Al Jazirah NewsPaper Wednesday  22/04/2009 G Issue 13355
الاربعاء 26 ربيع الثاني 1430   العدد  13355
هل يمكن للعلاقات المعرفية بالآخر أن تكون أكثر مصداقية من العلاقة السياسية؟
د. فوزية أبو خالد

 

لا بد أنه قد لاحظ الكثير من القريبين من العالم الأكاديمي وعالم الجامعات وربما عالم الصحافة والإعلام انثيال عدد من الوفود الأكاديمية والإدارية على مستوى رفيع من رؤساء بعض الجامعات الأمريكية إلى مهندسي العلاقات العامة فيها باتجاه مجتمعات الخليج والمجتمع السعودي.ويأتي هذا التحرك (المعرفي) بهدف معلن هو تنشيط العلاقات الأكاديمية العلمية والثقافية

مع مجتمع السعودية والخليج ومؤسسات تعليمه العالي دون أن يشمل هذا الهدف على ما يبدو بلدانا أخرى من العالم العربي كالسودان أو لبنان أو اليمن وسواها من بلدان الدخل المحدود إن صح التعبير. فتلك الزيارات تكاد تنحصر في مدن بعينها من مدن المعين النفطي وهي الرياض، جدة، العين، أبوظبي، الدوحة والكويت من دون كبير حرص على التوقف بالمنامة أو مسقط مما يعتبر من بلدان مجلس التعاون الخليجي أو (GCC) على حد تعبيرهم التي يحرصون فيما قرأته وسمعته من طروحاتهم على مد جسور التبادل العلمي والثقافي معها جميعا. أما هدفها المعلن الآخر لذلك وإن جاء تلميحا لا تصريحا فهو ترميم ما أفسدته السياسة والتشدد من تاريخ الحادي عشر من سبتمبر 2001 إلى ما بعد الاحتلال الأمريكي للعراق وتواصل مآسي المنطقة تحت ما أسمته إدارة بوش البائسة بالحرب على الإرهاب.

ويمكن أيضا ملاحظة ظاهرة ثانية متساوقة مع الظاهرة الأولى أعلاه، وهي ظاهرة إحياء علاقات قديمة كادت تيبس خاصة إبان الفترة التي خفتت فيها رياح الابتعاث الجامعي الخليجي عموما والسعودي خصوصا إلى أمريكا وسط الثمانينات نتيجة انحسار الطفرة النفطية الأولى وعوامل أخرى تتعلق بالبوصلة الفكرية والسياسية للمنطقة. وتتمثل هذه الظاهرة بمد حبال التواصل من جديد مع أكثر من رعيل من خريجي تلك الجامعات الأمريكية لعقود سابقة يرجع بعضها لعقدي الستينات والسبعينات الميلادية من القرن الماضي حين كانت وقتها تربطنا بعدد من الجامعات الأمريكية حركة ابتعاث نشطة في شتى حقول التخصص العلمي لكليات الآداب والعلوم معا. وتجري ظاهرة وصل ما انقطع بالطلاب القدامى للجامعات الأمريكية وخاصة من يتبوأ منهم مناصب رفيعة أو مواقع مؤثرة في مجتمعاتهم اليوم تحت مسمى وظيفي تعرف به عادة معظم الجامعات الأمريكية وهو يتمثل في إحدى الوحدات العريقة من تركيبة مؤسسة التعليم الجامعي هناك وهي وحدة (الخريجين القدامى) أو ما يعرف ب(Alumni).

وهناك ظاهرة ثالثة تتعلق بحضور هذه الوفود الإدارية والأكاديمية إلى منطقة الخليج وهي ظاهرة من شقين: شقها الأول يتعلق باستقطاب المزيد من الطلاب الخليجيين الجدد للجامعات الأمريكية مع العمل على اللقاء مع بعض أسر وجهات ابتعاث الطلاب الموجودين لديها حاليا من باب إظهار الحرص والاهتمام.

أما الشق الثاني وربما هو الأهم في أجندة هذه الزيارات الاستقطابية فيتمثل في التقدم للحصول على دعم (مالي) لتلك الجامعات وخاصة في هذه اللحظة من ذروة الأزمة المالية التي تمر بها الولايات المتحدة الأمريكية بمختلف مؤسساتها الاقتصادية والاجتماعية والتربوية والعلمية بما فيها بطبيعة الحال مؤسسات التعليم العالي وجامعاته. مع استدراك لا بد منه للتوضيح ولأنه بعض من بيت القصيد لهذا المقال، وهو أن طلب معظم هذه الجامعات (للدعم المالي) من دول الخليج وعبر مختلف المؤسسات المعنية بالشأن المعرفي أو حتى عبر القادرين ماليا من الخريجين القدامى أو سواهم ممن يرون في الدعم خدمة معرفية لأوطانهم أو ربما وسيلة لتحسين الصورة أو غيرها من أسباب ذات سمت نبيل لا يجري في الغالب إلا بطريقة قانونية حسب اللوائح المنظمة للعمل والتمويل والمنح بالجامعات الأمريكية. ولذا - وهذا هو لب الاستدراك المشار إليه - فإن طلب ممثلي الجامعات الأمريكية للتمويل الخليجي لجامعاتهم خلال زيارتهم للمنطقة غالبا ما يكون بصفة قانونية، وغالبا ما يكون محددا بطلب التمويل لأقسام التدريس أو مراكز البحوث الخاصة بمجالات علوم ما يسمى هناك بالدراسات الشرق أوسطية أو الدراسات الإسلامية أو العربية.

غير أنه مع الأسف لا يقابل هذا الدقة القانونية والتحديد المصرفي والمعرفي من قبلهم، غير القليل من العفوية في استقبالنا لتلك الطلبات وحتى عند الاستجابة السخية لها. وعلى سبيل تقريب الصورة للأذهان يمكن محاولة تحديد المقصود بأطروحة هذا الموضوع من خلال صياغته على شكل عينة من الأسئلة:

* هل عندما يقدم أي كم من الدعم الخليجي للجامعات الأمريكية سواء كان مؤسسياً أو فردياً يكون ذلك مشروطاً أو على الأقل مصحوباً بأي نوع من أنواع الاتفاق الصريح إن لم يكن المدروس بالوجه أو الأوجه الدقيقة والموضوعية التي سيصرف عليها أو سيساندها مثل هذا الدعم؟ * هل هناك مثلا تدقيق في نوع البحوث أو المحاضرات أو العمل العلمي الذي تتبناه مراكز تلك الجامعات للدراسات الشرق أوسطية أو للدراسات العربية والإسلامية بحيث يؤدي ذلك خدمة ملموسة في مجال تطوير العلوم في مجال الدراسات الإسلامية والعربية؟

* هل يشترط مقابل التمويل مقابل معرفي على مستوى دعم الحوار الحضاري بين الطرفين المعنيين وعقلنة العلاقات السياسية على أسس أكثر عدلا وعقلانية؟

* هل هناك استثمار لعلاقات الدعم في تطوير تجربة العمل للقوى البشرية المؤهلة لدينا وتنويع خبراتها كاستقبال أساتذة زائرين من جامعاتنا في جامعتهم أو القيام بمشاريع بحوث مشتركة لمجالات الاهتمام العلمي في التخصصات العلمية المختلفة ومنها الدراسات العربية والإسلامية والشرق أوسطية والعلاقات الدولية أو أي مجالات علمية وتقنية أخرى؟

* هل يمكن أن يجري مثل هذا التعاون ضمن منظومة مجلس التعاون ولو على مستوى تنسيقي بدل الطريقة الانتقائية التي تجتهد فيها بعض الجامعات الأمريكية في مد جسور التواصل مع المنطقة بحيث يكون هناك (دون مصادرة مساحة حرية الحركة بطبيعة الحال) حد أدنى من الاتفاق على مجالات التعاون العلمي وسد فجواته بين دول الخليج نفسها؟

* هل يمكن أن يكون من اشتراطات الدعم لتلك الجامعات تعيين عدد من مقاعد الدراسات الجامعية بنظام المنح في تلك الجامعات تذهب لصالح طلاب من فلسطين أو العراق مثلا؟

أطرح هذه الأسئلة بناء على ملاحظتين متعارضتين لاحظتهما عن قرب لهذه الوفود الزائرة من الجامعات الأمريكية بالمملكة وببعض دول الخليج، وكذلك من خلال تجربة التواجد للتفرغ العلمي بجامعات أمريكية.

الملاحظة الأولى تتمثل مع الأسف في كم المجاملات المفرط من قبل الطرفين المضيف الخليجي والمستضاف الأمريكي في إدارة برامج الزيارات تلك؛ حيث قد تضيع فرصة وضع برنامج عمل مشترك ومشروط بمردود معرفي يخدم قضايا المنطقة في عمقها الإسلامي والعربي إذا لم يأخذ الحديث مداره إلا حول موائد المفاطيح وصحون القعود والقدوع في الفنادق والمزارع الخمسة نجوم.

الملاحظة الثانية يعبر عنها وجود فرصة حقيقية واستعداد ملموس اليوم لدى الجامعات الأمريكية لاستثمار معرفي وتلاقح حضاري وتطوير أدائي على مستوى مؤسسي وبشري لو أننا جعلناهم يحملوننا على محمل الجد كثقل سياسي واقتصادي واجتماعي وطاقات معرفية وليس كمجرد مصدر سخي للتمويل وحسب. وكما يقول علماء الاجتماع من يمتلك المعرفة يمتلك زمام أمره؛ فالمعرفة مفتاح وسلاح (Power Knowledge is ) ولله الأمر من قبل ومن بعد.



Fowziyah@maktoob.com

 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد