Al Jazirah NewsPaper Wednesday  08/04/2009 G Issue 13341
الاربعاء 12 ربيع الثاني 1430   العدد  13341
زاد المشتاق
د. فوزية أبو خالد

 

هلاااا وغلا أمي الغالية

كنت تذهبين للوقوف طويلا عند شبك المطار القديم أمام مهبط الطائرات بجدة مع أنك تعلمين أنهم لن يعودوا إلا بعد التخرج كما أوصيتهم. كنت تعدين ورد التخرج من الجامعة وتخبزين قوالب الكيك وتكتبين عليها أسماءهم والتهاني بتخصصاتهم المختلفة من علم الاجتماع والكمبيوتر ..

.. إلى علم النفس والطب مع أنك تعلمين أنهم لن يتخرجوا إلا بعد سنوات عدة إن اجتهدوا كما حرضتهم. كنت تكتبين الرسائ?ل التشجيعية بأطياف الصبر من الأخضر الزمردي إلى السماوي الفيروزي لئلا يلمح أي منهم سواد بؤبؤك يسيل من مظروف الرسائل على يد ساعي البريد وقتها قبل الإيميلات السريعة، كنت تقتاتين ملح الأحلام كلما نهشتك ذئاب الفراق لفلذات الكبد. كنت بأريحية تحرمين نفسك من أبسط الحقوق ليعيشوا في بحبوحة من عرق كدك وعملك.

لكل ذلك وأكثر من وقوفك الشامخ بمسيرتي التعليمية أنا وإخوتي العشرة لا أدري كيف طاوعتني نفسي لأغادر جنة أقدامك من جديد، فأرحل باتجاه يبعدني عن رائحة حنائك وحنانك آلاف الأميال لأعاود المسير حافية ظمأى بعودي النحيل وأشواقي الفارعة علني أكون في وصبي وبحثي على طرقات المعرفة غير المعبدة إلا ببوارق الأمل جديرة بالانتماء لأسطورة كفاحك وكتاب حبك. هل حقا أفعل ذلك لأليق بالعيش في رحاب أحلامك مثلما صارحتني بحزم في نهار غير بعيد من صباح صحو كشفافيتك وصدقك مطلع العام 1997م، عندما أيقظتني لصلاة الفجر وصارحتني بعد أن استوينا على عبير قهوتك وبهار خبزك بأن علي أن أحزم حقائبي وأغادر رضاك وحمى أحلامك إلى غير رجعة إن لم أكن راغبة في السعي للحصول على درجة الدكتوراه، حين أردفت قبل أن أفتح سجل أعذاري بأن أحلامك لا تستضيف من يستسلم للظروف وأن ملكوتها لا يتسع للرايات المنكسة أو الأشرعة المطوية مخافة الريح أو سطوة الراحة.

لا أخفيك يا أغلى الغوالي مما لا بد تعرفين بإحساسك الأمومي وفراسة حدسك وإن لم أفصح عن مشاعري بالكلمات إلى هذه اللحظة حتى لنفسي بما عانيته من تردد ممض وسهر يجرح الجفون قبل أن أصل إلى قرار فتح دفاتر الغربة مرة أخرى خاصة بعد أن بلغت من تباريح العشق عتياً وظننت أنه قد حان الوقت لإقفاله إلى الأبد. ولكن يبدو يا سيدة البيد والمدن العتيقة والحديثة أن ليس هناك (أبد) حين نكون لا نزال نواصل حياة لا يسري نسغها الشعري ولا يجري قلم قانون الوجود فيها إلا بحبر التغيير ومائه الدافق. كنت مترددة ولا زلت حتى بعد أن ابتعدت ما يزيد على مسافة أسبوع ويوم أن أصحو فلا أستطيع تقبيل مشط قدمك وإكليل الفضة يتوج جبينك. كنت وجلة أن يغمرني المطر بدون شمسية يدك، أن يلفحني البرد فلا أجد كوب الحليب بالزنجبيل معطراً بأنفاس دعواتك وترياق دفئك. كنت ولا زلت خجلة أن أتركك في الحين الذي يتعين فيه علي أن أخدم ما تبقى من العمر في بلاط وفائك بما لن يوفي ولو أفنيت عمري قطرة واحدة من بحر تضحياتك ونكران ذاتك.

كان شرطك أن أستزيد من التجارب وأن أنهل من بحور المعرفة لتقبليني مواطنة في مملكة أحلامك. فأي مقاييس قاسية وضعت يا أمي لتقيسي بها مدى لياقتي الفكرية والمعرفية والضميرية لأليق بأمومتك.

وهل من أم سواك كانت ستدفع بأبنائها بعيدا عنها وهي في أمسّ الحاجة لوجودهم بقربها لتمنحهم حرية اسمها المستقبل. أنت وحدك نسيج وحدك غير أنك ورطتني فلا أدري كيف ألحق ببصيرتك أو أجيد قيافة صبرك.

هلاااااا ومسهلاااااااا صداقات العمر

جمل الله مساءكم بالإلهام

كانت رسالتك الإلكترونية نجوما لعتمتي هذا المساء الذي تتقاسمني فيه وحشة السفر وأشواقي إليه. فلا أجد اسما لحالتي يصف ما أحس به من مشاعر متضاربة. كأنني تلك الفتاة التي رحلت إلى أمريكا قبل عقدين وأكثر، وكأن روحي لم تمتلئ بمئات طعنات الغربة والانتماء معا. أشعر في هذه الرحلة بأنني أسافر للمرة الأولى بينما من يدري فقد لا تعدو أن تكون رحلتي ما قبل الأخيرة. غير أنك من حظي، كنت راية ومنارة وضميرا على طرقات كم كنت فيها نهبا للكمائن لولا ذلك الحرير من الحنان الذي كنت تمسح به أجنحتي كلما ضربتني الريح في مقتل. فأفز من جديد.

صديقتي السامقة الجازي

لماذا حين أتيت لوداعك وجه الفجر في طريقي إلى المطار لم تقولي لي إنك ستكونين بانتظاري هنا. رأيتك في مبنى الأمم المتحدة حين استقبلتني سفيرتنا الجميلة الواثقة للنجوم د. ثريا عبيد بمكتبها وأخذت تعرفني على إنجازات وهموم النساء عبر الكرة الأرضية. وكنت بصحبتي لحظة بلحظة في لقاء الاستقبال الذي أقامه لي القسم بالجامعة هنا وهم يسألونني بشغف عن جامعة الملك سعود وعن مركز دراسات البنات. وهذا موضوع ثر سأعود إليه في كتابة أخرى.

حبيبي وحبيبتي

يا نعمة البصر لعيوني، يا نعمة النبض لقلبي، يا نعمة الروح لجسدي، يا نعمة الفكر والمعرفة لعقلي. شكرا أنك لم تغفل عني في الرحلة البعيدة لحظة واحدة؛ فقد كنت العين التي أرى بها والحبر الذي أكتب به والعلامات المميزة التي أعرف بها موقعي على الأرض واللغة الكونية التي أتخاطب بها مع الطقس والعصافير والغيوم والمطر واللوحات العالمية وإشارات المرور ورجال الجوازات والزملاء الجدد. أقرأ عالمي الجديد على نورك وأكتب باسمك السلام والنصر وطاقة الحب بين البشر. فشكراً لله على وجودك في الوجود في قربي وبعدي.




 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد