كتب - سعود البديري
كنتُ في السابق أتوقّع أن «الطبيعة» لا يمكن استنساخها، أو صناعة ما هو شبيه لها في النكهة واللون، وإن كنت مصدقاً بذلك في زراعة «الكمأة» و»الأسماك» والنعجة المدللة «دوللي»..!! لا يمكن أن أصدّق أن الشِّعر ستطوله عجلة التقدّم، وسنسمع بنصوص «صناعية» وقد وجد الشاعر أنه مجبر على كتابتها من خلال إرضاء غرور ناقد في مسابقة شعرية أو من خلال طلبات المطبوعات الشعبية حتى أصبح الشاعر لا يملك «العصمة» في «قصيدته»؛ فالساحة الشعبية ذات وهج إعلامي مُغْرٍ للغاية، ومن خلال صناعة قصيدة واحدة يستطيع الشاعر أن يختصر مسافات طويلة ويصل إلى مبتغاه وهدفه المنشود..
وهناك فرق بين أن يكتب الشاعر قصيدته لغرض النشر وأن يكتبها على فطرته الحقيقية، ويُرضي غروره الخاص، ويعبِّر عن ذاته الشخصية، ويكتب نزفه بكل تلقائية دون أي تدّخلات أخرى.. وبين هذا وذاك تنشأ إشكالية كبرى في الساحة تتمثل في مدى ضرورة وجود «النقد»، وأعني بذلك النقد الأكاديمي لا النقد الانطباعي البسيط.. وفرق بين أن يقدّم الشاعر قصيدته للناقد وأن يقدم الناقد على تشريح قصيدة شاعر لا يعرفه في الأساس.
فالأخير لن يتنازل لغرور الناقد ولن يجد إشكالاً في ذلك.. لكن من يقدّم قصيدته للناقد في مسابقة شعرية مثلاً فإنه حتماً سيسعى للاقتراب من أدوات الناقد وإرضائه بكل ما يملك.. لذا لن يصطاد بسنارة فكره من ساحل بحري «طبيعي»؛ بل سيتجه بفكره لشراء مزرعة اصطناعية بحرية، وفي النهاية كلاهما «مستساغ تناوله»، لكن الفرق في الطعم..!! أعني هل «المسابقات الشعرية» أنصفت شعراء حقيقيين.. أم صنعت الشعراء..؟!!..
وأنا أتفق معك - عزيزي القارئ - بأنني جنحت كثيراً وتشعبت في الوصول إلى هدفي المقصود، لكنّني أدللّ على شيء معيّن وباختصار شديد: «مَنْ يكتب للحضور الإعلامي» ليس شاعر فطرة..!! ولا يمكنه أن يكون كذلك.. وإن كان فإنه سيأتي اليوم الذي يتوقف فيه بعد أن يحقق الشهرة والأضواء التي كانت الهدف من وراء شاعريته.. أمّا شاعر الفطرة فإنه مَنْ يكتب في غمرة انشغاله، وهو من كانت نصوصه التي في الأدراج ضعف ما تم نشره..!! لذا.. فإن الشعر النبطي في ساحتنا الشعبية قد دخل ثورة العصر الحديث، وأصبح بإمكان الجميع أن يصبحوا «شعراء»، ولا يمكن أن ينتاب الأب مثلاً شيئاً من الذهول عندما يسمع بشاعرية ابنه، وربما لا يعنيه الأمر شيئاً ولا يعيره أي اهتمام؛ لأنه أصبح بمثابة «تحصيل حاصل»..!! إذن.. لماذا كان العرب في السابق يشعلون المواقد احتفالا وبهجة بميلاد شاعر منهم.. واليوم.. لا يعنيهم هذا الأمر بشيء.. أبداً؟!..
تبقى لدّي إشكالية أخرى قد تم طرحها أكثر من مرة بين أوساط الشعراء: «هل الفراغ يصنع الشاعر»..؟!! ويمكّنه من طرق أبواب الشعر المتعدّدة، ويوصله لأوسع الأبواب؟.. وإذا كان بالفعل يصنع «الشاعر» فهذا يؤكد أن «الشعر أصبح صناعة»..!! وهذه الصناعة تحتاج إلى «سعة بال».. وهل تبريرات غياب بعض شعراء الساحة منطقية عندما تكون بأسباب ظروف الدراسة أو العمل؟.. وإن كانت صحيحة ومنطقية فهذا يؤكد ما أرمي إليه..!!
لا تعتذروا - يا سادة - بذلك.. فأنتم لستم «شعراء فطرة وموهبة»..!! فلولا وجود قنوات إعلامية مقروءة أو مسموعة أو مرئية تمنح الشاعر الضوء الإعلامي المغري لما تطاول البعض على «قامة الشعر الشامخة» والادعاء به، ومزاحمة الشعراء الحقيقيين على منابرهم..
وفي الحقيقة نحن لا نحتاج للأطروحات الشعرية الحديثة بقدر ما نحن محتاجون للمبدعين الحقيقيين الذين يتولّد لديهم الإبداع بالفطرة الإنسانية الحقيقية؛ فتنساب معانيهم ومفرداتهم في قلوبنا بسلاسة متناهية.
في أحد اللقاءات التي أجريتها مع أحد الشعراء، الذين يتوغلون في كتابة النص الحديث، وجدت التكلّف والتصنّع في بعض مفردات قصائده، وبغض النظر عن أن «التكلّف» عيب بلاغي واضح وذنب شعري لا يمكن غفرانه، يتحدّث في إحدى قصائده أنه لحظة تساقط المطر عليه في قريته الصغيرة استخدم «الشمّاسة» كي تقيه من حبّات المطر.. ولا أدري هل هذا الشعور قد كتب من خلال ذاته الشخصية في الوقت الذي لا نستغني فيه عن «السيارة» والاستمتاع برؤية الأمطار.. مع أن لدينا مئات الحلول في مجتمعنا الخليجي بدلاً من هذه «الشمّاسة»؟..!!
قلت في نفسي «هذه والله الصناعة المحترفة»..!! وأنا هنا لا أمرّر قناعاتي النقدية، لكنني أصف هذه النصوص ب»المشاعر البلاستيكية»؛ لأن مشاعر غيرك ليس مستساغاً أن تتصنع في تقمّصها.. فمن الأجدى أن تتركها لغيرك.. واكتب مشاعرك، وإن كنت لا تثق بأدوات الشعر الحقيقية القادرة على صياغتها فأنت بلا شك «شاعر صناعي»..!!
تلويحة أخيرة:
علي المفضي: الشعر «حالة» وليس موقفاً..!!