صديقي العزيز عبدالله بن محمد السهلي توفي في 29-11-1428هـ بسبب مرض عضال وكنت لا أعلم عن مرضه شيئاً فقد انقطع عن العمل بالمحكمة الجزئية بالرياض فظننت أنه في إجازة حيث كانت الأجواء ربيعية وكان من عشاق هذه الأجواء التي كان دائماً يقضيها في بلدته الرويضة وفجأة اتصل بي أحدهم مخبراً إياي بأن عبدالله قد توفي بعد أيام قلائل من تنويمه في المستشفى وقد كانت صدمة كبيرة لي حيث كنت معه قبلها ولم يكن يشكو من أي شيء فعرفت بعدها أنه لم يخبر أحداً بمعاناته ولا بمرضه نعم لم أستطع أن أبكي عليه لسببٍ لا أعلمه ولكن جلست أياماً وأشهراً أتذكره فيها فقد تذكرته يوم عيد الأضحى الماضي وتذكرته مع بداية هذه السنة الهجرية وتذكرته بعد مضي أربعة أشهر وعشرة أيام على رحيله وتذكرته عندما شاهدت سيارة تشابه سيارته وتذكرته عندما رأيت رقم هاتفه المخزن في جوالي وها أنا أتذكره بألم مع مرور سنة وبضعة أشهر على وفاته فعبدالله ليس الصديق الوحيد لي ولكنه الأعز والأغلى فقد أجبرني على محبته وعلى احترامه بتعامله الراقي وأدبه الجم وخلقه الرفيع كان يصافحني بيده كل صباح عندما نلتقي في العمل ويصافح الجميع كذلك بابتسامة كلها إشراق ومحبة للناس أجمع لقد كان موته هو أبلغ رسالة تعبّر عن ألم موت الأحبة وكان فقده فاجعة ذكرتني بموت عمتي أم علي سارة القرون فقد توفيت في عام 1416هـ وقد جاءني خبر وفاتها مع الساعات الأولى من الفجر وقد رأيت أبي يبكي لأول مرة في حياتي ولقد أدركت لحظتها كم كنت أحبها فلقد جلست في فراشي الدافئ ولم أكن أدري ماذا أصنع؟! هل أبكي عليها أم أصرخ بأعلى صوتي منادياً على عمتي كانت مشاعري مشتتة وكنت في عالم آخر ليس له صالة بعالمنا كنت أرتجف بل كنت كمن تجمدت أطرافه ودموعه من الصقيع فلم أستطع البكاء على الرغم من محاولاتي المستمرة لكي ارتاح وهذا ما حز في نفسي إلى اليوم حيث لا أزال ألوم قلبي ومشاعري كلما تذكرت تلك اللحظة واتهمهما بالقسوة فهما لم يبكيا على فراق عمتي للدنيا وقد يكون مقالي هذا محاولة بسيطة للتكفير عن الذنب الذي اقترفاه وحتى أكون صادقاً مع نفسي فقد بقيت سنوات طويلة وأنا أبحث عن هكذا فرصة لأكتب عن عمتي لعلي أشعر براحة ضميري الذي لا يزال يعذبني بل ويزداد تعذيباً لي كلما رأيت أحد أبناء عمتي.
|
عندما أتذكر من تخطفهم الموت من الأحباب طوال السنين التي مضت فإني أحاول في لحظات صفاء نفسي أن أعزيها بأن الموت والفناء هو مصير كل إنسان وأحبابنا سبقونا إليه ولابد لنا أن نلحق بهم لا محالة وأعزي نفسي بأن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم على علو فضله وقدره شرب من كأس المنون بل وأخبره الله بذلك في القرآن الكريم الذي أنزله عليه حين قال سبحانه: (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ) وكانت لحظات موته ومرضه صلى الله عليه وسلم مؤثرة للغاية وهي لحظات تستحق أن تكون السلوى والعزاء لكل من فقد حبيباً وغالياً فقد اشتد الألم على الرسول محمد من الحمى التي أصابته وكانت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها تمسح جبينه الطاهر من العرق الذي بلله وعندما حانت وفاته قال: (لا إله إلا الله إن للموت لسكرات اللهم أعني على سكرات الموت اللهم أعني على كرب الموت ثم فاضت روحه الطاهرة وهو يردد اللهم الرفيق الأعلى) لقد عودت نفسي عندما أرى أحد الذين أحبهم ميتاً أن أقول بيني وبين نفسي لو كان الموت يترك أحداً لترك أعظم من عرفته البشرية صلوات ربي عليه ولترك الصحابة رضوان الله عليهم الموت أراه اليوم كالقطار الذي يصعد إليه الجميع سواء كانوا آباء وأمهات أو أجداداً وجدات وسواء كانوا أزواجاً وزوجات أو أبناء وبنات أو إخواناً وأخوات وسيصعد إليه كذلك الأخلاء والأصدقاء والأقرباء وكذلك الأعداء الفارق الوحيد أن هناك من سيكون في مقدمة القطار وهناك من سيكون في وسطه وهناك من سيكون في مؤخرته.
|
ما أكتبه هي مشاعر إنسانية قد تكون تأخرت ولكنها كانت حبيسة أضلعي وعندما وجدت الفرصة خرجت فانطلقت ممسكة بالقلم ولتكتب على الورق مشاعري التي لا يمكن لإنسان أن يتحكم بها ويلجمها مهما أوتي من قوة وقبلي قدوتي النبي العظيم محمد الذي رأى الأهوال في سبيل دعوته لم يستطع أن يتمالك نفسه من البكاء عندما كان ابنه إبراهيم يحتضر بين يديه، حيث كانت عيناه الطاهرتان تذرفان الدمع الغزير فقال له عبدالرحمن بن عوف رضي الله عنه أتبكي يا رسول فقال له النبي: يا ابن عوف إنها رحمة ثم قال: إن العين تدمع والقلب يحزن ولا نقول إلا ما يرضي ربنا وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون.
|
تأتيني خيالات عندما أرى الطيبين من البشر يذكرون محاسن من سبقهم إلى الموت ويثنون عليهم في مجالسهم وأتساءل هل سيتذكرني أحد بعد موتي وهل سأجد من يدعو لي ويتصدق عني ويزورني في قبري ومن سيبكي عندما يسمع خبر وفاتي بل ومن سيحرص على حضور الصلاة على جثماني ومن سيصر على حمل نعشي ومن سيسبق الجميع وينزلني في قبري ثم يضعني في لحدي ومن سيتذكرني عندما تمر سنة على وفاتي؟!
|
هل ستتذكرني أمي أم سيذكرني أبي أم أخي وأختي أم أن الدنيا ستشغلهم عني وهل زوجتي ستتذكرني في ذلك اليوم وستبكي وهي تتذكر يوم زواجي منها ويوم فرحتنا بمولدتنا الأولى أم أنها نسيتني بعد أن تزوجت غيري وأنجبت منه البنين والبنات وعندما تمر عشرون سنة على وفاتي وتنشر جريدة الجزيرة في صفحة زمان الجزيرة مقالاً لي هل سيذكرني أصدقائي ومعارفي وأحبابي ويترحمون عليّ وهل سيتبرع أحدهم فيكتب مقالاً يخبر الجميع أنني مت قبل سنواتٍ طويلة نعم قد لا يتذكرني أحد وقد لا يكون ذلك مهماً لي ما دام زادي معي وعملي الصالح ينير قبري ولكن ما يؤلم عندما يكون الزاد قليلاً والسفر بعيداً ثم تكون ثالثة الأثافي أن لا أحد يتذكرني هنا ستكون رحمة ربي هي ملجئي وملاذي.
|
قرأت كثيراً عن الموت فوصلت إلى قناعة أن الحياة لا تتوقف بموت أي إنسان مهما بلغت قيمته ومحبته في القلوب نعم قد يحزن الجميع لأيام وشهور على موت ذلك الإنسان ولكن ستأتي ساعة يعترفون فيها بألسنتهم أو في داخل عقولهم أن الحياة لابد أن تستمر وأنه لا يمكن أن يبقى الشخص يبكي على فقد حبيبه طوال عمره وإن فعل فسيموت لا محالة من شدة البكاء والجوع والعطش وهذه هي فلسفة الموت والحياة يقول أحدهم (واعلم أن المقابر ملأى بأناس ظنوا أن الدنيا لا تسير بغيرهم وظن بعضهم أنهم لن يعيشوا من دونهم ومع ذلك فقد سارت الدنيا واستمرت الحياة من بعدهم وعاش هؤلاء الباكون عليهم من بعدهم كثيراً متمتعين بالحياة وطيباتها وغدا هؤلاء الراحلون مع الوقت مجرد ذكرى في طي النسيان) ولله در ذلك الشاعر الذي قال:
|
|
كل باب ولنا فيه اختيار
|
|
ولنا من سوء عقباه اعتذار
|
|
غير باب لم يزل يطلبنا
|
|
في اقتياد دون عزم أو خيار
|
|
كم تذكرناه في غفلتنا
|
|
واتقيناه فلم يغن الفرار
|
|
- حوطة بني تميم
|
|
|