Al Jazirah NewsPaper Friday  12/06/2009 G Issue 13406
الجمعة 19 جمادىالآخرة 1430   العدد  13406
يا آل رشيد: ليهنكم عاجل البشرى..!
د. عبد العزيز بن عبد الله الأحمد

 

في ضحى الخميس الموافق 4 جمادى الآخرة 1430هـ قمت كالمعتاد من نومتي مترقباً يوماً جديداً مذيلاً بما كتبه الله من عمل وسعي، فوجدت اتصالاً من أخي الفاضل محمد بن رشيد الرشيد لم يرد عليه، فلما أعدت الاتصال به راعني صوته المخنوق الذي حمل لي كلمة أحس بحرارتها وفجاعتها حتى هذه اللحظة: أحسن الله عزاءك بوفاة الوالد!

قالها محمد وانعقد اللسان، فقد كنت قبل أسبوع في المستشفى مع والده- رحمه الله تعالى- أطارحه الحديث حول عطائه وفضله، فكان يبتسم حيناً، وحيناً يكاد يبكي! ولو سألني سائل (ولم البكاء؟) لأجبت بأن هذا معهود عنه، فكثيراً ما أتيته في بيته - بل وفي مهجعه- فحادثته وبشرته بما وفقه الله إليه من البذل والإحسان فتدمع عيناه قائلاً: إنما أنا يا عبد العزيز مؤتمن والمال مال الله، ولكن العبرة بالقبول والتوفيق. انتهى كلامه رحمه الله رحمة واسعة.

سبحان الله ما أروع هذه النفسية، وما أجل هذا التصور.. (المال مال الله).. (إنما نحن مؤتمنون)، ولقد كان- رحمه الله- كثيراً ما يتساءل: ما أجل الأعمال في بذل المال؟! فأجيب: (حسب حاجة الناس وفائدته لهم دنيا وأخرى وعلماً وعملاً، وإن من أعظم ما يصرف له المال الآن تعليم كتاب الله جل وعلا وخاصة في مجال النساء وتربيتهن، فإنهنَّ حاضنات الأجيال، ومربيات الرجال) فما لبث أن توجه لهذا العمل بكل قوة مع حرص على التنظيم والتثبت، فأثمر غرسه مزداناً للناظرين، والشواهد في الواقع دليل للسائرين، إضافة لهذا وذاك تجد له في كل عمل سهما، الإطعام، الصدقات، الكفالات، عمارة المساجد، وإن تعجب من خير هذا الرجل رحمه الله فإن العجب أكثر من خصاله، ومنها تواضعه الجم مع الجميع وحبه للصغير والفقير، والأدب في المجلس، كما أني أذكر له حرصه على قراءة القرآن كثيراً والجلوس في المجلس عصراً في أغلب أيام العام وخاصة رمضان، بل وإفطاره مع المساكين في المسجد.

وإن مما يذكر لأبي محمد أيضا كثرة إنفاقه وبذله للمال في وجوه الخير وبالذات في مجال خدمة القرآن الكريم للرجال والنساء والفتيات خاصة، راجياً أن يدخل في قول النبي صلى الله عليه وسلم: خيركم من تعلم القرآن وعلمه.

وإنَّ مما يذكر له بحثه عن الفقراء والمحتاجين ودراسة حالتهم ثم قضاؤها مباشرة، كل ذلك وهو يرفع يديه أي رب وفقني لأخذه من حلال وإعطائه لعبادك وهي من دعواته المتكررة..

إنَّ والدنا الشيخ رشيد بن محمد آل رشيد قدس الله روحه لمدرسة كبرى في الخير والبذل والعطاء والصبر والطاعة، تعلمت منه ذلك لما جالسته وحادثته، ورأيت بأم عيني آثار إحسانه وبره في المسلمين وبناتهم، وله في عنق كثير من ا لفتيات حق الدعاء له بما يسر لهنّ من ماله تعليم القرآن الكريم خاصة في القصيم وبريدة تحديداً، وما موته وجنازته وحشود الناس المكتظة في المقبرة، إلادليل خير وشاهد بر بما يحمله الناس له، وأن الله أقام بشارته له في الدنيا (بإذن الله) قبل الآخرة وهذا من عاجل بشرى المؤمن.

إنَّ وفاة هذا التاجر المسلم الذي حرص على نقاء المال في حياته وبذله في وجوه مرضاة الله، واهتمامه بوصيته التي كنت عليها شاهداً، ومسارعته لوضع أوقاف تدر عليه حسنات بعد مماته، وتنميته ورعايته لها وهو حي يرزق ليسطَّر بمداد الذهب لتعلّم كثيراً من تجار المسلمين وشبابهم أن هذا الرمز الذي وُسِّد اللبن وغُيِّب في الثرى قد ولد الآن شاباً في قلوبنا، ووالله لن ننساه بدعوات صادقة مع نسمةِ سحرٍ، وتكبيرةِ مؤذنٍ، وتلاوةِ قارئ وقارئة، وزخةِ مطر، وركوبِ سفر، نعم سيبقى أبو محمد الرمز الأغر لرجل آتاه الله مالا فسلطه على هلكته بالحق، ولقد دخل القلوب بدون استئذان وبدون نفاق ولا شهرة ولا إعلام، عمل بصمت فنطقت الأعمال وإني على ذلك من الشاهدين، وإن النَّاس لا تقدسهم أسماؤهم ولا قبائلهم ولا أراضيهم وإنما الذي يقدسهم ويبقيهم مآثرهم وإحسانهم ومحبة الناس لهم، وصدق سلمان الفارسي في رده على أبي الدرداء رضي الله عن الجميع: أن الأرض لا تقدس أحداً، وإنما يقدس الإنسان عمله!

وعزائي حقاً بعد رب العباد عز وجل ثم بذله بالخير وجود أخويه الأغرين الفاضلين الشيخ سليمان والشيخ حمد، ثم أن خلّف رجالاً صلحاء يقودهم الأكبر الموفق بإذن الله (محمد)، فيا آل رشيد ويا أهل بريدة والقصيم، ويا معشر المسلمين، أحسن الله عزاءكم في والدنا الشيخ رشيد وأسكنه فسيح جناته وأخلف المسلمين خيراً.

المشرف العام على مركز وموقع حلول للاستشارات والتدريب



 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد