التدريب أحد روافد التنمية وهو ضرورة حتمية وحاجة ملحة للقطاعين الحكومي والخاص ولأفراد المجتمع، من خلاله يمكن تطوير العنصر البشري بتزويده بالمعلومات والمعارف اللازمة، وتنمية قدراته ومهاراته وتعديل اتجاهاته وقناعاته، بهدف رفع مستوى الكفاءة وتحسين الأداء وزيادة الإنتاجية، وتحقيق الأهداف الخاصة والوظيفية بأقصى قدر ممكن من الجودة والسرعة والاقتصاد، وأهمية التدريب أمر مفروغ من أهميته فلا يُنازعُ فيه، وهي أهمية مشروطة بتوفر مادة تدريبية متكاملة تغطي احتياجات المتدربين ومدرب متميز متمكن وآلية تدريبية واضحة تجمع بين المعلومة والمهارة والخبرة، وإذا لم تتوفر هذه العناصر فإنّ التدريب لن يحقق الهدف المنشود منه، وفي السنوات الأخيرة ساد مفهوم التدريب وانتشرت ثقافته بين غالبية أفراد المجتمع، وافتتحت المراكز التدريبية الخاصة والحكومية، وأصبح الجميع يتسابقون على المشاركة في الدورات التدريبية ويدفعون مبالغ مالية مقابل هذه الدورات، وسنة بعد أخرى بدأ الحماس يتلاشى وضعفت الثقة في المراكز التدريبية، واكتشف المتدربون أنّ غالب ما يقدم في هذه المراكز مما يسمى دورات تدريبية، ما هو في الحقيقة إلا مجرّد تجارة يتكسّب منها البعض، مستغلين حاجة الناس إلى تطوير أنفسهم وتدبيج سيرهم الذاتية بدورات تدريبية ترفع من قيمتهم الوظيفية، وأصبح التدريب حرفة من لا حرفة له، وأقصى جهد يمكن أن يبذله الإنسان ليكون مدرباً حضور دورة تدريبية وقراءة كتاب في الموضوع، وعرض مادته التدريبية على جهاز الحاسب من خلال عرض تقديمي، ولذلك فإنّ ما نشاهده في الوقت الحاضر في سوق التدريب، ما هو إلا تدريب تَكسُب وتجارة لا تدريب خبرة ومهارة. وقد تندهش كثيراً عندما تقرأ سيرة مدرب من المدربين الذين سطّرت لهم الألقاب (المبدع، المتألق، الرائع، ....) وترى العجب من تلك الدورات التدريبية التي يقدمها هذا المدرب في شتى المجالات (تربوية، ونفسية، واجتماعية، واقتصادية، وذاتية، ... الخ)، لتشعر أنك أمام شخصية فذة قد أحاطت بالعلم من جميع جوانبه، وتمكنت مما لم يتمكن منه العلماء الأفذاذ، وحملت من الألقاب ما يعجز المتابع عن حفظه ومعرفته (مدرب معتمد في البورد من الأكاديمية ..، ومدرب معتمد في التنمية البشرية، ومدرب معتمد في التفكير، ومدرب معتمد من المركز الكندي لعلم البرمجة اللغوية العصبية ..... الخ)، والأمر كله لا يتعدى معارف عامة ينثرها المدرب المبدع المتألق (الكوكتيل) على شكل محاضرة إلقائية حاول إيهام المتدربين بأنها دورة تدريبية من خلال استخدام جهاز الحاسب وجهاز العرض وبعض التمرينات الميتة، وغياب كامل لورش العمل والحلقات التدريبية والمباريات الإدارية، وكم من المعلومات المبتورة والتي يؤكد المدرب أثناء طرحها أنه يمكن للمتدرب أن يحصلها عليها كاملة من خلال حضوره لدورة أخرى بعنوان آخر بأسلوب تسويقي متميز. وحقيقة إن المتابع يصاب بكثير من الحرج وهو يشاهد بعضاً من هذه الدورات التدريبية التي تقدمها بعض مراكز التدريب، أو تبثها بعض القنوات الفضائية، ويتعجب من جرأة تلك الشريحة ممن سموا أنفسهم بمدربين معتمدين وهم ينشرون غسيلهم أمام الملأ ليكتشفوا بضاعتهم المزجاة وثقافتهم السطحية وبساطتهم، بل وسذاجة طرحهم، ولا تدري أأنت تستمع إلى مدرب أم معلم صف في المرحلة الابتدائية، فجزء من هؤلاء المدربين ما هم إلا حاطبي ليل بمجرد حضوره أحدهم لدورة أو حصولهم على عرض تقديمي لها إلاّ ويتحول بقدرة قادر على مدرب معتمد متنقلاً بين مجالات متنوعة من الفنون، ليقتاتوا من جيوب المغفلين الذي اعتقدوا أنهم سيخرجون بمهارات وخبراتهم تغير مجرى حياتهم لا مجرى أموالهم ... وأخيراً ولأنّ التعميم أمر مرفوض لأنه ليس من مسالك العقلاء، فإنّ هذا المقال يستثني نخبة من المدربين المتميزين ومراكز التدريب التي تحترم رسالتها، وتسهم في تحقيق التنمية البشرية في المجتمع بشكل يحقق لها الربح المشروع والفائدة للمتدرب.
- الرياض
Imis1234@hotmail.com