كيف نربي نسراً؟! لعل هذا العنوان يثير تساؤل واستغراب الكثيرين.. إذ ما الذي يجعلنا نفكر في تربية النسور (في حين أننا بالكاد نسعى لتقديم واجباتنا الرئيسية كآباء وأمهات) في ظل هموم حياتنا اليومية.. كالاندفاع لكسب القوت (إعداد جداول مثالية لميزانية المصاريف) ترتيب وتنظيم غرف المنزل والمطبخ إعداد الوجبات الشهية.. الخ. لكن هذا المقال بالفعل.. موجه ومستهدف لمن لا يريد أن يقول (يا ليتني فكرت في تربية نسر!).
بعد هذه المقدمة البسيطة والمثيرة للفضول دعوني أدخل في تمهيد حقيقي لمقالي (كيف نربي نسراً؟!) كما هو معلوم لدى الجميع فإن النسور تبني أعشاشها على قمم الجبال الشاهقة.. مما يعرضها لعوامل الطقس المختلفة (كالأمطار والرياح العاصفة) والجليد أيضاً. وعندما يبني النسر عشه الضخم يبدأ بوضع الأغصان الغليظة والعيدان الصلبة. وفي داخل هذه الأغصان والعيدان يضع قطعا من الصخور والحصى والزجاج والأشواك وما إلى ذلك من المواد الصلبة المختلفة.. ثم يضع عليها بعض أوراق الشجر وقطع القماش والقطن.. الخ.. وفي أعلى العش يضع العريش وبداخله تضع الأنثى بيضها.
عندما تولد صغار النسور.. يوفر لهم كل من الأب والأم تغذية كافية من طعامهم، وحينما يكبر الصغار تبدأ الأم تدريجياً في زيادة مستوى قسوة الحياة في العش شيئاً فشيئاً.. فيبدأ الصغار في تسلق جوانب العش الضخم هرباً من هذه القسوة. وأخيراً تزيد الأم من قسوة الحياة في العش إلى أبعد حد.. فلا تترك في العش سوى قطع الحصى والزجاج والصخور.. فيضطر الصغار إلى لزوم جوانب العش.. من هنا يبدأ الحب القاسي بالفعل.. فعندما يبلغ الصغار قمة العش (تدفع الأم الواحد منهم ليندفع بسرعة شديدة إلى الأسفل) حتى يبدو الأمر أنه سيلقى حتفه على تلك الصخور وقطع الزجاج.. فتنطلق الأم بسرعة إلى الأسفل لتتلقى صغارها على ظهرها.. تكرر الأم هذه العملية إلى أن يتعلم كل الصغار الطيران بأنفسهم، لقد انتهت وظيفة أنثى النسر. وتلك هي التربية الناجحة التي سقنا من أجلها هذا المقال والذي نهدف من طرحه المساهمة في إعداد أفراد أكفاء مستعدين لترك بصمتهم في العالم، فكما يقول الحكماء (إنك لا تربي القادة أو الأبطال على أسرَّة من الريش) ولكن أسلوب النسر هو الأفضل، من هنا.. يجب على الآباء أن يتصرفوا كما تتصرف النسور إذا كانوا يريدون لأطفالهم أن يحلقوا عالياً. وفي النقاط التالية نقدم اقتراحات هامة لتطبيق هذه التربية:
1- علموا أطفالكم المسئولية بتحميلها لهم ومحاسبتهم في نفس الوقت، ان مجتمع اليوم في حاجة ماسة إلى أفراد يتصرفون بشكل مسئول، والمسئولية لابد أن تغرس في الطفل مبكراً.. فحينما ينسى مثلاً أداء واجباته المدرسية ويتصل بأمه في المنزل ليعلن لها نسيانه ذلك فإن المناخ العام في هذا اليوم سيفسد بأكمله، خاصة إذا أعلن أن نسيانه هذا سيؤدي إلى رسوبه في الفترة التقييمية.. وهنا يتمثل حل المشكلة في الاستجابة لطلب طفلكم الأول لكن عليكم أن تنتهزوا هذه الفرصة لتوضحوا له أنه في المستقبل يجب عليه أن يتحمل المسئولية كاملة.. فإن تكرر ذلك فقولوا له حينئذ: آسفون جداً هذه مسئوليتك أنت.. قد يكون الرسوب في التقييم أمراً خطيراً ولكن إذا لم يتعلم طفلك تحمل المسئولية فسيواصل استهتاره وإحباطه ورسوبه.
كلما علمتم أطفالكم تحمل المسئولية مبكراً قلت المشكلات الخطيرة التي قد تضطروا لمواجهتها فيما بعد.
2- مساعدة الأطفال على وضع الأهداف: إن الأطفال الذين يضعون الأهداف والخطط - خاصة في بدايات المراهقة - لن يتصرفوا بشكل مدمر على الأرجح قياساً بالأطفال الذين لا يفهمون أهمية تلك الأهداف، ذلك لأن عملية وضع الأهداف تشتمل على خطط لتحقيقها كما تحد هذه الخطط بالتأكيد كثيراً من السلوكيات السلبية.. استمروا في الحديث معهم دائماً عن أحلامكم وأهدافكم، ناقشوهم في أهدافهم المدرسية لهذا العام، ساعدوهم على تدوين أهدافهم.. سيركز أولادكم هنا على تحقيق الأداء بأعلى مستوى ممكن.
3- اجعلوا منهم أداة فاعلة: يقول وليام بينيت (إن في إمكاننا أن نفعل شيئا لمنع أبنائنا من تعاطي المخدرات.. وطبقا لذلك فإن الأبناء الذين يتصلون بآبائهم بشكل جيد ويؤدون العبادات بشكل منتظم ويشتركون في الأنشطة الرياضية والثقافية وما إلى ذلك لا يتعاطون المخدرات أبداً).
من هنا يجب على الآباء زيادة مشغوليات أبنائهم وتذكيرهم بأنهم مخلوقات فاعلة يمكن أن تقوم بأعمال عظيمة.
4- زرع النظام في حياتهم: يحتاج أولادك إلى جدول أعمال يرتكز على الأنشطة الإيجابية.. ومن الأشياء التي تساعد الأبناء كثيراً تناول الطعام مع الأسرة النوم والاستيقاظ في مواعيد منتظمة مع تخصيص أوقات محددة للدراسة.
في المساء إذا كان وقت النوم هو التاسعة ففي الثامنة والنصف قولوا للأطفال (حسناً ستذهبون إلى أسرتكم في التاسعة تماماً، إذاً.. ليعمل كل منكم على قضاء حاجاته ويفعل كل ما يريده بدءاً من الآن، وفي تمام الساعة التاسعة سنخلد جميعاً إلى النوم). في الصباح استيقظ مبكراً بخمس دقائق وحينما تمر بباب حجرة أطفالك دق الباب عليهم.. وقل حسناً يا أولادي لقد حان وقت الاستيقاظ من النوم.. بعد دقيقتين أو ثلاث أخرى استأذن للدخول عليهم لتتأكد من شروعهم بارتداء ملابسهم، احرصوا على أن تقولوا أشياء إيجابية مثل: لا نستطيع أن نقول لكم كم نحن نحبكم، الحمد لله الذي وهب لنا أطفالاً أمثالكم سيستمتعون بيومهم كثيراً.. إلخ.
5- احترسوا مما تقولون: أؤكد لكم بشدة على أهمية ما تقولونه لأطفالكم، وعلى أثر ذلك على عقله يقول بيل جلاس (إن 90% من المسجونين ذكروا أن آباءهم كانوا يقولون لهم باستمرار: في يوم ما سينتهي بكم الحال إلى السجن).. احرصوا على أن تقولوا لهم أشياء إيجابية مشجعة.
6- وجهوا المدح بالشكل اللائق: من الأهمية بمكان أن يفهم الأب والأم بعض الأساسيات عن تربية أطفالهم، فالأطفال مختلفون، ولكل منهم طابعه الخاص، فمنهم من هو موهوب في الرياضة ومنهم من يتمتع بوسامة وجاذبية... إلخ.
وطبقاً لما يقوله أحد علماء النفس في إحدى الجامعات الأمريكية البارزة: (فإن الصغار الذين يقال لهم إن أعمالهم الجيدة تعكس ارتفاع مستوى ذكائهم يبدؤون على الفور في قياس ذكائهم عن طريق أدائهم، وعندما يتعرض هؤلاء الصغار إلى النكسات يستبد بهم فتور الهمة لأنهم يتصورون حينئذ أنهم يفتقرون إلى المهارات المطلوبة للنجاح). ولكن علم النفس هذا.. يرى أن الأطفال الذين يتعلمون أن النجاح لا يأتي إلا من خلال الجد والمثابرة لا يعانون بالمرة من فتور الهمة ويميلون دائماً إلى مواصلة المحاولة.
أخيراً.. إنني واثق بأن العديد من الذين يقرؤون هذا المقال الآن سيقولون: يا ليتنا أدركنا هذا الأسلوب لتربية أبنائنا. وبدوري أقول لهم: قد نقول (يا ليتنا..) مرات عديدة في حياتنا.. لكن أعتقد أننا إذا ما غيرنا أسلوبنا من الآن فصاعداً نستطيع أن نتجنب الندم على ما فات. وفق الله كل أب وأم لتربية أبنائهم ليكونوا مستعدين لترك بصمتهم في هذا العالم بإذن الله.
haroon5000@gmail.com