Al Jazirah NewsPaper Sunday  07/06/2009 G Issue 13401
الأحد 14 جمادىالآخرة 1430   العدد  13401
ترجمة الشيخ عبدالله بن صالح المحسن

 

هاني بن سالم الحارثي

إن التعريف بفضلاء العصر من علماء ووجهاء وممن لهم دور بارز في خدمة الدين والوطن مطلب يحتاجه الكثير من أبناء الوطن وذلك ليحتذوا حذوهم ويسيروا على منوالهم وفي هذه المقالة أعرف بعالم من علماء الوطن وممن كان له أثر بارز في تغذية وتربية أبناء الوطن بل وأبناء العالم الإسلامي الذين تشرفوا بالدراسة في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة.

فقد تعرفت عليه عن طريق الشيخ الفاضل الدكتور عبد العزيز الطويان عميد كلية الدعوة بالجامعة الإسلامية ولما تعرّفت على سيرته وتأريخ حياته أحببت أن أعرِّف بعالم من علماء بلادنا حماها الله من كل سوء.

فأقول: الشيخ عبدالله بن صالح بن محسن المحسن، من بلدة الشيحية - إحدى محافظات منطقة القصيم - والتي ولد فيها سنة 1333هـ ونشأ بها حتى بلغ السابعة من عمره في كنف والديه، ثم أدخله والده في كُتَّاب الشيخ محمد وسليمان الصالح الخزيم مدة سنة تقريباً ثم فترة عند شخص من أسرة البراك في البكيرية.

يقول المترجم له: (حفظت في الكُتّاب جزء عم وتعلمت مبادئ الحروف ثم بدأت وأنا في بلدي أعالج الدراسة من دون مدرس حتى تعلمت الحروف المشكلة أَ إِ أُ وهكذا، وقرأت القرآن من دون معلم فلما رأى والدي حرصي على التعلم ذهب بي مرة ثانية إلى البكيرية

وفيها قرأت على الشيخ محمد بن مقبل والشيخ عبدالعزيز السبيل في المختصرات).

يقول: وأذكر من العادات اللطيفة في الكُتَّاب ما يسمى ب(صجّت الطلعة) والمقصود أنه إذا قارب الدرس على الانتهاء قال لهم المدرس: صجّت الطلعة فتعلو أصواتهم بالقراءة كُلٌّ بدرسه بمقدار ربع ساعة ثم يخرجون، وقد طبقتُها حينما درَّستُ في بلدي مدة أربع سنين.

ويحكي شيخنا عن نفسه فيقول ما بلغت العاشرة إلا وقد قرأت القرآن وجودته، وقد كنت أختم القرآن في رمضان أكثر من مرة وأنا في العاشرة من عمري!.

يقول: وعندما بلغتُ رغبت في الزواج لأن والدي كان غنياً، فلم يوافق على زواجي لصغري كما أن الظروف في ذلك الوقت قاسية فلا يقوم بشؤون الزواج أحدٌ من الشباب، مع أن المهر قليل إلا أن المئونة لا تحصل إلا بالكدح المستمر مع الأسباب المفيدة، وفي أثناء المداولات مع أبي في شأن زواجي وإذ بجماعة من قريتنا يريدون السفر إلى المدينة للالتحاق بالهجّانة (العسكرية) فسافرت معهم.

ثم يحكي الشيخ عن رحلته التي كانت في سنة 1349هـ وما جرى فيها من الأحداث وقد كان عمره وقتها ستة عشر عاماً فيقول: (استأجرنا من بدوي رواحل كل رجلين على بعير، نسير بالليل والنهار ونستريح في الليل قليلا ثم نواصل، ولم نصل إلى المدينة إلا بعد أحد عشر يوما، وكانت المدينة حينذاك عليها سور، ولا تخرج مساحة البيوت عنه، وكان عليها باب ذا مصراعين من الشمال مما يلي العطن، وهو الآن موقف سيارات (أصبح الآن ضمن المنطقة المركزية)، وسمي عطناً لأن الباب عنده شُرَط، فإذا أمسى الليل الساعة الرابعة غروبي أغلقوا الباب، ومن جاء بعد ذلك فلا يدخل، ويقيم بهذا المكان حتى انتشار الشمس في الصباح، فيبقى كل واحد معه إبل أو غنم أو غير ذلك من البهائم المجلوبة، أو سمن ونحوه فلذا سمي هذا المكان عطناً، ونحن لم نصل إلا الساعة الرابعة، وكان الباب مغلقا، وفي الصباح دخلنا نريد ضيافة الأمير، لأن معنا الوجيه محمد الحواس وهو من بلدي الشيحية، فقابلتنا سيارة الأمير فُرت (فورد) فوقفت أنظر إليها متعجباً كيف تمشي من دون شيء يدفعها؟!، فلم أرَ سيارة قط، وجعل أصحابي ينادونني حتى لا أضيع، فسرت وأنا أنظر إليها حتى خرجت مع الباب، فسرت مسرعاً خوفاً من الضياع، فأنزَلَنا الأمير في بيت الضيافة، فأقمنا في المدينة أسبوعاً، ثم حُملنا بسيارات الحكومة إلى مكة.

وقد مشينا على أربع سيارات، كل واحدة ركابها عشرة بالصحن، وواحد مع السواق، وسرنا في الطريق أربعة أيام إلى جدة، ووجدنا عليها سورا وبابا، إلا أن الباب ما بقي إلا أثره، ومن خارج السور قهوة ملاصقة للحائط، وعندها بعض الشُجيرات، فنزلنا عندها، ولم يكن خارج جدة إلا القشلة محل الدفاع، فدعانا رجل للقهوة لأن معنا قريب له، فوجدنا بعض الناس تحت اللُحف تنفضهم الحُمى.

ثم يحكي قصة التحاقه بالهجانة وشفاعة الحواس له في ذلك ثم يقول: (فأقمت في الهجانة سنتين في قلعة أجياد التي تُطل على الحرم من الجنوب، وحين ذلك نرى الذين يصلون في الحرم ويطوفون حول الكعبة لأنه ليس في الحرم إلا الرواق القديم، وحين ذاك مكة يحدها من الشمال مقبرة الحجون المعروفة الآن، ودونها مساحات خالية، ومن الغرب والشرق يحده الجبلان، وليس في بطونها مساكن إلا أن الشرق فوق جبل أبي قُبيس فيه بنايات قليلة ومركز عسكر قديم، والغربي فيه قلعة فلفل فيها جنود، من الجنوب فيها المالية حينذاك فقط، وقريب من الحرم عن يمين قلعة أجياد: المسفلة، وليس فيها أحد إلا في أدناها فيه صنادق وأعشاش، وأقصاه فيه مزارع.

يقول: وأذكر من أيام عملي أنه في حج سنة 1349 أو 1350 أُمرنا أن نتقدم مسير الملك عبدالعزيز إلى منى ومنها إلى عرفات وكان الملك على ناقة عمانية اسمها وضحى ويقال لها البيضاء وهي مشهورة وكنا نسير أمامه فلما وصلنا إلى عرفة وخطب بنا الشيخ لعله محمد بن عبد اللطيف آل الشيخ وصلينا الظهر والعصر قام الملك عبدالعزيز وركب على ناقته فقامت ومكث عليها رافعاً يده يدعو الله وكانت الناقة يتناوب عليها خادمان يمسكون بخطامها والملك رافع يديه يدعو الله ويسأله إلى قبيل وقت العصر المعتاد عند ذلك أمرَ خادمه فنوخ الناقة فنزل الملك وشرب القهوة مدة ربع ساعة ثم رجع على الناقة ومكث يدعو الله حتى غربت الشمس حينها أمرنا بالمسير إلى المزدلفة.

وكنت في أثناء عملي في الهجانة أتحين وقت الفراغ وأذهب إلى حلق الدروس في الحرم بعد أن أطوف وقد حصل لي شيء من الفائدة مع عدم إخلالي بعملي.

وفي سنة1351هـ عمموا على جنود الهجانة أن يلبسوا لباس الشرطة المعروف الآن، فقدمت استقالتي وخرجت من مكة قاصداً أهلي أنا وصاحب لي من البلد في سيارة إلى عنيزة لأن السيارات لا تصل بريدة لوجود الرمال، ومن عنيزة أجرنا جمالا إلى بلدنا الشيحية ثم بعد ذلك تزوجت وصارت المعيشة فيها قلة مع صعوبة تحصيلها سنين عديدة للبحث عن المعيشة ومن أهمها أننا نكتسب المعيشة من العمل، وخصوصاً إذا جاء الغيث ووجد العشب نعشبه أنا وعائلتي ونكنزه في البيوت لحاجة الفلاحين والرعاة وغيرهم له، حتى رزقني الله بالبيع والشراء مع الاتصال بالتعلم في المساجد على المشايخ فلم أنقطع عن التعلم والتعليم إلا في وقت السعي على العيال، فوقت العلم يكون في أطراف النهار وفي الليل ووقت الفراغ من العمل كذا كان أغلب زملائي من طلاب العلم لأنه لم تكن هناك مكافأة وإنما طلب العلم للعلم!).

ويحكي شيخنا عن مشايخه الذين تلقى عنهم العلم فيقول: أما المشايخ الذين أخذت عنهم العلم في حلق المساجد فهم أكثر من ستين عالما ومعلماً منهم سعوديون ومنهم أجانب.

ففي البكيرية أخذت عن الشيخ محمد بن مقبل والشيخ عبدالعزيز السبيل في المختصرات.

وفي بريدة قرأت على الشيخ عمر بن سليم، والشيخ العبادي، والشيخ صالح الخريصي أنا أول من قرأ عليه حينما أمره المشايخ بالجلوس للطلبة، وألزموه لينتفع به الناس فكنت أول من قرأ عليه في رسائل الشيخ محمد بن عبد الوهاب، كنت خامس خمسة نقرأ سويا عليه وكنا نقرأ أول الأمر في بيت الرشيد، لأن الشيخ الخريصي أبى أن يكون الدرس في المسجد ثم بعد مدة انتقل الدرس للمسجد وقد استفدنا منه كثيراً قرأت عليه صحيح البخاري وكتاب التوحيد وبعض المختصرات للشيخ محمد بن عبد الوهاب.

كما قرأت على الشيخ عبد الله بن حميد كتاب التوحيد لابن خزيمة.

وفي الرياض قرأت على الشيخ محمد بن عبد اللطيف مجموعة الحديث سنة 1364هـ وأذكر أنني مرة وأنا في بيت الشيخ للقراءة ومعنا سبعة طلاب منهم الشيخ عبدالرحمن بن قاسم دخل أحد خدام الشيخ محمد فخافته، فقال الشيخ: توسعوا يالاخوان فإذا بالملك عبد العزيز يدخل ويسلم ويجلس بجانب الشيخ وبعد أن انتهت القراءة رحب الشيخ بالملك، وبعد شرب القهوة أخذ الشيخ يخافت الملك ويوصيه والملك يهز رأسه ويقول إن شاء الله وكان من وصيته: أوصيك بتقوى الله والفقراء والمساكين وأوصاه بأشياء لم أسمعها.

كما قرأت على الشيخ محمد بن إبراهيم فتح المجيد وعلى أخيه الشيخ عبد اللطيف في الفرائض الرحبية وفي النحو الآجرومية، وغيرهم.

ودرسني الشيخ محمد الأمين الشنقيطي في الرياض في المعهد والكلية، فقد كان واسع العلم، وحضرت له في التفسير في المدينة في المسجد النبوي، كما درسني الشيخ عبد الرزاق عفيفي وقد استفدت منه كثيرا.

ولتجويدي القرآن وحسن الصوت، صليت في عدد من المساجد في رمضان في بلدي الشيحية أربع سنين، وفي الرياض عدد من المساجد عشر سنوات تقريباً.

ودرَّستُ أبناء بلدي الشيحية أربع سنين كتاتيب ثم أُنشئت المدارس الرسمية فدرَّستُ سنة 1372هـ في ثرمدا بالوشم سنتين ثم استقلت وواصلت الدراسة حتى حصلت على الشهادة العالية سنة 1380هـ.

يقول: وعُرض علي أن أكون قاضياً مرتين من قِبل الشيخ عبدالله بن حميد، بل عينني جهة عقلة الصقور، فلم أوافق، وحاول معي وقال: سوف أُعينُك، فأبيت لأن القضاء صعب المرتقى وفيه خطورة على المرء.

وقد زاملني في الطلب مجموعة منهم الشيخ صالح الشاوي والشيخ محمد بن ناصر العبودي والشيخ محمد السبيل إمام الحرم، وغيرهم.

ثم التحقت بالجامعة الإسلامية من أول يوم فتحت فيه سنة 1381هـ تحت إدارة الشيخ العلامة عبد العزيز بن باز وهو الذي اختارني للتدريس فيها.

وقد زاملني في عملي في المدينة علماء أجلاء من أحبهم إلى قلبي الشيخ محمد ناصر الألباني فقد كنت وإياه متجاورين وهو شيخ لي وزميل وقد كان واسع الاطلاع لا تباحثه في مسألة إلا ويذكر لك أدلتها من القرآن والسنة ويصحح ويضعف الأسانيد ويتكلم على الرجال وكأنما يقرأ من كتاب، وقد سافرت معه مراراً، وكنا نخرج مع طلاب الجامعة في البر، وكان الطلاب يلعبون الكرة، وكان الألباني ربما لعب معهم بثوبه فأقول تلعب الكرة وأنت الألباني ؟! فيقول: نعم أتقوى بها على الطاعة وهي لا تلهيني عن ذكر ربي، وله أخبار كثيرة قد كتبت مقالة عن بعض أخباره ومناقبه عندما كان في المدينة لم تنشر بعد.

كذلك تزاملت مع الشيخ حماد الأنصاري وكنت أجالسه كثيراً، وقدم لكتابي شرح الأربعين النووية، وهو عالم جليل.

وكذا تزاملت مع الشيخ عبدالمحسن العباد، وهو من الأجواد وابنه عبدالرزاق طالب علم جيد.

وفي سنة 1393هـ بُعثت من الجامعة بأمر من الملك فيصل - رحمه الله - إلى الهند للتدريس بالجامعة السلفية ببنارس ومكثت فيها سنتين، وفي الهند لخصت قسم التوحيد من كتاب الدين الخالص لصديق حسن خان سيطبعه قريباً إن شاء الله ابن ابنتي ناصر

وعملت في الجامعة حتى أحلت على التقاعد سنة 1402هـ.

ومن أبرز التلاميذ الذين درستهم: علي الغفيص كان طالب علم جيد.

وبعد التقاعد لم أمارس إلا بعض الأعمال التجارية ،كما بيضت بعض مؤلفاتي ورزق الله واسع فلا ينقضي أسأل الله حسن الخاتمة والنجاة من النار.

قلت: للشيخ عدد من المؤلفات والمقالات التي نشرت في بعض الصحف والمجلات قديماً، فمن مؤلفاته: شرح الأربعين النووية مطبوع، وتفسير جزء عم مطبوع وتفسير جزء تبارك مطبوع.

وله مذكرة جمع فيها عددا من الأحاديث مع شرح مبسط، وقد قرر تدريسها في المعهد الثانوي والمتوسط بالجامعة الإسلامية.

وله شرح مفيدٌ على عمدة الفقه، وله شرح على عمدة الأحكام، وله تلخيص الدين الخالص وغيرها من المؤلفات التي يقوم على طبعها الآن سبطه الأستاذ/ ناصر الحمد.

هذه بعض سيرته، وإلا فهي تحتمل أكثر من ذلك، أسأل الله أن يحفظه وأن يبارك فيه وفي ذريته، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
طالب بالدراسات العليا بقسم السنة كلية أصول الدين




Alsalem-2010@hotmail.com

 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد