Al Jazirah NewsPaper Monday  14/12/2009 G Issue 13591
الأثنين 27 ذو الحجة 1430   العدد  13591

نحمد الله على سلامتك يا سلطان الخير
د. محمد بن سعد الشويعر

 

قبل أيام استبشرت الرياض بمجيء خادم الحرمين الشريفين، عائداً من مكة ومن الخطوط الأمامية بجازان، بعد قيادته واطمئنانه على جموع الحجيج في أداء نسكهم، والاطمئنان على راحتهم، بعد المشروعات العظيمة التي رعاها حفظه الله، في الحرم ونظافته، وما زاده فيه من توسعات عملاقة في المسعى بأدواره المتعددة وفي المسجد الحرام، والمشاعر التي ترتبط بأعمال ضيوف الرحمن، الذين زاد عددهم هذا العام على ثلاثة ملايين حاج.

وما جاء في منى والجمرات، من توسعة وتنظيم، بان أثرها في النجاح المنقطع النظير في حج هذا العام، الذي اهتم به سمو النائب الثاني، وزير الداخلية، الأمير نايف بن عبدالعزيز - حفظه الله - التي كانت اهتمامات أبنائه راسخة في أذهانهم، بالتوجيه منه، وبالقدوة الصالحة، كيف لا ومثله - حفظه الله - في هذا البيت الذي ذكره الريحاني عنه:

نبني كما كانت أوائلنا (م)

تبني ونفعل مثل ما فعلوا

فإنّ البلاد ومواطنيها، قد ابتهجت هذا الأسبوع، بعودة سمو الأمير سلطان - رجل الخير صاحب الأيادي البيضاء من الخارج في رحلة علاجية تكللت - بحمد الله - بالنجاح، حيث استبشر الصغير قبل الكبير، بطلعته، واستقبلته القلوب، بالبشر والمسرات، التي ملأت الأفئدة.. فكانت مناسبات خير متتالية.

حيث انطبع اسمه في الأذهان، مقترناً بالخير وسعيه في حوائج الآخرين، ومن كان في حاجة أخيه - كما في الحديث الصحيح - كان الله في حاجته، فهو رجل بذل وعطاء، يسعى في مصالح الناس، ويتلمس مداخلها، قبل أن يطلبوها.

فكم من كربةٍ نفّسها، وكم من ضائقةٍ سهّل أمرها، وكم من دمعةٍ بائسة كفكفها.. حيث أسهم بتلك المساعي الخيرة التي تعود بالنفع على من هو في أمس الحاجة إليها، وانسدت أمامهم الآمال، إلا ما يسره الله من أبواب الخير التي يتبناها سلطان وانشرح صدره للسعي فيها سواءً ليعم نفعها في الداخل أو أي موقع من أرض الله الواسعة.

يبين ذلك من تتبع ما قام به من جهود، وما تبناه من أعمال لذات الخير وحب المنفعة لمن هم في أمس الحاجة إلى بسمة تريح، ونفحة تحل ما كان متأزماً. يفعل ذلك ببسمة لا تفارق محياه، واستجابة معتادة عنده وكأن الشاعر العباسي قد عناه بهذا القول:

ما قال لا قطّ إلا في تشهده

لولا التشهد كانت لاؤه نعم

كما استبشرت البلاد أرضاً ورجالاً في مدينة الرياض، بابنها البار سمو الأمير سلمان بن عبدالعزيز الذي كان عضد أخيه سلطان، ومرافقه وأنيسه في مدة رحلة العلاج في الخارج، وقد آثرت الرياض وأهلها هذه الرحلة لسمو الأمير سلمان لما وراءها من مصالح وتأثير لدى سمو الأمير سلطان، والأمة بأسرها.. التي يسرها ما يسرهم، ويؤمل كل فرد منها ما يؤمل في أي رجل من قياداتنا المخلصة.

فالوفاء يتمثّل في مدرسة عبدالعزيز - رحمه الله - باني هذا الكيان، وموحد الشمل، فكان أبناؤه يتحلون بشيمه ومكارمه، واهتمامه بتآلف الراعي مع الرعية، وحدبه على كل فرد من رعيته، فكان درعاً تحتمي به الأمة في الملمات كما هو البارز للعيان، في حنو خادم الحرمين الشريفين على المواطنين، والاهتمام بما يكفل لهم الراحة والاطمئنان وبرز ذلك جلياً في أحداث الجنوب، وفي آثار السيول في جدة, وفي مكارمه العديدة للمواطنين، ونشر العلم.

فكان حبّ الخير والسّعي في حاجة كل فرد من الشعب، من الأحاسيس التي تخامر وجدان سمو الأمير سلطان وطبقها عملاً، ومن مساعي سمو الأمير سلمان التي عرفها المواطنون عنه: فبابه مفتوح، ومساعيه الحميدة تتحدث عما يبرز من أعماله, ذرية بعضها من بعض.

ولئن كانت الألسن لم تكف عن اللجوء لله سبحانه، بأن تكلل خطوات سمو الأمير سلطان في طلب العلاج بالتوفيق، وعلاجه بالنجاح، فإن هذه الألسن اللاهثة تساندها الأكف المرفوعة لرب العزة والجلال، بالدعاء المستمر ودون قنوط، لأن الله تعالى يحب من عباده الإلحاح في الدعاء، وذكر محاسن المدعو له، من كلّ مواطن عَرَف عن سموه بعضاً مما جُبلتْ عليه نفسه، من حبّ للخير وسعي فيما يدخل السرور على ذوي الحاجات، على اختلاف أعمارهم ومستوياتهم, لما لسموه من أيادٍ بيضاء، وصنائع عديدة، ملك بها القلوب، وفرّج بها كُرُبات سعياً في الحوائج، واهتماماً بالمصالح، وتفقداً للأحوال، لمن يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف, فقد أحسن إلى النّاس، فاستعبد قلوبهم، ودعا له من لم يكن من ذوي الحاجات، ولكن ملك مشاعرهم، من أعمال سموه، ما تواتر على الألسنة، أو قرأ في وسائل الإعلام، من صنائع سموه الكثيرة، في كلّ ميدان من ميادين الخير، وامتداد النفع.. كما بينه الشاعر:

ومهما تكن عند امرئ من خليقة

وإنْ خالها تخفى على الناس تعلم

فقد استعبد إحسانه قلوب الناس، إذْ كم من كُرْبةٍ نفسها، وكم من نائبةٍ أعان عليها، وكم من مواطنٍ ومواطنة ساعد في حل مشكلاتهم على اختلاف أعمارهم ومستوياتهم، وخصوصاً المتعففين والمتعففات الذين حنا عليهم وتلمّس ما يؤرقهم، وأعان في تيسير نوائبهم، حيث اقترن إحساسه بالأعمال الخيرية، واجتهد في إيجاد مؤسسات للمساعدات والعلاج والتعليم، إذْ الجمعيات التي قامت بتوجيهه وبذله، وتابعها إشرافاً وتسهيلاً حتى تحقق المهمة التي أريد لها، قد أعطت ثمارها مع كثرتها، واختلاف مهماتها في الداخل والخارج، ونفع الله بها، لأن النية صادقة، والعمل خالص لوجه الله.

ومن هنا تتابعت الدعوات وازداد رفع الأكف لفاطر السموات والأرض، من أول يوم أُذيع على الملأ عن مرض سموه وذكر سفره للعلاج، فكانت دعوات صادقة، ومن قلوب مرتبطة بخالقها في خلوات الليل، وتحيّن أوقات الإجابة، وباب الله مفتوح ألم يقل سبحانه: ?وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ? (60) سورة غافر، وقال: ?وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إذا دَعَانِ? (186) سورة البقرة، وغيرها كثير في كتاب الله، وفي دعاء آخر الليل جاء الحديث: (بأن الرّب سبحانه ينزل إلى السماء الدنيا ويقول: هل من داعٍ فأستجيب له، هل من مستغفر فأغفر له، هل من تائب فأتوب عليه).. ولا شكَّ أنَّ تلك الدعوات الكثيرة لسموه، قد لقيت باباً مفتوحاً، فيسر الله العلاج السليم لسموه وفرّج الله عنه، لأنه طالما فرّج بإحسانه كربات المضطرّين، ونفّس عن المدينين، ولا يضيع العرف عند الله والناس.

أمّا عن أعماله التي تولاها، فأولها إمارة الرياض بعد أخيه ناصر، حيث توسّم فيه والده، مع صغر عمره ذلك الوقت في عام 1366هـ تقريباً، النجابة المبكرة، فاضطلع بمهمات جسيمة، وفي عام 1373هـ أسند إليه عمل وزير الزراعة، وفي عام 1382هـ كلف بعمل وزارة الدفاع والطيران، والمفتش العام حتى الآن، ومع ذلك أُسند إليه عمل النائب الأول، ثم صار ولياً للعهد, وقد تحدث الكاتبون عن جهوده في أعماله كلها.. وما تولى من مسؤوليات جسام، ومهمات في الداخل والخارج وما ترأس من لجان وما توطدت على يديه من علاقات خارجية تعود بالنفع على البلاد.

فهذا سمو الأمير مشعل بن عبدالعزيز رئيس هيئة البيعة يقول: نشكر الله سبحانه أن أنعم على صاحب السمو الملكي الأمير سلطان ولي العهد نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع والطيران والمفتش العام، بالشفاء التام ليعود لأرض الوطن سليماً معافى.

وقال عنه وعن أعماله: (بادئ الأمر، نرفع أكفنا لربّ العزة والجلال، حمداً وشكراً، أنْ أنعم علينا، بشفاء أخي العزيز ولي العهد الأمين، وأقرّ أعيننا بعودته لبلده، وشعبه الذي افتقده كثيراً، طيلة مدة سفره، حيث إنه حفظه الله من الركائز الأساسية للدولة، ومن القادة المؤثرين الذين حباهم الله شخصية فريدة ومميزة، غرست بفضلها مقداراً كبيراً من المحبة والتقدير لسموه في نفوس إخوته وأفراد الأسرة المالكة، وأبناء الشعب السعودي العزيز، وختم كلامه: بسؤاله الله العلي القدير أن يسبغ على صاحب السمو الملكي الأمير سلطان لباس الصحة والعافية، وأن يمده بالعون، ويشد به عضد أخيه خادم الحرمين الشريفين ويحفظهما لدينهما ولوطنهما ولشعبهما الكريم.. كما جاء هذا في الجزيرة ليوم الجمعة 24 - 12 - 1430هـ وبالعدد نفسه جاءت مشاعر كثيرٍ من الكاتبين نحو سموه، ولعل من نماذج مؤسساته الخيرية: مدينة سلطان الإنسانية التي أوقفها على مجموعة من المعاقين صغاراً وكباراً، وتضمّ أصحاب العاهات من داخل المملكة وخارجها، وتكفّل بمصاريفهم في العلاج والغذاء والمواصلات على حسابه الخاص، وهؤلاء بان عليهم الأثر لمّا سمعوا عن نبأ عودته سليماً بعد العلاج، فغمرهم الفرح والسرور، حيث تحدث مريض مصري مصاب بالشلل بسبب عملية جراحية، فجاء للمملكة للعلاج بهذه المدينة على نفقة سموه بعد أن تعذر علاجه في بلاده لعدم توفر الإمكانات في بلاده.. وقد منَّ الله عليه بالعافية، فقد كان معبّراً عن سروره بالدعاء لسموه والنماذج كثيرة لا يغطيها حديث مثل هذا، حفظ الله سموه ومتّعه بالصحة والعافية.

ذكاء إياس بن معاوية:

جاء في كتاب (هبة الأيام فيما يتعلق بأبي تمام) تأليف قاضي الموصل: يوسف البديعي المتوفي عام 1073هـ عند مروره بقصيدة أبي تمام التي فيها هذا البيت:

إقدام عمروٍ في سماحة حاتم

في حلم أحنف في ذكاء إياس

حيث أعطى المؤلف نبذة عن كل واحد، ومنهم إياس بن معاوية فقال: هو أبو وائلة بن معاوية بن قرّة بن إياس، اللّسِن البليغ الألمعي، المصيب المحدس، المعدود مثلاً في الذكاء، ورأسا من رؤوس الفصاحة والرجاحة، ويُحكى من فطنته أمور عجيبة، قيل لأبيه: كيف ابنك لك؟ قال: نعم الابن كفاني أمر دنياي، وفرّ غنى لآخرتي، وسمع يهودياً يقول: ما أحمق المسلمين، يزعمون أن أهل الجنّة يأكلون ولا يحُدِثون، فقال له إياس وهو لا يزال صغيراً: أكلّ ما تأكله تحُدِثه؟ قال: لا لأن الله يجعل بعضه غذاء، فردّ عليه إياس: فلِمَ تنكر أنَّ الله تعالى يجعل كل ما يأكله أهل الجنة غذاء.

ونظر يوماً إلى آجرّة، فقال: تحت هذه الآجرة دابّة، فنزعوها فإذا تحتها حيّة منطوية فسألوه عن ذلك؟ فقال: إني رأيت ما بين الآجرّتين نديّاً، من بين جميع الآجرّ فعلمت أن تحتها شيئاً يتنفّس.

وكتب عمر بن عبدالعزيز إلى عدي بن أرطأة، واليه على العراق، أن أجمع بين إياس بن معاوية والقاسم بن ربيعة الحرشيّ فولِّ القضاء أنفذهما.

فجمع بينهما فقال له إياس: أيّها الأمير سل عني وعن القاسم، فقيهي البصرة: الحسن وابن سيرين، وكان القاسم يأتيهما وإياس لا يأتيهما، فعلم القاسم أنّه إن سألهما أشارا به، فقال للأمير: لا تسأل عني ولا عنه، فوالله الذي لا إله غيره إنّ إياساً أفقه مني، وأعلم بالقضاء، وإنْ كنت كاذباً فما يحلّ لك أن تولّيني وأنا كاذب، وإن كنت صادقاً، فينبغي لك أن تقبل قولي، فقال له إياس: إنّك جئت برجل أوقفته على شفير جهنّم، فنجّى نفسه منها بيمين كاذبة، يستغفر الله منها، وينجو ممّا يخاف منه، فقال له عدي: أما إذْ فهمتها فأنت لها, واستقضاه.

ويروى من لُطف حسّه: أنْ تراءى الهلال في رمضان جماعة، فيهم أنس بن مالك رضي الله عنه، وقد قارب المئة فقال أنس: قد رأيته هو ذاك، وجعل يشير إليه فلا يرونه، ونظر إياس إلى أنس، وإذا شعرة قد انثنت من حاجبه، فمسحها إياس وسوّاها بحاجبه، ثم قال له: يا أبا حمزة أرنا الهلال وموضعه؟ فجعل ينظر ويقول: ما أراه.

ويروى عنه أنه قال: ما غلبني أحد قط سوى رجل واحد، وذلك أني كنت في مجلس القضاء بالبصرة فدخل عليّ رجل شهد بأن البستاني - وذكر حدوده - هو ملك فلان، فقلت له: كم عدد شجره؟ فسكت ثم قال: منذ كم يحكم القاضي في هذا المجلس؟ فقلت: منذ كذا، فقال: كم عدد خشب سقفه فقلت: الحقّ معك وأجزت شهادته.

توفي بضيعة له في قرية بين البصرة وخوزستان، سنة 122هـ وعمره ست وسبعون سنة (24 - 25)، وأخباره في سير أعلام النبلاء للذهبيّ، ووفيات الأعيان لابن خلّكان، وحلة الأولياء لابن نعيم، والبيان والتبين للجاحظ وغيرها من المصادر العديدة لشهرته.


 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد