغة وغيابهم المتكرر. أما طلبة الدراسات العليا فجدّيتهم واضحة، وقصور ذلك الجانب عند بعضهم لا يصل إلى مستوى الظاهرة. إلا أنه يندر أن تجد منهم من يُنهي الدرجة في الفترة المحددة (سنة للماجستير وثلاث سنوات للدكتوراه).

مدى كفاءة المبتعثين كذلك، وهل هم جديرون بالحصول على البعثة من النقاط المهمة التي ينبغي مراعاتها في الابتعاث. هذه الكفاءة تتعدى التحصيل العلمي لتشمل مستوى محافظتهم على قيمهم ومدى توخّيهم لحسن التمثيل لوطنهم ومعتقدهم.لا نعلم عن مخرجات البرنامج، وهل تم تقييم مستويات الخريجين ومدى كفاءتهم في الجانب العملي من حياتهم. هل تم تعيينهم؟ بل وهل تم تعيينهم تبعاً لتخصصاتهم، أم كان ذلك التخصص مجرد حبر على ورق وقد انخرط صاحبه في عملٍ بعيدٍ كل البعد عن تخصصه؟! إننا بحاجة فعلاً إلى دراسة وافية كافية حتى يمكننا تقييم التجربة والحكم عليها.

إن تكلفة المبتعث الواحد في بريطانيا (من غير مرافقين) تصل 165000 ريال سنوياً، وربما ضعف ذلك أو يزيد لمن أتى بمرافقين، وعليه فإن التكلفة الإجمالية ستكون مفاجئة عندما تحسب لعدد من الطلبة تجاوز العشرة آلاف. وعموماً، نعود إلى الثمار الطيبة ونقول لا بأس بذلك إن كانت الثمار أو جلّها كذلك. لذا تظهر أهمية الانتقاء في الابتعاث واختيار الأكفأ. وإلا فلنستثمر تلك الأموال في الوطن ذاته وليُفتح باب الابتعاث الداخلي على مصراعيه لطلبة البكالوريوس بحيث يُصرف للمبتعث ما يُصرف لزملائه في الخارج وليرغّبوا في الالتحاق بالجامعات الناشئة والتي يجب أن تدعم بنخبة من الأكاديميين. ولا بأس من التعاون مع المعاهد المتخصصة في تدريس اللغة الانكليزية واستقطابهم لتدريس اللغة محلياً في تلك الجامعات وبطاقم تدريسي مثالي تماماً كما لو كانت تعمل بالخارج مع مراعاة قيم الوطن. وبعد اجتياز مرحلة اللغة يتم تخصيص الطالب وفق قدراته واحتياجات البلد. لا شك في أن ذلك سيوقف شبح الهدر الذي طالما أوجسنا في أنفسنا خيفة منه.

لعلنا نقترح أن يكون الابتعاث فقط لمراحل الدراسات العليا أو الزمالة أو التدريب. وأن تعاد دراسة أمر ابتعاث النشء الذي يرغب في المواصلة لمرحلة البكالوريوس لتشمل ضوابط محددة لابتعاثهم مع مراعاة المستويات التي ذكرناها آنفاً ونجملها سريعاً أدناه.

1- مراعاة مستوى اللغة الانكليزية، حيث ينبغي اشتراط حصول الطالب أو الطالبة على درجة محددة في امتحان اللغة الانكليزية الذي يعقده مركز القياس والقدرات (أو ما يعادله). إن ذلك سيختصر كثيراً فترة دراسة اللغة للمبتعث، كما يسهّل عليه الحصول على قبول في معهد رائد وفي فصلٍ غير مكتظ ببني جلدته.

2- مراعاة مستوى كفاءته وقدرته على المواصلة في التخصص المحدد. والملاحظ أن العديد من المبتعثين قد ابتعثوا نظراً لحاجة البلد لذلك التخصص وبإهمال تام لقدرات الطالب وخلفيته العلمية. انظر مثلاً إلى طالبة حصلت على البكالوريوس في الاقتصاد المنزلي وابتعثت لدراسة الماجستير في الهندسة!

3- مراعاة مستوى جدّية الطالب، ولعل ذلك يتضح من المقابلة الشخصية والتي ينبغي أن يركز فيها على نقاط محددة تكشف مستوى الجدّية. كما يمكن معرفة ذلك من خلفية الطالب العلمية والثقافية.

وإذا كان ابتعاث الطلبة لمرحلة البكالوريوس أمراً حتمياً فلعلنا نقترح أن يطلب منه التقدم لأخذ امتحان اللغة وكذلك الامتحان التحصيلي -في تخصصه-الذي يعقده مركز القياس والقدرات وأن يحقق نسبة مركبة لا تقل عن 70%، وبحيث تحسب النسبة المركّبة كالتالي:

30% امتحان اللغة + 30% الامتحان التحصيلي + 40% نسبة الثانوية العامة = 100% مع نسبة خاصة في اللغة لا تقل عن 60%.

لا شك أن ذلك سيساهم إلى حد كبير في تحقيق الأهداف المرجوة وسيؤكد صرف المال المُرشّد في قناته الصائبة، علاوة على التحقق من بعث طلبة يمثلون وطنهم ومعتقدهم خير تمثيل.

أكاديمي، جامعة الملك سعود


mosaadal@ksu.edu.sa

 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد