Al Jazirah NewsPaper Saturday  06/06/2009 G Issue 13400
السبت 13 جمادىالآخرة 1430   العدد  13400
المرأة بين الكويت والسعودية.. مسافة الألف ميل
د. فوزية البكر

 

ما جرى ويجري في الكويت من حيث إشراك المرأة في صنع القرار السياسي عبر دخولها اقتراعاً وترشحاً للمرة الأولى في تاريخ الكويت، حيث نعرف جميعاً كيف تمكنت النساء الأربع من تحقيق فوز أقل ما يقال عنه إنه شعبي ويمثل (كما يبدو للقارئ الخارجي) الشارع الكويتي بمعظم أطيافه التي تبدو ممثلة في تشكيلة مجلس الأمة، إضافة إلى دخول إحداهن للترشح لمنصب نائب رئيس مجلس الأمة، هذا مع اتباع القيادة الكويتية تقليدها بإشراك المرأة الفعلي في تشكيل الوزارة الجديدة

عبر وزيرة الاتصالات معصومة المبارك التي كانت تحتل حقيبة وزارة التخطيط في الحكومة السابقة.. كلها مؤشرات دالة على درجة كبيرة من التحوُّل النوعي والقيمي يمر بها مجتمع الكويت مكّنته من تجاوز الكثير من الأطر التاريخية التي ما زالت النساء في بعض دول الخليج الأخرى يرزحن تحت ثقله وإن بدرجات متفاوتة، لكن الإرادة السياسية الداعمة لهذه المشاركة - رغم حداثة التجربة الديمقراطية في معظم دول الخليج - مكّنت المرأة من المشاركة في القرار السياسي؛ ففي قطر تحمل امرأتان حقيبتين وزاريتين على غاية من الأهمية ممثلة في السيدة شيخة المحمود وزيراً للتعليم والتعليم العالي وغالية آل ثاني وزيراً للصحة، وفي البحرين تحمل المرأة حقيبة الإعلام الوزارية، وكذلك في عُمان ممثلة في وزارة الشؤون الاجتماعية، في حين تنعدم المشاركة العامة والسياسية للمرأة في المملكة!!

والحديث عن مشاركة المرأة يستجلب معه الكثير من الصخب التاريخي الذي يواكب حضور المرأة أينما كانت، وخاصة في المجتمعات التقليدية التراتيبة، وفي حين عملت العوامل التاريخية نفسها والحضارية على تعديل أو تغيير الكثير من المفاهيم حول المرأة في معظم المجتمعات الحديثة بمساعدة مؤسسات المجتمع الرسمية والثقافية.. ظلت هذه المرأة في مجتمعات أخرى أسيرة الكثير من سوء الفهم والقولبة التي أثرت بالضرورة على الأدوار العامة والخاصة لهذه المرأة.

والمرأة السعودية بلا شك نموذج صارخ لذلك.. فهي مثلها مثل أي مواطن مُنحت حق التعليم والعمل (ضمن قطاعات محددة) والخدمة الصحية وغيرها مما توفره المجتمعات الحديثة عادة لمواطنيها بما يضمن حقوقاً متساوية لكافة الفئات الاجتماعية بعيدا عن عنصرية النوع أو الطائفة أو الخلفية العرقية والقبلية، لكن مشكلة المرأة هنا أنها ظلت أسيرة للأفكار السائدة وللقولبة التاريخية التي منعتها وحرمت المجتمع نفسه من الاستفادة من طاقاتها الوطنية الهائلة عبر تاريخنا الحديث.

لسنا نتوقع حلولاً سحرية كما أن أبجدية الدراسات الاجتماعية والتجربة التاريخية لأمم العالم تعلمنا أن القيم والمفاهيم لا تتغير بنفس السرعة والبساطة التي تتغير فيها الظواهر المادية، لكن المجتمع فيما يبدو يجد راحة عظيمة في التسلح بفكرة أن التغير يجب أن يكون تدريجياً، وأن الأفكار - وبالتحديد حول المرأة - لا تتغير بسهولة، ومن ثم يعفي نفسه من ركوب مخاطرة التغيير التي تتطلب خطوات عملية وواضحة لدعمها على المستوى القيمي والقانوني والمادي بما يحقق فرصاً عادلة لجميع المواطنين رجالاً ونساء كما تفعل كافة دول الخليج من حولنا التي تشاركنا ذات التاريخ والخلفية القبلية والبنى السياسية والاجتماعية وتمكنت من تخطي الكثير من الحواجز والمعوقات القيمية من خلال تبني أفكار إيجابية حول المرأة مكّنتها من المشاركة الفاعلة على كافة المستويات سواء كمعلمة أو وزيرة أو نائبة في مجلس الأمة.

المشكلة أننا سنظل كسعوديات بعيدات عن صنع القرار طالما ينظر لنا من منطلق أننا (ذوات طبيعة خاصة) هي أقل كفاءة وعقلا وقيمة إنسانية من الرجل العاقل الذي يمكن أن يقود الدفة بسلام بما يملك من إمكانات طبيعية عقلية وشخصية هي في جوهرها مختلفة عن المرأة التي لا تمكنها خصائصها الطبيعية التي ولدت بها من الإدارة أو القيادة العامة سواء على مستوى المؤسسة المرتبطة بقطاع ما صحياً أو تعليمياً أو اقتصادياً في مستوياته العليا وليس التنفيذية فقط، أو تلك المرتبطة بمؤسسات صنع القرار الأكثر شمولاً كالوزارة أو مجلس الشورى أو مجلس الوزراء (انظر كيف تصنف المرأة كمخلوق مختلف ذي طبيعة خاصة عبر سياسات وأهداف التعليم وقوانين العمل وما يحكم المؤسسات العامة ومعظم المؤسسات الخاصة عند تعاملها مع المرأة).

هذه النظرة (المختلفة) للمرأة ككائن إنساني بالطبع ولكنه (أقل عقلاً وحكمة) وأقل قدرة على إدارة النفس والآخر، خلقت معها رؤى وممارسات اجتماعية ومهنية وسياسية وأنماطا للعمل وللسلوك الاجتماعي اعتاد عليها المجتمع والمؤسسات مثل فكرة المحرم للمرأة لتقضي شؤونها الأساسية كاستخراج جواز سفر أو إنهاء معاملات حكومية أو هذا الابتكار الذي أثبتت البحوث والدراسات العلمية أنه لا يحقق سوى 20% من جدوى التدريس وهو استخدام الدائرة التلفزيونية المغلقة للتدريس والإشراف على الدراسات العليا واستخدام الهاتف في المشاركة في اللجان ومجالس الأقسام ما بين الأقسام الرجالية والنسائية وخاصة في المؤسسات التعليمية.. إلخ من الممارسات المهنية والتعليمية والمجتمعية التي أضحت لكثرة التعوّد عليها لا تثير جدلاً في قانونيتها أو درجة عنصريتها أو درجة فعاليتها في أماكن العمل أو تأثيرها على حق المرأة المتوازي في الإمكانات وصنع القرار داخل مؤسسات الوطن؛ ما ساهم في تكريس عقلية ذكورية وعنصرية رسخت في العقلية الجمعية للمؤسسات والأفراد ذكوراً وإناثاً على السواء في مجتمعنا، وعزلت المرأة وبالضرورة عن مواقع صنع القرار أو حتى عن التواصل والتأثير فيمن يتخذون هذه القرارات، وهكذا كرسنا كمجتمع هذه الأوضاع الشاذة التي امتلك الرجل فيها السلطة الفعلية داخل كافة المؤسسات النسائية والتعليمية منها على وجه التحديد، وهو الذي لم يضع قدمه فيها ولا يعرف ما يجري بداخلها ومن هم اللاعبون المؤثرون، في حين لا يتصور هو كرجل أن يقوم أحد باتخاذ القرارات في مؤسسته أو تقييمه دون أن يعمل معه.

ولا نظن أن بُعد المرأة عن صنع القرار يعود للرجل فقط، إنه أيضا يعود ويكرس بواسطة هذه المرأة المغيبة التي تشارك في هذه التمثيلية الهزلية ضد وجودها الخاص والعام دون أن تدري!!!! فعمليات التنميط الاجتماعي عبر مؤسسات التنشئة الاجتماعية من أسرة ومدرسة وإعلام ومؤسسات ثقافية عامة تعمل في تفان غير مسبوق لتتأكد بأن هذه المرأة تم تنميطها وتم ضمان قبولها للنظام بل جعلها حارسة على بوابة سجنها الذاتي حتى تموت!!

ومن هنا تأتي أهمية دعم القيادات العليا على كافة المستويات الدينية والسياسية والاقتصادية والتعليمية في صنع مسارات التغيير الاجتماعي الذي نرجوه فيما يتعلق بمشاركة المرأة. حين تبنّت الدولة خططها الخمسية للتنمية فقامت بوضع لبنات البنية التحتية، وحين افتتحت الجامعات والمعاهد، كانت هناك رؤية واضحة لوطن قوي وغني ومؤثر في سياسات العالم يستحق أن يحتل موقعه الطبيعي بين الأمم.

وعلى نفس الدرجة من الأهمية تأتي أهمية وفعالية صنع القرارات الإيجابية لصالح المرأة وتمكينها للمشاركة في دفع عجلة التنمية ومساعدتها لاتخاذ القرارات في كل ما يتعلق بهذا الوطن مثل شريكها الرجل عبر دعم وجودها الفاعل في المؤسسات العامة والخاصة بل وتبني فكرة التحيز الإيجابي التي تعني إعطاء الأقليات دعماً أو مقاعد لمعالجة نقص التمثيل أو المشاركة حتى يبدأ المجتمع في التعوُّد على وجود هذه الأقلية، وهي هنا المرأة، ويبدأ في التعود والإيمان بقدرتها على المشاركة مثل شقيقها الرجل. ونعود ونؤكد أن ذلك لن يكون إلا حينما تتبنى القيادات مجتمعة وتقود هذه التغيرات القيمية لصالح المرأة.




 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد