Al Jazirah NewsPaper Tuesday  25/05/2010 G Issue 13753
الثلاثاء 11 جمادىالآخرة 1431   العدد  13753
 
نزهات
ليتك معي «ساهر»!
يوسف المحيميد

 

طوال سنة كاملة قضيتها في بريطانيا، لم تقع عيني على مخالفة مرورية، ولم أشاهد سوى حادث مروري وحيد، وقع على طريق سفر طويل، بين مدينة وبلدة بحرية صغيرة، إضافة - طبعاً - إلى حادث مروري ارتكبته شخصياً مثل آلاف السعوديين الذين يتورطون بالجلوس أمام عجلة القيادة على اليمين، حسب السيارات المتاحة هناك، والسير في الجانب الأيسر من الطريق حسب نظام سير المرور البريطاني.

حين عدت إلى الرياض، وقد بدأت الطائرة تهبط تدريجياً، وقبل أن تحط على مدرج مطار الملك خالد، رأيت حافلة مقلوبة على ظهرها، في الطريق المؤدي إلى المطار، يا ساتر، حادث أراه ومن السماء! وقبل أن أنطلق إلى البيت، الذي من الطبيعي أن أكحل عيني، أو أؤذيهما بمشهد ثلاثة حوادث على الأقل في المشوار الواحد.

كتبنا وبكينا مراراً، على أرواح الشباب الذين يموتون يومياً في شوارع بلادنا وقد تحولت إلى أرض معركة، يقتل فيها ما يقارب سبعة عشر شخصاً يومياً، تحديداً (6142 قتيلاً) وهذا الرقم قد يزيد عن قتلى معارك عام كامل من مرحلة توحيد البلاد قبل قرن تقريباً.

ومن الطبيعي أن ما يقارب نصف مليون حادثة مرورية ستترك خلفها آلاف المشلولين والمحرومين من حقهم الطبيعي في الحياة والعمل، لذلك جاء نظام «ساهر» ليعيد ترتيب الحياة من جديد، فانتشرت كاميرات المراقبة في شوارع الرياض، وظهر الغاضبون والمشككون في نواياه، بأنه مال «ملهوف» بدعوى المحافظة على سلامتنا، مثله مثل حكاية الفحص الدوري الذي أثبت فشله وعدم دقته في اختبار سلامة المركبة، حجتهم في ذلك بأن نظام «ساهر» تم تطبيقه جزافاً دون تجهيز الشوارع باللوحات الإرشادية المرورية، أبرزها لوحات السرعة القصوى، التي لا تكاد تراها في الشوارع، فضلاً عن عدم نشر وحدات من المرور تقوم بتوزيع كتيبات تشتمل مضمون النظام ورسم لوحات الإرشادات ومعنى كلٌ منها، خاصة أن معظم السائقين في شوارعنا لا يفهمون معانيها إلا في أسبوع الاختبار الأول للظفر برخصة القيادة، أي زمن المراهقة المبكرة.

المدهش أن معظم الشباب لم يحرص على تعلّم القيادة السليمة واحترام النظام عموماً، بقدر ما فكّر في طرق التحايل على الكاميرات، وكشف أماكنها، ووسائل إخفاء معالم لوحات سياراتهم مثلاً، كما شكك آخرون بأنه حيلة جديدة لسلب جزء جديد من مرتب الموظف «الغلبان» تحت بند مصروفات المخالفات المرورية، وآخرون توقعوا أن يصدر عفو عام عن المخالفين، وغير ذلك من الأحلام والشكوك الواهية، التي لم تعتد احترام الأنظمة.

ولعل أكثر المنتفعين من هذا النظام هم شركات التأمين بافتراض التناقص التدريجي للحوادث، وانخفاض دفع أجور وتعويض المركبات والإصابات، وأكثر المتضررين هم متهورو القيادة، وضاربو قوانين المرور عرض الحائط، من مراهقين وسائقي أجرة وسائقين خاصّين، وكل من يرتبط اسم ملكية مركبته التي يقودها بغيره، سواء أب أو كفيل أو صاحب عمل، وبالتالي سيبقى المالك غافلاً عن مركبته أو مركباته، التي تصول وتجول في الشوارع في رقص ليلي مصوّر وعلني، حتى تحدث الكارثة، بفاتورة طويلة من المخالفات، فيبكي نظام «ساهر» ويشتم «السهر» وهو يتمثل حال خالد الفيصل وقصيدته «ليتك معي ساهر»، فيخالفها غاضباً إذ لا يرى كما يرى الشاعر «ترى السهر مع حبيبك يبري العلة» لأن السيد «ساهر» لا يبري «العلة» بل يأخذ «الغلّة»!



 


 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد