Al Jazirah NewsPaper Sunday  31/05/2009 G Issue 13394
الأحد 07 جمادىالآخرة 1430   العدد  13394

الدارة ودورها الخلاق

 

وقت طويل مر على أولى زياراتي لها، تغيرت خلاله أشياء وتطورت أشياء: المواقف، بعض الملامح والوجوه، سيمياء الزمان والمكان، إرهاصات الفعل ورد الفعل... كلها تغيرت، وحدها الدعاية المُغرضة نحوها لم تتغير، إلا من حيث تطور أساليبها بكيد جديد ووشايات أجد، وإذا كان إرضاء الناس غاية لا تدرك، فإرضاء المثقفين غاية مستحيلة، أما إدارتهم فصعبة ومقلقة ومعقدة، ومهما بلغت من إرضائهم فلابد من السُخط على كل حال.

حين تعود بي الذاكرة إلى الوراء إلى عام 1416هـ، إلى حيث الزيارة التي قمت بها إلى دارة الملك عبدالعزيز، أتذكر جيداً كيف كنت متوجساً من تلك الزيارة، وكيف حُذرت منها، يومها قيل لي: هي بنك الوثائق في بلادنا ولكنها لا تَمنح.. لا تُعير.. لا تُقرض... وسترجع منها بخُفي حنين، آخر قال لي: نصيحة لا تذهب ستقصد نبعاً فياضاً ولكن سترجع ظامئا، وإذا نفحوك بشيء فستراه ضئيلاً لا يستحق العناء من أجله، لأنه كعطاء المُكره أو لذر الرماد في العيون، ولن ينالك منهم إلا التحسر على الكثير من الوثائق المهمة، التي سيسيل لعابك لها كما كل باحث، ولكن دون أن تحصل على بغيتك منها!

لم أنثنِ أمام تلك الدعوات المُنكهة برائحة النصح، أو دَخن التشاؤم، أو سوء الظن، أو ما لست أدري ما أسميه، المهم أني ذهبت أتأبط وريقات قديمة من مراسلات الملك عبدالعزيز إلى بعض من سلف من رجالات أسرتي لأهديها للدارة، ولتكون لي دالة عندهم في الحصول على ما أريد منهم إذا ما اعترضتني سدودهم المنيعة، سُروا بصور تلك الوثائق التي حملتها إليهم، ومُكنتُ من الاطلاع على أرشيف الدارة بكل سهولة، وما طلبت تصويره صور لي معظمه، أي بما يفوق عدد وريقاتي التي حملتها إليهم، وعدت -بحمد الله- وأنا أحمل للدارة وللعاملين فيها انطباعاً غير الذي قصدتهم به، أما خُفي حنين فقد تركتها لينتعلها من يضربون أكباد الظن السيئ في الآخرين.

دارة الملك عبدالعزيز أو مركز الوثائق التاريخية أو القومية أو الوطنية كما اسم نظيراتها في دول أخرى، هي الجهة المعنية بحفظ تراثنا الوثائقي المخطوط، وهي الأولى بثقة الباحثين لا ريبتهم، وتواصلهم لا قطيعتهم، وحتى في حال الاختلاف لا ينبغي لشرف الخصومة أن يكون غائباً عن مساحة الحوار بين المختلفين، بالطبع أعني البعض المُقاطع والمُشكك، وإلا فالصلة والثقة موجودتان ولا شك.

أحد الذين حذروني من الدارة يوماً، واحد من عُتاة جُماع الوثائق والمخطوطات، وهو ضنين بما تحت يده، شأنه في ذلك شأن الكثير من جُماع الوثائق، بيد أن له على أمثاله درجة، والوثائقيون كما التشكيليون كما القاصون كما المسرحيون لهم طقوس خاصة، وسيكولوجية متفردة، فتحت مبرر من شَقي في الحصول على وثيقة هو الأولى بإخراجها، تُخفى وتكنز الكثير من الوثائق، كما لدى صاحبي الذي ستفنى أعمار قبل أن يتسع وقته لإخراج كل أو بعض ما تواريه خزائنه، ولا أزال أتذكر ذات يوم وهو يطلعني على نفائس مقتنياته من المخطوطات والوثائق الأصلية، وهي بالمناسبة محفوظة بطريقة بدائية وسيئة، يومها كان يحدثني بحماسة عن أهمية إخراج الوثائق وعدم الانفراد بحفظها بعيدا عن الباحثين، قطعا كان يتحدث عما عند غيره لا ما عنده، وفي غمرة اندفاعه بالحديث قلت له في صراحة صادمة: ماذا عن الوثائق التي تحت يديك، ماذا لو حدث لك مكروها - لا سمح الله - ألا ترى أن تراثا كبيرا كهذا سيكون عُرضة للضياع؟ أسقط بيده وأجابني بكلمات غير محسوبة، ولكنها كانت معبرة عما يكنه ضميره حيال تلك الثروة المُرتهنة لديه، فقال متمثلا ببيت من الشعر:

نفسي التي تملك الأشياء ذاهبة

فكيف أبكي على شيء إذا ذهب

إذا هناك مصلحة شخصية فوق المصلحة العامة المُتباكى عليها، وهناك من يذرف دموع التماسيح وهو يزعم التفاني من أجل استنقاذ تراثنا المفقود، وهناك أيضا من لا يريد للوثيقة - أيا كانت - أن تخرج إلا من خلاله، وإن مات ظمأنا من الحصول عليها فلا خرجت أبدا إن لم تر النور على يديه.

بل إن من الوثائقيين من يعد مُشاركيه البحث في موضوعات معينة خصوما ثقافيين وإن لم يفصح أو يفصحوا عن ذلك، كما يعد منافستهم له ما هي إلا معركة من المعارك التي يجوز فيها الكذب والخداع والتضليل، ورغم الود المتبادل بينهم، واتصال أواصرهم، وتزاورهم المعتاد، وتعاونهم المشترك، إلا أن هذا لا يحول دون تكتم كل منهم على مصادره، وإخفاء طرق الحصول عليها، وإذا ما عرف أحدهما أن بغيتهما موجودة في هذا الموطن أو ذاك، ورى بمكان آخر ليُبعد النجعة عن صاحبه، أو يزعم أن مطلوبهما مُتحفظ عليه، حتى لا يحصل منافسه أو العدو المفترض على ما حصل هو عليه!

آخر تدلهُ على وثيقة محفوظة في مكان ما، وهو أحوج ما يكون إليها، ولأن الدال على الخير كفاعله، تطلب منه صورة من الوثيقة إياها إذا ما حصل عليها.. فيعد بذلك، فإذا ما حازها في أدراجه، أوصد دونها أبوابه، وأغلق عليها أقفاله، وتناسى وعده لك، فإذا ذكرته بها مجددا وعدك ولم ينجز ما وعد، فإذا أحسنت الظن به وذكرته بها ثانية، ماطل وسوف وأوسعك بمواعيد كما السراب حتى تمل، أو حتى تفهم أنه إذا وعد أخلف، وغير ذلك كثير مما يضيق المقام بذكره، ألم أقل لك إن لهم طقوسا وسيكولوجية متفردة؟ أولئك هم من يسودون بياض الآخرين ليقنطوا غيرهم منهم، وليقطعوا الطريق عليهم فلا يصلون إلى ما وصلوا إليه، وفي سبيل ذلك يخترعون من القصص ما يحقق أهدافهم، ولا غرو ف(عدو المرء من يعمل بعمله) كما في الحكمة المأثورة.

في الآونة الأخيرة نجحت الدارة وتألقت لأنها تجاوزت دورها التقليدي في جمع الوثائق وحفظها، وطبع الكتب ونشرها، إلى متابعة معطيات المشهد التاريخي، إلى قراءته، إلى نقده أحيانا، إلى التحذير من الكتب والوثائق المزورة، ولم تكتف بالتحذير العابر في زمن الميديا المُبهرة، وثورتها المعلوماتية التي يُنسي بعضها بعضا، بل درست وعلقت وطبعت ونشرت تلك الكتب المشبوهة، وبينت ما فيها من تشويه ودَخن وتزوير وهذا - ولا شك - سر تميزها ودورها الخلاق.

عبدالله بن أحمد آل ملحم

almol7em@hotmail.com

 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد