شتاؤنا قارص.. لاذع.. كما اللسعات الكهربائية، يضرب المفاصل (يكمش) الملامح، ييبس الشفاه، يسمر الأنامل، فتذعن له وتحجم في ساعات الصباح الأولى عن الانقباض والانبساط.
|
نتصارع معه مدة فصل دراسي كامل، وجزء من الفصل الثاني أيضاً..
|
(في الشمال).. ومعروف أن (هبوب الشمال بردها شيني) لدرجة أنه (ما تدفي النار لو حنا شعلناها).
|
يبدو أن مقولة (البقاء للأقوى) صادقة جداً؛ فشتاؤنا طويل، وحينما يذهب يبقى آثاره في ملامحنا، ولسان حالنا يقول: ألا أيها الشتاء الطويل، ألا ننجلي بدفء وما الدفء منك بأمثل..
|
** أطفالنا يغادرون فرشهم الدافئة.. يودعون أحضاناً حانية.. سحابة دمع تغشى عيونهم البريئة، لكنها لا تجرؤ الهطل والهمس، خوفاً من سطوة ولي الأمر.. حينما يهمون بالذهاب للمدرسة، يسترقون النظر للخلف، يحدقون في ألعابهم، وزوايا غرفهم، ودفء منازلهم، وكأنهم يساقون إلى الموت وهم ينظرون، وكأننا نزج بهم إلى العقاب والقهر، والقهر الأمرّ والأدهى! وبعد هذا العناء والتعب النفسي، ونزعهم من أحضان الدفء، تفاجأ بأن المعلم غائب و(ياكد ما لك خلف) حيث يقضي الطالب معظم وقته لهذا اليوم تحت سطوة زميل متسلط (العريف)، وكلما همس بكلمة دون اسمه في ورقة وبادر إلى المدرس المكلف بحصة الانتظار لديهم، ويبقى الطفل في حالة هلع وانتظار لهذا المدرس، هل سيوبخه؟ أم يضربه؟ أو... أو... ويعود الطفل للمنزل مرهقاً نفسياً وجسدياً من صقيع الجو والأفراد والأمكنة، يمارس طقوسه المعتادة بشكل أشد ضراوة حتى لا يتذكر المدرسة، في اليوم التالي يعود للمعاناة ذاتها، المعلم غائب، و(القبضايات) من زملائه يفردون عضلاتهم أمامه.. في اليوم التالي يرفض الذهاب.. تعده والدته بالغياب غداً إن لم يحضر المدرس لهذا اليوم.. لم يحضر مربي الأجيال، وصانع الأبطال.. وفت الأم بوعدها كناذرة نذراً، فأوفت وحلت، غاب الطفل، وحضر المدرس، وبسرعة خاطفة أكمل ما فاته من المنهج ليواكب خطته الدراسية.. فاتت على الطالب واجبات أربعة أيام (دفعة واحدة) بسبب غياب قد يكون له مبرر.
|
لكن.. ما هو المبرر لترك طلاب الصف الأول الابتدائي، دون دراسة، مدة ثلاثة أيام، هل يكمن العيب في المدرسة؟ أم في الإدارة المدرسية؟ أم..... أم ..... يا معلمي الصفوف الأولية، والصف الأول بالذات، رفقاً بفلذات أكبادنا.
|
أحلم بأن يتراقص أطفالنا فرحاً وطرباً للذهاب إلى المدرسة، ولفرط طموحي، أتوق لأن تكون عيونهم جذلى لرؤيتها.
|
تُرى.. من الذي أوصد أبواب قلوب أبنائنا عن حب المدارس والتعليم؟
|
|
|
|
|
|
يا رب من أجل الطفولة وحدها
|
|
أفض بركات السلم شرقاً وغرباً
|
|
وصن ضحكة الأطفال يا رب انها
|
|
إذا غردت في موحش الرمل أعشبا
|
|
ويا رب حبب كل طفل فلا يرى
|
|
وإن لج في الإعنات وجهاً مقطبا
|
|
وهيئ له في كل قلب صبابة
|
|
وفي كل لقيا مرحباً ثم مرحبا
|
|
- القريات
|
|
|