Al Jazirah NewsPaper Monday  03/08/2009 G Issue 13458
الأثنين 12 شعبان 1430   العدد  13458

مشاعر قبل خمسين عاماً 2-2
د. عبدالله الصالح العثيمين

 

ما هو جار لقضايا أمتنا الكبيرة: وبخاصة قضية فلسطين، يجعل المرء يدرك أن (في الفخ ما هو أكبر من العصفور) - كما يقول المثل الشعبي، وأن السكاكين تشحذ للإجهاز على هذه القضية المحورية بالذات. فقد بانت بقدرة قادر أمريكي أشربت قلوب البعض محبة له ..

وهي محصورة في مسألة فرعية من المسائل التي نتجت عن الاحتلال الصهيوني لبقية أراضي فلسطين عام 1967م.

وهذه المسألة هي مسألة المستعمرات (المستوطنات) الصهيونية في هذه الأراضي المحتلة: أيستمر في بناء المزيد منها أم يقتصر على توسعتها أم يجمد البناء ثلاثة شهور أو ستة. والجدل يدور والصهاينة ماضون في البناء على المستوى الرسمي وعلى المستوى غير الرسمي المتواطأ عليه من جهات رسمية. وفي ظل هذا الموقف زادت الإدارة الأمريكية غير القادرة - حتى لو فرضت نزاهتها - على إغضاب قادة الصهاينة عملياً مساعدتها لكيان هؤلاء الصهاينة، وسوف تزوده بأحدث أنواع الأسلحة. وقد تساعده على إنشاء مفاعل نووي جديد لا يخضع لرقابة دولية.

أما جوهر القضية الفلسطينية، التي استطاع الإعلام الغربي وتابعة الإعلام العربي الذليل تحوير اسمها إلى قضية الشرق الأوسط، فأصبح مما لا يجوز الخوض فيه والحديث عنه. ومن المعلوم أن أهم وجوه القضية الفلسطينية، التي يجب أن تكون مدار البحث، وبخاصة ما أوضحته قرارات الأمم المتحدة؛ مثل حق عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى أراضيهم المغتصبة في فلسطين، وانسحاب الصهاينة من الأراضي التي احتلوها عام 1967م، بما فيها القدس الشرقية.

وكنت قد كتبت أبياتاً صدى لخطاب الرئيس أوباما، كما كتبت مقالة من عدة حلقات عن موقف إدارته كما أراها. وبعد أن صلَّع الجرب أكثر فأكثر في هذه الأيام أصبح ما كنت رأيته - وما أزال أراه - أكثر رسوخاً لديّ. ومع أهمية هذا الموضوع فإني أستميح القراء الكرام عذراًَ على تأجيل مواصلة ما تحدثت عنه إلى الأسبوع القادم - بإذن الله - لأعود إلى ما أشرت إلى شيء منه في مقالة الأسبوع الماضي؛ وهو مشاعر كانت مسيطرة على ذهني قبل أكثر من نصف قرن.

ومن أسباب العودة إلى الحديث عن تلك المشاعر القديمة زمناً اتصال أحد الإخوة الذين أعتز بمودتهم، وسؤاله عما إذا كان هناك إمكانية لإبداء المزيد من تلك المشاعر لتكوين فكرة عن مدى حرية التعبير عما يجول في النفوس حول مشكلات المجتمع في تلك الفترة. لقد كان لتلك الفترة ظروفها الواضحة المعالم؛ ابتداء من مؤتمر باندونج لدول عدم الانحياز عام 1955م، وصولاً إلى أوائل الستينيات من القرن الماضي. وكانت قيادة وطننا العزيز، وعلى رأسها الملك سعود -رحمه الله-، طليعة في معارضة الأحلاف الأجنبية؛ لاسيما حلف بغداد.

كان من بين القصائد التي كتبتها، ونشرتها، في تلك الفترة قصيدة عنوانها: (كلما فكرت). وتتكون من سبعة مقاطع كل واحد منها له قافيته الخاصة. والمقطعان الأول والثاني فيها تعبير عن الحيرة التي كانت تساورني حول ما يحدث. أما الثالث فيعبر عن تلهفي إلى الاقتناع بمنهج ترتاح إليه روحي. وأما الرابع فعن تلاشي الأمل في الوصول إلى ما تلهفت إليه. ثم يأتي الخامس كما يأتي:

قلت: أندسُّ كغيري بين أحضان الوظائف

وهنا جمعت أوراقي ومالي من معارف

وتوجهت إلى الباب سعيداً غير خائف

قال لي من في يديه الأمر والترشيح: آسف

هات حق الدرب.. قلت: النبع من بئري نازف

قال: لا تصلح منذ الآن.. مجنون مخالف

* * *

وتركت الباب خلفي كارهاً ظلَّ الوظيفه

عملاً من يدفع الرشوة يبصره حليفه

ثم صوَّبت إلى البيت فألفيت صحيفه

قلت في نفس: لعلِّي أدرك الروح النظيفه

سطَّرتها بمداد النور أقلام شريفه

وإذا الكل مراء خطَّ للزلفى حروفه

* * *

ودخلت السوق بحثاً عن سنا يشفي جراحي

فوجدت المرشد الواعظ يدعو للصلاح

قلت: أقفوه.. ويمَّمت إليه في صباحي

والعصا واللحية المرخاة درعي وسلاحي

غير أني لم أجد فيه تباشير النجاح

مجرم من لم ينله (الخضر) معروف الجُنَاح

وكان مما كتبته، ونشرته، قصيدة عنوانها: (شيخ في الطريق).

وهي عن فقير كان يمد يده إلى المارة سائلاً العون.

شيخ أمضَّته الجراح وقوَّس الإجهاد ظهره

ما شاب عن كبر ولكن حطَّمت دنياه عمره

فمضى بحبَّات الدموع يبيح للآلاف سرَّه

فلربما جادت عليه يد الغنيِّ بشق تمره

ولربما ذرفت عليه من المحيط الغمر قطره

* * *

ويمرُّ جَبَّار يرد على توسُّله بنظره

تبدي وتكشف قسوة المتعجرف الطاغي وكبره

وأرى الفقير كأنما طعنت ضمائره بشفره

يهوي على الأرض الحنون ويشتكي لله أمره

تعباً يهمهم بالدعاء على الأنوف المشمخرة

وتجاوز الجبَّار في طغيانه الهمجي طوره

من ذا الذي يدعو عليه؟ ولاح في عينيه جمره

فانهال فوق الشيخ يلهب باحتدام السوط ظهره

ويذيقه عنف الحقود وقسوة الطاغي وجوره

وبدون رفق عن طريق السادة الكبراء جَرَّه

بعض التصرفات الاجتماعية السيئة، التي كانت موجودة في الفترة المتحدث عنها كالرشوة والبطالة؛ حقيقية ومقنَّعة، ما زالت قائمة. بل أصبحت هناك تصرَّفات أسوأ من تلك بكثير. وكان المؤمل أن يكون تدفق دخل الدولة بشكل شبه خيالي، وما نتج عن استثمار بعضه في مجالات حيوية كالتعليم، سيقضي على كل التصرَّفات الاجتماعية السيئة، هل تحقق ما كان مؤملاً؟

ما كل ما يتمنى المرء يدركه

تجري الرياح بما لا تشتهي السفن


 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد