وعظتني نفسي فعلّمتني الإصغاء إلى الأصوات التي لا تولدها الألسنة، ولا تضج بها الحناجر. وقبل أن تعظني نفسي كنت كليل المسامع مريضها، لا أعي سوى الجلبة والصياح. أما الآن فقد صرت أتوجس بالسكينة فأسمع أجواقها منشدة أغاني الدهور، مرتلة تسابيح الفضاء، معلنة أسرار الغيب.
وعظتني نفسي فعلّمتني ألاّ أطرب لمديح، ولا أجزع لمذمّة، وقبل أن تعظني نفسي، كنت أظل مرتاباً في قيمة أعمالي وقدرها حتى تبعث إليها الأيام بمن يقرظها أو يهجوها. أما الآن فقد عرفت أن الأشجار تزهر في الربيع، وتثمر في الصيف، ولا مطمع لها في الثناء، وتنثر أوراقها في الخريف، وتتعرّى في الشتاء، ولا تخشى الملامة.
«جبران خليل جبران»