Al Jazirah NewsPaper Friday  12/06/2009 G Issue 13406
الجمعة 19 جمادىالآخرة 1430   العدد  13406

نظرة شرعية في الزلازل والبراكين
محمد بن صالح بن سليمان الخزيم

 

خلق الله الخلق وأحسنه، وهيأه وأرسى قواعده، وحبك أرضه وسماءه (ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِأً وَهُوَ حَسِيرٌ).

والأرض إحدى آيات الله الباهرات، خلقها وبسط نواحيها ودحاها وأرسى أركانها بجبال صمّ شامخات لا تميد ولا تضطرب؛ فكانت مرتعاً للمعاش والاستقرار والسير في فجاجها للتدبر والاعتبار: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرض ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ).

في النظر إلى جبالها عبرة (وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ)، وفي بحارها تذكرة (وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ)، وفي سهولها نعمة (تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا).

جعلها الله سبع أراضين، سخّر لنا منها أولاها وأخفى ستاً في باطنها، كل أرض تحيط بالأخرى. في جوفها آيات ومدخرات لا يعلمها إلا صانعها. ومن أهوالها نار جهنم تضطرب في جوفها نعوذ بالله من بأسها.

حقيقة الزلازل:

وبعد هذا قد تخرج الأرض عن حسن سبكها ومألوف أهلها بفساد نظامها بإذن ربها، فكم تصدعات وقعت، وخسوفات هوت، وزلازل ظهرت فأفسدت على الناس عيشهم، وكدرت صفو حياتهم، وزلزلت قلوب الناس خوفاً وذعراً.

بل كلمة الزلزلة بحد ذاتها لها وقع في النفوس، فكيف إذا اقترن المعنى المعنوي بالمحسوس.

قال صلى الله عليه وسلم: (لا تقوم الساعة حتى تكثر الزلازل). وقد تعددت مواطن الزلازل في المعمورة، ونغصت على كثير من الأمم عيشهم، وأطارت نومهم.

ومن أعظم الزلازل والمحن ما سطرته السنة النبوية عمن لا ينطق عن الهوى محمد صلى الله عليه وسلم بقوله: (لا تقوم الساعة حتى تخرج نار في أرض الحجاز تضيء لها أعناق الإبل ببصرى).

ووقع ما أخبر به الصادق المصدوق سنة 654هـ؛ حيث سجّل التاريخ أحداثها؛ قال أبو شامة وقد عاصر أحداث تلك النار: (لما كان يوم الاثنين سنة أربع وخمسين وستمائة وقع بالمدينة صوت يشبه الرعد البعيد تارة وتارة، أقام على هذه الحالة يومين، فلما كانت ليلة الأربعاء تعقب الصوت الذي كنا نسمعه الزلازل، فلما كان يوم الجمعة انبجست الحرة بنار عظيمة يكون قدرها مثل مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي برأي العين من المدينة، نشاهدها وهي ترمي بشرر كالقصر، كما قال الله تعالى، وهي بموضع يقال له أجيلين، وقد سال من هذه النار واد يكون مقداره أربعة فراسخ، عرضه أربعة أميال عمقه قامة ونصف (1)، وهي تجري على وجه الأرض ويخرج منها أمهاد وجبال صغار، وتسير على وجه الأرض وهي صخر يذوب حتى يبقى مثل الآنك (2)، فإذا جمد صار أسود، وقبل الجمود لونه أحمر، وقد حصل بسبب هذه النار إقلاع عن المعاصي، والتقرب إلى الله تعالى بالطاعات، وخرج أمير المدينة عن مظالم كثيرة إلى أهلها) (3).

من أسباب الزلازل:

أسبابها الشرعية متعددة ومتنوعة، جاءت الآثار ببعضها، منها ما رواه الترمذي أنه صلى الله عليه وسلم قال: (إذا اتخذ الفيء دولاً، والأمانة مغنماً، والزكاة مغرماً، وتعلم لغير الدين، وأطاع الرجل امرأته وعق أُمّه، وأدنى صديقه، وأقصى أباه، وظهرت الأصوات في المساجد، وساد القبيلة فاسقهم، وكان زعيم القوم أرذلهم، وأكرم الرجل مخافة شره، وظهرت القينات والمعازف، وشربت الخمور، ولعن آخر هذه الأمة أولها، فليرتقبوا عند ذلك ريحاً حمراء وزلزلة وخسفاً وقذفاً وآيات تتابع كنظام بال قطع سلكه فتتابع).

إنه وعد محقق؛ فمتى حلت هذه الفتن واغتر بها أهلها واستشرى أمرها واستكان الصالحون لأمرها، حل الجزاء وعظم الخطب.

عبر وعبرات:

وأمام حادثة الماضي وزلازل الحاضر نستخلص العبر التالية:

1 - الإيمان بقضاء الله وقدره، وأن الكون بيده يصرفه كيف يشاء؛ فلا تسخط ولا تضجر، وأخذ الاحتياطات والاحترازات المادية لا ينافي الاستسلام لقضاء الله وقدره؛ فقد دخل صلى الله عليه وسلم مكة عام الفتح وعلى رأسه مغفر الحرب من باب أخذ الاحتياطات.

2 - في الزلازل والخسوفات أكبر شاهد على فناء الدنيا وأنها دار نكد وكدر، قد يعرض للمرء ما يعكر صفو حياته ويفجؤه حتفه بين أحبائه وخلانه.

يا راقد الليل مسروراً بأوله

إن الحوادث قد يطرقن أسحارا

لا تفرحن بليل طاب أوله

فرُبّ آخر ليل أجج النارا

3 - تحقق صدق نبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم بخروج النار في المدينة؛ فقد أضاءت لها أعناق الإبل في الشام لهول نارها وارتفاع ألسنتها، وبها تكشفت آية من آيات نبوته بعد ستة قرون من وفاته صلى الله عليه وسلم.

4 - ظهور نار الحجاز مؤذن بقرب قيام الساعة؛ إذ هي إحدى علاماتها (فهل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة فقد جاء أشراطها فأنى لهم إذا جاءتهم ذكراهم).

5 - تغير نظام الأرض التي أعدها الله للاستقرار ناتج عن تغير حال المسلم ببُعده عن ربه (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ).

وقال عمر رضي الله عنه لما تزلزلت المدينة في عهده (ما أسرع ما أحدثتم. والله لئن عادت لا أساكنكم فيها).

6 - إن في آيات الزلازل والخسوفات رادع لكل صاحب هوى، وموقظ لكل قلب غافل؛ إذ لا سلامة من الخطر إلا بالالتجاء والافتقار إلى الله تعالى بالتوبة وسرعة الندم. لما عاين قوم يونس العذاب خرجوا وجلين خائفين باكين، فرفع الله عنهم البلاء عند حلوله: (فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّآ آمَنُواْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الخِزْيِ فِي الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إلى حِينٍ).

7 - الأولى في آيات كهذه أن يجمع بين الجانب العلمي والجانب الشرعي، وبيان أنه لا منافاة بين العلوم العلمية والعلم الشرعي؛ فيتبين أن الإسلام دين شمولي أحاط بكل نازلة.

قال الشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله: (لا تنافي بينهما؛ لأنه حتى الأمور العظيمة كالخسوف بالأرض والزلازل والصواعق وشبهها التي يحس الناس بضررها وأنها عقوبة لها أسباب طبيعية يقدر الله هذه الأسباب حتى تكون المسببات. وتكون الحكمة من ذلك هو تخويف العباد؛ فالزلازل لها أسباب، والصواعق لها أسباب، والبراكين لها أسباب، لكن يقدر الله هذه الأسباب من أجل استقامة الناس على دين الله تعالى: (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ)، لكن تضيق قلوب كثير من الناس عن الجمع بين السبب الحسي والسبب الشرعي، وأكثر الناس أصحاب ظواهر) (4).

8 - عدم إقحام النفس في تحليلات وتخرصات لا مستند لها من الشرع والحس، بل الواجب على المسلم في مثل هذه الآيات والتدبر والاتعاظ والاعتبار.

9 - حق المسلم على المسلم في مثل هذه النوازل المعاضدة والمناصرة، كل بمقدوره، ولو بالدعاء، وما أدراك ما الدعاء، إنه سلاح المؤمن. ولا يرد القضاء إلا الدعاء؛ فالمسلم للمسلم كالبنيان يشد بعضه بعضاً.

قال أيوب السختياني: (إني لأخبر بموت الرجل من أهل السنة فكأن أعضائي تقطع).

وإياك والشماتة بأخيك فيعافيه الله ويبتليك، فاسأل الله له العافية ولك (5) السلامة.

10 - عندما تحلو لك الأمور وتحل الكرب فبادر بالاستغفار فإنه دافع للنقم وجالب للنعم؛ فما صُرفت الابتلاءات إلا بالالتجاء إلى الله. أرأيت الدعاء عند سماع الصواعق به يحفظك الله (اللهم لا تقتلنا بغضبك ولا تهلكنا بعذابك وعافنا قبل ذلك).

وعلى قدر الصدق مع الله يرفع البلاء (من لزم الاستغفار جعل الله له من كل همّ فرجاً ومن كل ضيق مخرجاً).

11 - هذه الظواهر والآيات تكشف ضعف البشر وأنهم مهما أوتوا من قوة وعلم لن يستطيعوا أن يقفوا أمام إرادة الله تعالى بمنع حدوث تلك الزلازل والمحن، وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً.

قل لمن يدعي في العلم معرفة

علمت شيئاً وغابت عنك أشياء

12 - كرامة النفس في الإسلام وإحاطتها بالرعاية والحماية؛ لذا جاء الإسلام بالتحذير من النزول بمواطن الزلازل ومجاري الأنهار ونحوها لأنه مظنة المهلكة. جاء في الأثر النهي عن تعريس المسافر أي نزوله آخر الليل في الطرقات؛ لأنها مواطن الهوام، وقال صلى الله عليه وسلم لرجل (أين أهلك؟ قال بحبس سيل. قال أخرج أهلك منها فإنه يوشك أن يخرج منها نار تضيء أعناق الإبل ببصرى) الحديث عند الطبراني والحاكم وصححه.

وكان عمر رضي الله عنه إذا دفع مالاً لمن يتاجر به نهاه أن يجعله في بطون الأدوية مخافة هلاكه.

13 - في عهد علي رضي الله عنه وقعت الزلازل فبادر إلى إقامة صلاة الكسوف جماعة، وكذا عن ابن عباس رضي الله عنهما.

فهل تشرع صلاة الكسوف للزلزلة؟ ذهب جمع من أهل العلم إلى مشروعيتها خاصة عند استمرارها؛ لأنه صلى الله عليه وسلم إذا أحزبه أمر فزع إلى الصلاة، وما أعظم آية الزلزلة، وهذا قول أبي حنيفة واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، والقول الفصل ننتظره من علمائنا الفضلاء.

14 - ما يقع من الزلازل والمحن آية من آيات الله تحتم على العلماء توجيه الناس إلى الحق وبيان الواجب عليهم وعدم تركهم يهرفون بما لا يعرفون (المتقون سادة والفقهاء قادة ومجالستهم زيادة). إن تبصير الناس نحو هذه الزلازل وبيان أسبابها والوقاية منها حق من حقوق الأمة على أهل العلم، ودليل على فقه العالم وإحساسه بواقع أمته وتزكية لعلمه.

وأخيراً في الزلازل تذكرة للمسلم بالزلزلة العظمى وأهوالها المؤذنة بنهاية العالم: (إِذَا زُلْزِلَتِ الأرض زِلْزَالَهَا وَأَخْرَجَتِ الأرض أَثْقَالَهَا) إنها زلزلة منها: (تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ)، فاعتبر بما أمامك وتدبر مآلك، واتعظ بغيرك، ولا تجعل غيرك يتعظ بك.

اللهم إنا نعوذ بك من الزلازل والمحن ما ظهر منها وما بطن، ونسأل الله لإخواننا الحماية والرعاية، وأن يرفع عنهم ما حلّ بهم، وأن يحفظ أمننا وإيماننا، إنه سميع مجيب.

(1) الفرسخ: ثلاثة أميال والميل 848 متراً.

(2) الآنك: الرصاص المذاب

(3) البداية والنهاية (7 - 201)

قامة ونصف: أي سمك الحميم الجاري طول رجل ونصف.

(4) الشرح الممتع (5 - 233)

- مدير المعهد العلمي بالبكيرية


 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد