Al Jazirah NewsPaper Saturday  18/04/2009 G Issue 13351
السبت 22 ربيع الثاني 1430   العدد  13351
الدلالة العاطفية والتاريخية لـ(سكيرينة)

(سكيرينة) مجموعة قصصية للكاتب تركي بن براهيم الماضي، وهو من جيل القصاص الشباب في الأدب السعودي, تضم مجموعة سكيرينة أربع عشرة قصة، وعددا من القصص القصيرة جداً.

بدأ المؤلف مجموعته بقصة: صورة صغيرة وهي قصة كتبها عندما كان لا يزيد عمره عن ستة عشر عاماً ومع ذلك فقد جعلها الكاتب في بداية مجموعته، وهذه مخاطرة اتصفت بالذكاء والشجاعة معاً، فالقارئ عندما يقرأ هذه القصة ثم يواصل قراءة المجموعة فإنه سيرى الفرق والتطور الكبير في البناء اللغوي والفني لدى الكاتب. وهذه القصة تصور ذلك الشاب الذي يصاب بالاكتئاب فيميل إلى الانطواء والعزلة والبعد عن الناس وضجيجهم، إنه يهرب من الواقع الذي يرى أنه لا يطاق. ويظهر في هذه القصة الاعتماد على التقريرية والوصف الإنشائي وخلوها من البناء الفني والعقدة القصصية، بل إن القارئ يحس أن الوصف أُقحم وأصبح مفروضاً على السياق القصصي، بل إنَّ الكاتب اعتمد على السرد الإنشائي الذي كان على حساب الحوار. ومع ذلك كله فإن هذه القصة كانت تنبئ عن قاص موهوب سيتطور كثيراً، وهذا ما حدث له في بقية هذه المجموعة القصصية.وتصور قصة محاولة لكتابة شيء... لأي شيء حياة الأديب عندما يعجز عن الكتابة، فهو يمر بأزمة تتلخص في السآمة والملل إنها من اللحظات والأزمات التي لم تترك أديباً إلا ومرت به، وبالرغم من كل المحاولات التي بذلها بطل هذه القصة إلا أنه يفشل ويترك هذه الأزمة للزمن كي يعالجها.

وتدور قصة كطعم السكر حول حياة شاب يتعلق قلبه يحب فتاة في مشهد سريع ويتوهم أنها أحبته، وتصور له خيالاته الرومانسية أنها أحبته، على الرغم أنه يراها للمرة الأولى في ركن المجلات بصالة المطار، يتأملها ينظر إليها نظرة العاشق ولكنها تركب الطائرة وتغادر وهو جالس ينتظر رحلته.

إنها قصة الحب عندما يختلط بالوهم، إن الكاتب هنا رسم لنا هذه الشخصية بكل مكوناتها الاجتماعية والرومانسية، بل إنّه استطاع أن يحللها بكل المتناقضات التي كانت تعيشها، وينجح الكاتب في التقاط صور فنية من زوايا متعددة من المطار جعلنا نتعايش مع البطل ونتفاعل معه، وتصور لنا قصة تأبط صمتاً حاجة الإنسان إلى صديق يقف بجانبه في آلامه وأحزانه، تحكي هذه القصة حياة صديقين يتشابهان في كل شيء، في الأفراح في الأحزان، آلامهما واحدة وآمالهما واحدة، كل صديق يجد نفسه في صديقه لدرجة أنهما يشتركان في روح واحدة، ولكنهما في نفس الحال يتخوفان من صعوبة الحياة عندما يحسان بمن يشترك معهما في هذه الروح، وتتحدث قصة مثل ظل يتلاشى عن شاب يمر بتجربة حب فاشلة، قصة حب مريرة فمحبوبته قد ودعته وتركت له الأحزان مع أنه في أحلام وأوهام إلا أنه يصحو، وما إن يصحو حتى يعود إليه ذلك الحلم الذي يرى فيه الشاعر عمر أبو ريشه، وبدأ يذكره بمحبوبته عندما ألقى تلك الأبيات التي كانت محبوبته تهديها له، إن بطل هذه القصة يمر بصراع نفسي، وحالة مأزومة، فهو لا يريد أن يحلم إنه يريد أن ينسى. لكنها ذكريات الحب التي لا تتركه يعيش كما يعيش غيره.

وتتناول قصة ملتفاً على وحدته مشكلة ذلك الشاب عندما يبحث عن السعادة ولا يجدها، مع أنه يبحث عنها في كل مكان إلا أنه مصاب بالاكتئاب والقلق، يحاول صديقه أن يدخله في أجواء السفر إلى الخارج لعله يجد السعادة التي يبحث عنها، لكن بطلنا يفشل ويقرر بعدها العودة إلى الوطن يزداد اكتئابه لدرجة أن الكل صار يعطف عليه. ولعل ما يميز هذه القصة عدم تدخل الكاتب في سير أحداث القصة عندما جعل البطل حائراً يعاني الألم والحزن. وتتحدث قصة بالأسود والأبيض عن أولئك الذين يظهرون بغير صورهم من المخادعين الذين يخدعون الناس بأشكال وصور مستعارة، عن أولئك الذين يلبسون الأقنعة على وجوههم، إنها فئة عانى الناس والمجتمع منها، ومن ابتزازها وخداعها ومكرها، ويكاد ينجرف بطل القصة ويكون كأحد هؤلاء كي يحقق مصالحه ولكن نفسه تأبى هذا الخداع وتعود إلى نبلها.

وتدور قصة ممتناً لانهزامي حول ذلك الشاب المسالم إلى درجة الذل كما بين الكاتب في المشهد الأول من القصة، فبطل القصة شاب مسالم عوَّده والده من الصغر على التنازلات عن حقوقه، ولكن والده لديه فلسفة فهو يقول له: إنَّ هؤلاء سيندمون يوماً... يكبر وتكبر معه (المسالمة)، وتضيع حقوقه يشتكي ويدعي لدى القاضي ولكن حقوقه تضيع أيضاً، فهو لا يعرف كيف يشتكي ولا كيف يجادل ولا كيف ينافح ويدافع عن حقوقه، إنَّ الكاتب يحلل هذه الشخصية ويشبعها تحليلاً ليجد القارئ نفسه يتفاعل لا شعورياً وينسجم معها إلى درجة الشفقة.

وتحكي قصة ممتداً بلا نهاية بأسلوب مغرق في الرومانسية حياة شاب جامعي وقع في شباك الحب يتولع بمحبوته لدرجة الوله، تلك الحالة التي تجعله تائهاً بلا عقل، يتأخر في دراسته الجامعية، وتسوء حالته الصحية يُتندر به زملاؤه، ويصل بطل القصة إلى مرحلة الصراع النفسي مع نفسه ومجتمعه، الذي لا يرحم ولا يقبل أن يتزوج محبوبته بهذه الطريقة، ولكن الكاتب يتدخل بقوة وبلا مبرر لينهي قصته بعودة البطل إلى عقله وتفكيره، والاهتمام بدراسته. وتصور قصة ما قبل النوم الخوف من الموت حتى في ساعات الفرح، إنها حالة نفسية عاشها بطل هذه القصة حتى أصبحت حياته موت أُفراحه موت، ويتزوج البطل وما زال يفكر في هذا الموت في فلسفة غريبة، وتحليل نفسي جعله يخلط غرفته السوداء بالقبر، ربما لحبه للظلام وعيشه فيه، لكن البطل يخرج من هذه الأزمة بدعاء الله والتضرع إليه.

وفي قصة كغثاء السيل يصور لنا الكاتب حال الأمة الإسلامية، والضعف والوهن الذي أصابها الظلم الذي وقع عليها من أعدائها في الداخل والخارج، وما تعرضت له من خيانات حتى أصبحت تعاني من قلة الحيلة، ويتذكر بطل القصة صلاح الدين لعله يعيد أمجاد هذه الأمة التي فقدت قوتها وشرفها وكرامتها حتى أصبحت كقطيع الأغنام وغثاء السيل. وتحكي قصة خدود البنات حياة شاب يتزوج من امرأة عصرية تهتم بالمظاهر، وتتسم بالغطرسة والتكبر، وعدم احترام زوجها ضعيف الشخصية، فهي التي تأمر وهو ينفذ، أما شلته التي يجلس معها في تلك الاستراحة، ويريد أن يهرب إليها من صراعه الداخلي مع زوجته، ولكنها هذه الشلة لا تزيده إلا آلاماً وصراعاً داخلياً لأنهم يعيشون حياة بلا مبادئ ولا قيم.

وبأسلوب سردي جميل وبعيداً عن الوعظ المباشر يحذر الكاتب من الانسلاخ من القيم وسيطرة الجشع والظلم وأكل أموال الناس بالحرام. إن بطلنا هنا يصمد أمام هذه الجرائم ولكنه لا يصمد أمام غطرسة زوجته وتكبرها وذلها له!

وتصور قصة (عرب) حال الأمة العربية والإسلامية ومآسيها وما أصابها من ذل وهوان، ويصاب فيها البطل أحمد الذي يعمل مدرساً بالإحباط والآلام بسبب هذه المصائب التي يراها في نشرات الأخبار، وما تحمله من عار وذل وهوان لأبناء أمته. ولأنه يعمل مدرساً يحاول أن يوقد أحاسيس ومشاعر طلابه تجاه أمتهم وآلامها ولكنه يصدم بما فعلته القنوات التافهة من مسخ لعقولهم.

والقصة الأخيرة في هذه المجموعة هي (سكيرينة) وهو أحد الأحياء الشعبية الصغيرة في مدينة الرياض، واختار الكاتب هذا العنوان لمجموعته لكونه يحمل دلالة عاطفية وتاريخيه وحميمية تنبض بالمشاعر، والكاتب هنا يجعل بطل هذه القصة يتذكر ذلك الحي الذي عاش فيه، وقضى فيه أجمل الذكريات وأمتع اللحظات في طفولته ويصور لنا الكاتب البطل وهو يتردد في زيارة سكيرينة حتى لا يفقد تلك الذكريات الجميلة، ولكنه صدفة يدخل إليها، ثم يبدأ البطل في وصف مشاعره وانفعالاته، قبل أن يصف لنا هذا الحي الذي عاش فيه، يبدأ لنا تصويره ووصفه لهذا الحي عندما يلتقط أول مشهد وقعت عينه عليه وهو مسجد الحي، إنَّه يتوقف طويلاً أمامه لعله يحس بدفء الذكريات وعبقها وينجح الكاتب في التعبير عن مشاعر البطل لدرجة أن المتلقي أصبح يتعايش معه ومع هذه الذكريات الجميلة، ويواصل البطل وصف ذلك الحي حتى يصل إلى ذلك البيت الذي عاش فيه، فيروي لنا بأسلوب جميل وبلغة سردية غاية في الرقة والعذوبة تلك الذكريات التي طالما أحبها، ويستفيض الكاتب في الوصف، فيتذكر جيرانه وأصدقاءه وما يحويه هذا الحي، بلغة أشبه ما تكون بلوحات الرسام المتمرس، فيظهر هذا الحي بوصفه تجربة نفسية وعاطفية حمل معانات البطل وذكرياته بل إنها أثارت خيالاته وانفعالاته، إنّه يصف لنا هذا الحي فيرسمه بلغة جميلة أشبه ما تكون برسمة حائطية تمثل تاريخاً جميلاً، وظهرت للمتلقي لغة الحنين والشوق وتلك المشاعر المرهفة. فقد ألهمت سكيرينة بطلنا هذا الخيال وهذه المشاعر.

وإذا نظرنا إلى الشكل الفني لقصة سكيرينة وجدنا أنه يقترب من مجرد كتابة الذكريات أقرب منه إلى القصة، لخلوها من العقدة، وهي تكاد تكون مجرد لوحات من الذكريات الجميلة صاغها الكاتب بأسلوب عاطفي جميل، وقد يرى بعض النقاد أنَّ العقدة ليست الحد الفاصل في العمل الأدبي وتصنيفه إلى قصة أو مجرد لوحة.

البناء القصصي واللغوي في مجموعة سكيرينة.

يظهر لنا بشكل عام الإبداع في رسم الشخصيات بالوسائل المختلفة، فمرة يرسمها لنا تركي الماضي شخصياته بالوصف الخارجي، ومرة بالتعريف بها الذي يأتي في مناسبته، كما أنَّ الماضي يترك الشخصيات حرة بدون تدخل يفسدها ما عدا قصة ملتفاً على وحدته، ويقدم لنا الماضي شخصياته عبر المنلوج الداخلي، وهذا كان في كل قصص المجموعة، وهذا ما جعله يبدع في تحليل الشخصيات وظهور انفعالاتها التي كانت تصدم المتلقي، واستطاع الماضي بهذا الأسلوب أن يجعل المتلقي يتعايش مع هذه الشخصيات وينفعل معها في كثير من المشاهد، واعتمد الماضي في مجموعته هذه على السرد بشكل كبير، وقلَّما يدير حواراً، وجاء الحوار في قصص (ممتداً بلا نهاية) و(بالأبيض والأسود) و(ممتناً لانهزامي) و(ملتفاً على وحدته)، وظهر الحوار قليلاً في هذه القصص. إنَّ البناء السردي للقصة عند الماضي هو الذي جعله يعيش مع أبطال قصصه وكأنه واحد منهم فكان سرده الجميل منسجماً ومتناغماً مع الشخصيات ومليئاً بالحيوية، وهذا ما جعل المتلقي يحس فيها بأنه أمام أزمته هو. وإن كان الماضي قد اعتمد على السرد بشكل كبير على حساب الحوار إلا أنه قد أبدع وأجاد في الوصف فكان الوصف لدى الماضي هو الأسلوب الذي نقل به ملامح الجو الذي تجري فيه الأحداث وتصوير مشاهدها ومواقفها المختلفة، حتى أصبح الوصف ملحوظا بشكل كبير في قصص الماضي ومن أمثلة الوصف الذي أبدع فيه الماضي لخدمة القصة وصفه للمحبوبة في قصة كطعم السكر، ووصفه لمحل التصوير في قصة بالأسود والأبيض، ووصفه للمسجد وللبيت في سكيرينة. وابتعد الماضي عن الإنشائية في الوصف وعن الثرثرة التي لا تخدم المشهد، وأصبح الوصف لدى الماضي خيوط أصيلة في نسيج القصة.

أمَّا لغة الماضي فقد كانت تميل إلى الرومانسية واستخدام الألفاظ الهادئة، وابتعد الماضي عن الحذلقة، والألفاظ الإنشائية والزخرفات التي يمارسها بعض القصاص. ولغة الكاتب هي لغة عاطفية تنبض بالألم، وهي لغة رقيقة حساسة، يظهر فيها الحزن والأسى. وإن كانت لغة الماضي بهذه الصفات إلا أنها لم تخل بوظيفتها الدلالية والإيحائية من تصوير المواقف، وتجسيد المشاعر والأحاسيس. وسيطرت على المجموعة الروح الرومانسية وظهرت الصور المتخيلة المدهشة بشكل جميل:

(في مساء النكبات يحلو الحديث عن الوجع، مستلقياً على وسائد الوهن، أحاول رتق ذاكرة ثقوبها كسماء تتلألأ بنجوم الخيبة).

(أمسك بأطراف غترتي البيضاء حتى لا تطير كما أشياء أخرى في حياتي طارت).

(ما أجبن عدسة الكاميرات وهي تلتقط المشهد دون أن تبكي).

راشد بن محمد الشعلان - ناقد سعودي


rashedsh@hotmail.com

 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد