تنظر شعوب العالم إلى رواد التعليم في بلدانها بإجلال واحترام مستمر يتوارثه الناس جيلاً بعد آخر، فرجال التعليم لهم دور مهم في نهضة الأمم في كافة مناحي الحياة ونستعرض سيرة واحد من رواد التعليم ولد بمدينة المجمعة 1332هـ وتلقى دراسته على عدد من علمائها وتولى التدريس في المدرسة السعودية الابتدائية، التي تأسست في عام 1356هـ وكانت أول مدرسة نظامية في المجمعة وواحدة من أربع مدارس هي بداية التعليم النظامي في نجد، وقد اعتبرت الانطلاقة الأولى للتعليم وذكرى افتتاح هذه المدرسة يعد مصدر اعتزاز وبداية تحول إلى عالم التعليم والنهضة وكان الأستاذ محمد بن مقحم أحد المعلمين وكان من أظرف من عرفت من المعلمين وكان الطلبة يحترمون معلميهم ويوقرونهم ويعرفون حقوقهم داخل المدرسة وخارجها. وكانت الدراسة صباحاً ومساء وكنا نجلس على الحصباء لقد أضاءت هذه المدرسة للكثيرين دروب العلم والمعرفة والتعليم وتخرج منها جيل واع مستنير يحتفظ في الذاكرة بالذكر الحسن لهذه المدرسة ومعلميهم، لقد كان الأستاذ محمد بن مقحم أحد أساتذة هذه المدرسة وهو رجل ظريف ينطوي على نفس رقيقة وروح شفافة وميل للدعابة والمرح تجلى ذلك من خلال تعاملنا معه في الفصل ومن خلال أشعاره ولطائفه وظرفه ومازلت كغيري من الزملاء نحتفظ ببعض قصائده التي كنا ننشرها في المدرسة ولو أن أشعاره حفظت لكانت ثروة أدبية لطيفة وأثرا جميلا من آثار وتاريخ تلك الحقبة.. وكنا ونحن صغار نلتقي به في منزل الشيخ حمد الحقيل أحد أصدقائه حيث تميزت تلك الجلسات بحضور أدبي ومسامرات شعرية عامرة حيث ينشد الشعر وكنا نسمعهم ينشدون المعلقات ومقصورة ابن دريد ولامية العرب والعجم ونونية ابن القيم وحوليات زهير وحماسيات عنترة وغيرها من ذخائر التراث العربي، كان الشاعر ابن مقحم يدرسنا مادة الإملاء والمحفوظات وكان لا يحضر لذلك بل من ذاكرته وقريحته الشعرية أذكر ذات مرة نظر إلى الطلاب وجمعنا في قصيدة: |
ثلاثة أجبار سنان ودائل |
حقيلان صليحان ثمر مطوع |
حمود حميد والفريح آخرهم |
مصابيح علم في دجى الجهل تلمع |
|
وكان شخصية مرحة ملأ جوانح طلابه باحترامه رغم شدته وقسوته وسرعة انفعاله حرصا منه على فرض النظام في الصف رغم أنه يتحمل في عمله الدؤوب الأذى من بعض الطلبة الأشقياء، وكانت له قصائد كثيرة وأناشيد ترحيبية لزوار المدرسة ومن تلك الأناشيد على سبيل المثال: |
نحن شباب المجمعة |
وليس فينا إمعة |
وكلنا محافظ |
على صلاة الجمعة |
وكذا قصيدة ترحيبية عندما عين الأستاذ عودة سليمان مديرا للمدرسة: |
مرحبا مرحبا |
عودة الينبعي |
إن في القلب له |
من ولاء ووله |
عدله سجله |
بين ذا الأضلعي |
كم بدا فرحا |
نشؤه المجمعي |
وهي قصيدة طويلة وله نشيد قام بتأليفه يردده الطلاب خلال زيارة بعض الشخصيات للمدرسة، ومنه: |
أهلاً وسهلاً مرحبا |
بالسادة الموقرة |
شرفتموا مكاننا |
الساعة المنورة |
وكلكم ولا مراء |
عندي كرام بررة |
وله قصائد شعبية لطيفة، ومن ذلك: |
أنه سافر إلى الرياض لاستلام عادته السنوية فكان يتردد على قصر الملك عبدالعزيز - رحمه الله - ويراجع ابن جميعة المسؤول عن ذلك، فطرده فما كان منه إلا أن وقف للملك عبدالعزيز في طريقه وهو ذاهب إلى المربع، فأنشد قائلاً من قصيدة طويلة: |
يا بوتركي لا تنساني |
ابن جميعة تناساني |
لي عشرين ولي بتية |
ووليدي سبعة بيضاني |
اجعلها منك إلاهية |
عند الله وارحم بزراني |
وان بغيتو لي ماربة |
ابحث في الدفتر تلقاني |
فما كان من الملك إلا أن عطف عليه، وقال له: لو قلت لي تسعين لكان أولى وأمر أن تثبت له تسعون ريالا ولولده عشرون وعباءة، ولقد ركبته ديون أدى بعضها إلى رهن بيته الذي لا يملك سواه فلما حلّ الأجل ضايقه غريمه وعزم على أن يبيع الرهن فاتصل بصديقه الشيخ حمد الحقيل مستشيرا، وقد ضاقت عليه الأرض بما رحبت فقال له ليس لك الآن إلا الملك عبدالعزيز سافر إليه في الرياض وأعرض عليه قضيتك في أبيات شعرية طريفة لا تخلو من النكتة وسيعمل على ما فيه مصلحتك ومصلحة غريمك فوفد على الملك عبدالعزيز وألقى هذه الأبيات في قصر البديعة بالرياض والأبيات هي: |
جيتك عان يابن سعود |
أنت سعود وابن سعود |
وش الحيلة وان سرحت |
عسى الفقر ما يعود |
راحت داري في قرطاسه |
راهنها بنك عربود |
راهنها رهن يا سيدي |
خمسة أشهر ما تزود |
ان ما سلمت على الخمسة |
رحت اهوبي مع فرهود |
يبو تركي لا تنساني |
من عوايدك أبا عود |
أبي الفكه على داري |
وابي فرقا هالنمورد |
حيثك حاكم وبن حاكم |
وارث ملكك ورث جدود |
تعطي جنيه وجيش وغيره |
واموال ما تحصى زود |
هذا تقدير من الوالي |
تقديره عنده ما جود |
علم الذره وعلم البقه |
ووزن الخردل ووزن الطود |
محد ياقف في ذ الماقف |
لا كذاب ولا جحود |
صلاة الله وتسليمه |
مع ريحان وفاخر عود |
على الشافع المشفع |
محمد احمد والمحمود |
فما كان من الملك عبدالعزيز إلا أن عطف على هذا الشاعر وأمر بقضاء ديونه كلها وبذلك فك رهن مسكنه وبرئت ذمته من حقوق الناس وسكن داره. |
وفي عام 1381هـ ندبت من قبل وزارة المعارف لمسح منطقة الوشم وسدير للتعرف على حاجة كل قرية وهجرة ومدى حاجتها إلى افتتاح مدرسة بها وبعد أن انتهت جولتي في الوشم توجهت صوب المجمعة فانطلقنا سويا بصحبته ومدير التعليم في المجمعة وقد كان وقتها مفتشا إداريا وفي هذه المرحلة قمنا بزيارات متعددة لمناطقها وهجرها النائية ومناهل المياه فكان يتحفنا بقصائده العربية والشعبية إلى جانب مقطوعات وأراجيز تدل على صفاء نفس وخفة روح وكان - رحمه الله - شديد الحذر في كل أموره ومظاهر حياته فمضت أيام تلك الرحلة بتعليقاته وذكرياته وسير التاريخ وأحداثه فكان فيضا واسعا من الذكريات وسجع الأشعار. |
وبعد فوفاء لهذا المعلم والشاعر حاولت بهذه المقالة أن أتذكر شيئا ولعل غيري من طلابه وزملائه تستجيب لهم الذاكرة فقد غابت عن ذاكرتي واختفت أشياء كثيرة من أشعاره وما ضاع وتبعثر فلن يعود وإن شخصية أدبية كهذه هي بحق بحاجة إلى تعريف بأطوار حياتها سيرة ومسيرة وهو ما تمكن القلم من رصده. |
(*) الرياض |
أمين عام دارة الملك عبدالعزيز الأسبق |
|