تحقيق - فاضل الفاضل
للرقية الشرعية أثر واضح في علاج الأمراض العضوية والنفسية، والتي تستعصي في أحيان على الطب، وأكدت كثيراً من النتائج شفاءها لكثير من الأمراض.. وشرع الله لعباده التداوي بالرقية الشرعية الثابتة في الكتاب والسنة، وهذا ما دعا الكثير من المتطوعين إلى القراءة على المرضى لنفعهم وكسب الأجر إلا أن بعض الرقاة استغل حاجة الناس إلى الرقية الشرعية لجني الأموال جراء قراءته على المرضى، وأخرجوا الرقية من منظورها الشرعي إلى المنظور المادي في صورة من عدم المبالاة بالقيم الدينية والإنسانية. (الجزيرة) دخلت هذا العالم عن قرب، وخرجت بهذا التحقيق.
10 آلاف ريال للعلاج
يتردد كثير من المواطنين والمواطنات على بيوت واستراحات (الرقية)؛ بحثاً عن علاج لمرض عضوي أو نفسي دون أن يهتموا بمعرفة الراقي وتاريخه أو يعيروا اهتماماً بالمال الذي يصرفونه، وهذا ما جعل سوق الرقية في رواج وتوسع كبير.. العم أبو صالح الذي بدا على وجهه الشحوب بجسمه الهزيل وجدناه يجلس على رصيف إحدى استراحات الرقية شرق الرياض في انتظار فتح الاستراحة عصراً، سألناه عن سبب حضوره؛ فقال إنه جاء للعلاج من السحر، وذكر أنه يتردد على محل الرقية منذ عام بمعدل مرة في الأسبوع؛ أي أن حجم ما صرفه يعادل 10 آلاف ريال! يقول أبو صالح: «إن حالتي لم تتغير».. وسألناه: هل تأكدت من أنك مسحور أم أنك مصاب بمرض عضوي أو نفسي؟ فأجاب: هكذا قال لي الشيخ الذي يقرأ عليَّ ولم يسبق أن ذهبت إلى المستشفى؛ لأني أخاف من المستشفيات وتحاليلها!
فندق فاخر للرقية!
أما المواطن فالح فيقول: طلبنا من أحد الرقاة القراءة على قريب لنا، وكان الراقي يسكن خارج مدينتنا فلما طلبناه للمجيء اشترط شروطاً غريبة كأخذ مبلغ نقدي معين واستئجار فندق فاخر ليسكن به وبعض الطلبات التي أوضحت لنا أنه يستغل الرقية لتحقيق بعض المكاسب المادية وبشكل واضح؛ فاضطررنا لتركه. ويشاركه مواطن آخر بقوله: كان أحد أقاربي يذهب للقراءة عند أحد الرقاة الذي يتوافد عنده العديد من طالبي الرقية الشرعية، ولكن بعد فترة تم القبض عليه لاستخدامه أموراً لا تجوز شرعاً كاستعانته بالقرين لمعرفة سبب المرض الذي يعاني منه المريض.. ويضيف بقوله: أرى أن على المرضى أن يدققوا في المشايخ والقراء الذين يذهبون إليهم؛ حتى لا يستغلوهم. بينما المواطن عبدالله المحسن يذكر أساليب غريبة يقوم بها الرقاة؛ إذ إن أحدهم وضع أرقامه وعناوينه في مواقع إلكترونية، كما وضع جملة من الأمور التي يقول إنه يتميز بها عن غيره!! ويضيف: ترويجه لنفسه أشبه بمَن يروج لسلعة، وهذا ديدن كثير من الرقاة الذين يتكسبون من جيوب الناس!
أحد زبائن الرقاة وهو أبو عبدالرحمن يقول: هناك من الرقاة من يقوم بالقراءة والنفث في علبة ماء صغيرة ثم يسكبها في (صهريج ماء) ليقوموا بعد ذلك بتعبئتها في علب عديدة اختصاراً للوقت، ويضيف: وهناك مَن يقرأ في خزان المياه ثم يقوم بالتعبئة منه في علب صغيرة وتوزيعها على أنها عزائم.
راقية بالصدفة
تقول أم محمد: أعرف قارئة تقوم بالقراءة على الناس في بيتها كل خمسة أيام من الأسبوع وبالمجان طالبة الأجر والمثوبة ونفع الناس وقصت هذه القارئة أن أحد أولادها أصيب بمرض السرطان فقامت بالقراءة عليه، وبعدها قامت بفتح بيتها للقراءة على الناس، حيث إنها تتصف بأخلاق المرأة المتدينة والناس يتوافدون عليها بشكل مستمر لتقرأ عليهم.
ومن جانبه يقول أبو سعد (أحد المرضى): أصبت بمرض السرطان قبل سنة وأصبحت أتردد على الكثير من الرقاة والمشايخ في الرياض وخارجها بحثاً عن الرقاة الذين تحسن سمعتهم وقراءتهم؛ لأنه ليس كل قارئ يحسن النية لنفع الناس وللمثوبة؛ فالبعض منهم يقصد بقراءته التجارة؛ فأحد المواقف التي شدتني من أحد الرقاة رفضه لمبلغ كبير من أحد المرضى أهداه إياه بعد تشافيه من مرض لازمه فترة من ثم كتب الله له الشفاء بعد رقيته من هذا الراقي، مع العلم بأنه يسكن في بيت شعبي وحالته المادية أقل من عادية إلا أنه فضل الأجر والمثوبة من الله على أن يأخذ أجراً مادياً نظير قراءته.
قنوات رقية وإعلانات شوارع!
قنوات فضائية تخصصت بالرقية الشرعية وأخرى وضعت برامج مختصة بالرقية زودت مشاهديها بأرقام وهواتف لمن يريد العلاج وبمبالغ باهظة. كما أن الإعلانات طالت لوحات الشوارع عبر إلصاق لوحات صغيرة.
تجارة وتحايل
يقول الشيخ عبدالله بن راشد الغانم المتخصص في الرقية الشرعية وعضو دعوة وخطيب جامع: المتعامل به في وقتنا الحاضر فيما يخص الرقية الشرعية من بعض الرقاة يدخل ضمن التجارة كأخذ مبالغ نقدية وبيع المياه والعسل المقروء فيه بمبالغ باهظة الثمن؛ فمنهم مَن يشتريه ب200 ريال ويبيعه على المرضى 1500 ريال والزيت ب10 ريالات ويبيعه ب100 ريال وتحديد مدة للقراءة على المريض كشهرين مثلاً بمبلغ 12 ألف ريال بل إن بعض المياه والزيوت التي تباع ليس مقروءاً فيها وإنما تكون موضوعة في مكان مفتوح، ويقرأ الراقي في المكان، ويقال إنها مقروء فيها، وهذا من التحايل على الناس، وأنصح من هذا حاله بأن يخاف الله.. ويضيف الغانم: لا يوجد مانع من أخذ مبلغ يسير ك20 أو 50 ريالاً، وجعل الرقية بغير مقصد التجارة كمَن يقرأ على الناس في بيته أو في استراحة له يذهب جل وقته في القراءة وينشغل عن بيته وأولاده ولقمة عيشه، أما من وضعه للتجارة فلا يجوز؛ فالممنوع هو إخراج الرقية من منظورها الشرعي إلى المنظور المادي كمن يشترط مبلغاً للقراءة لمدة شهر ب5 آلاف ريال، ويخبر المريض بأن فيه عيناً أو سحراً، وهذا الشيء من علم الغيب؛ فالرسول - صلى الله عليه وسلم - لم يعلم بمكان سحره إلا بوحي من الله تعالى.
وأكد الغانم أن النفع من الرقية ليس له علاقة بأخذ مقابل مادي عن الرقية أو عدم أخذ مقابل؛ فالنفع يتعلق بأسباب تفعل، والتوفيق بيد الله - سبحانه وتعالى -، فإن طرح الله البركة في هذه الرقية فهي - بإذن الله - ستنفع، والمقصود هنا هو النية؛ فبعض الرقاة يقرؤون على المرضى، ويأخذون مبالغ ليقتاتوا بها؛ حيث إنه ليست لديهم وظائف ومصدر للرزق، ولكن مع ذلك فنيتهم لله - سبحانه وتعالى -، ونفع الناس مع الأخذ بالمعقول؛ فالبعض من الرقاة الذين أرادوها للتجارة لا يقيم القرآن فيخلط آية من سورة مع آية من سورة أخرى ويحددون آيات للسحر والجان وآيات للعين، والأصل أن القرآن كله خير بركة كسورتي البقرة وآل عمران اللتين أخبر الرسول - صلى الله عليه وسلم - بأن البيت الذي تقرأ فيه لا تدخله الشياطين.
كذلك نجد بعضهم يستخدم الرقية الجماعية، وليس لها أصل إنما هي لكسب الوقت والمال، فإن كان قصده إسماع الناس القرآن ودعوتهم به ووعظهم فهذا شيء طيب، أما إن كان يقصد بها الرقية فهي ليست رقية؛ لأن الرقية بريق المؤمن ينفث على موضع الألم والمريض يضع يده على ألمه، ويقول: «أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر»، وهذا هو التوجيه النبوي الكريم، وقد يترك بعضهم عمله ويجعل الرقية عمله الأصلي ومكسبه؛ فبهذا يكون كالتاجر يريد أن يجمع المال الكثير بقدر الإمكان وبأي صفة. وقراءة المريض على نفسه بما استطاع إليه سبيلاً لها أثر جيد فإن لم يستطع فأحب الناس إليه كالزوج أو الصديق أو القريب.
تشخيص «راق» يغمي مريض سكر!
وعن علاج الأمراض بالقرآن قال الشيخ الغانم: القرآن يعالج كل الأمراض، سواء كان المرض نفسياً أو عضوياً، وإذا كان الإنسان لديه مرض عضوي صريح قد تبين له أثناء الكشف فلا يجوز له ترك العلاج الطبي مكتفياً بقراءة القرآن، وإنما يجمع بين العلاج الطبي وقراءة القرآن؛ فبعض الرقاة يأتي إلى المستشفى ويطلب إخراج المريض؛ لكي يقوم بالقراءة عليه، وهذا خطأ كأحد الرقاة الذي أكد لمريض بالسكر أن الذي فيه إنما هي عين وأمره بترك العلاج ليقوم بالقراءة عليه، وبعد فترة دخل المريض بغيبوبة بسبب ارتفاع السكر من جراء تركه للعلاج، وإنما إثم هذا المريض على من أمره بترك العلاج؛ فيجب على الراقي ألا يخرج من الرقية إلى الطب وهو لا يفقهه؛ فمن تطبب بغير علم فهو ظالم.
لمس المريضة
وأكد الشيخ الغانم على أمر خطير ألا وهو الرقية على النساء؛ فبعض الرقاة يلمس المريضة بغرض مسك الجان، وهذا لا يجوز لا للراقي ولا غير الراقي، وهو منتشر بين بعض الرقاة، كما أنه لا يجوز أن تكشف المرأة عن مكان الألم كأن تكشف عن صدرها لينفث الراقي على مكان الألم، وإنما النفث يكون من خلف مانع كالعباءة، ويجب على النساء الحذر من هذه الأمور. وقد شاهدت من خلال لقائي ببعض المرضى وبعض الرقاة عندما كنت مكلفاً من سماحة الشيخ ابن باز في لجنة لدراسة أوضاع الرقية والرقاة، شاهدت قصصاً وأحوالاً غريبة من تجاوزات في الرقية وإخراجها عن هدفها الأسمى.
لا بأس
من جانب آخر قال الشيخ يوسف المنصور (راق شرعي): لا بأس من أخذ مقابل نظير الرقية؛ فالنبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (إن خير ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله)، وكما في حديث أبي سعيد في الصحيحين حينما نزل الصحابة في حي من أحياء العرب فلدغ سيد ذلك الحي؛ فقالوا: هل معكم من راق؟ قالوا: لا نرقيكم إلا بأجر، وأقرهم النبي - صلى الله عليه وسلم - بل شاركهم في الأجرة.
وفي مسألة اعتماد الناس على الرقية دون الطب الحديث أكد المنصور أنه من الأفضل الجمع بين الرقية الشرعية والطب الحديث، وديننا وسط - ولله الحمد -، ولكن المريض في كل حالات مرضه، سواء عضوية أو نفسية أو روحية، ليس له غنى عن الرقية.