Al Jazirah NewsPaper Monday  10/05/2010 G Issue 13738
الأثنين 26 جمادى الأول 1431   العدد  13738
 
إلى الأمام
الاستعداء على الشيخ وغريزة الخوف
د. جاسر عبد الله الحربش

 

لم أتفاجأ بمقدار الهجوم من زملاء وأصدقاء الأمس على مدير عام هيئات منطقة مكة المكرمة عندما اجتهد ونقب في الموروث الفقهي وخرج برأي مخالف للسائد في فقه الاختلاط. الشيخ نفسه أعرب في مقابلة عكاظ يوم السبت 3-5-1431هـ عن اندهاشه من شراسة الهجوم عليه من داخل الدائرة المعرفية. عموماً هذه حال ما يحدث لكل إنسان لا يعرف محيطه إلا من الداخل حين تضطره الظروف إلى الوقوف وإلقاء النظرة من الخارج، وخصوصاً في المجتمعات التقليدية المحافظة. الشيخ وفقه الله كان لعشرات السنين يتواصل ويتخاطب ويتبادل الآراء حول الماضي والحاضر والمستقبل ويتباحث في أمور الصلاح والفساد مع زملاء له يعيشون ويتعايشون مع فقه التقليد ويجرون القياس في مستجدات الأمور المعقدة والمتشابكة بمقاييس الماضي البسيط الواضح وبمتطلباته الحياتية المفرطة في القناعة والبساطة.

حين فتح الله للشيخ باباً في الاجتهاد فعثر على ما يوجب الصدع برأي مخالف لما اعتاده زملاء التقليد القدامى وجد منهم من الجفوة وضيق الصدور ما لم يكن يتوقعه منهم من قبل. لكن المسائل مع البشر هي دائماً وأبداً هكذا، وما الأرواح إلا جنود مجنده فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف. المسألة الأخطر من الاختلاف الفقهي هي مسألة الاستعداء والانتقاص من المروءة والعرض والشرف حين تأتي ممن يدافعون عن الفضيلة بقصد التشفي والإمعان في البغضاء، وخصوصاً أن الفاعلين أو على الأقل بعضهم يبرر ذلك بالبغض في الله والحب في الله، وهم يعلمون أن هذا جائز فقط في المخالف المعادي المجاهر بالمعصية. ما بالهم إذاً يجيزونه ويحللونه فيمن خبروه وعرفوه ويعلمون حق العلم أنه ليس مخالفاً معادياً ولا مجاهراً بمعصية، وإنما مجرد زميل في العقيدة والمعتقد رأى أن الأمور لم يعد يسعها باب التقليد القديم فحاول الاجتهاد.

هنا يسعفنا علم النفس في مجال سيكولوجية العدوانية الذي يرد كل تصرف عدواني إلى غريزة الخوف والدفاع عن النفس. بالطبع تتفرع من شجرة الخوف الكبيرة عدة فروع منها ما هو صحي ومبرر وضروري لمواجهة عدوان بعدوان وكيد بكيد ونية سوء بمثلها، ومنها ما هو غير مبرر إطلاقاً لا بالمقاييس الشرعية ولا الأخلاقية ولا العرفية. في مثل هذه الحالة يكون البغض والتبغيض والاستعداء إفرازات غير سوية لما يعتمل في النفوس الخائفة والمستوحشة من ذهاب واقع دنيوي مريح لصالح مستقبل مختلف، أو لغيرة علمية تعتمل في نفوس قاصرة عن البحث والاجتهاد فذهبت تتحامل على آخرين حملوا مشعل الاجتهاد وتقدموا إلى الأمام. كل هذه الأمور أيضاً قد تكون مجتمعة في بعض النفوس التي تركب الشطط في عدوانيتها دون مبررات شرعية أو أخلاقية أو اجتماعية، ولكن في النهاية لن يصح إلا الصحيح.



 


 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد