Al Jazirah NewsPaper Thursday  17/06/2010 G Issue 13776
الخميس 05 رجب 1431   العدد  13776
 
سجالات الخصوصية والعولمة في خطابنا الثقافي
د. محمد بن عبدالله الشويعر

 

ابتهجتُ أنا وربما كثيرون ممن أُتيحت لهم الفرصة للاطلاع على مداولات المشاركين والمشاركات في اللقاء الفكري الذي أقامه مركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني في الأسبوع الماضي، والذي ناقش بعضا من قضايا الخطاب الثقافي السعودي «الخصوصية - والهوية - والعولمة».

وفي أثناء الأطروحات التي دارت بين المشاركين والمشاركات كان هناك بعض التفاوت والغموض في مفهوم الخصوصية؛ فبعضهم كان يؤيد خصوصية المجتمع السعودي، في حين كان بعضهم الآخر لا يرى وجودا لهذه الخصوصية، ويعدُّها من أسباب عزلة المجتمع وانغلاقه عن الثقافات الأخرى، وآخر لا يرى في الخصوصية خطرًا أو معوقا للانفتاح والتواصل مع الثقافات الأخرى، والاستفادة منها، وأميل كثيرا إلى الرأي الأخير؛ حيث إنَّ بلادنا لها خصوصية فريدة ومهمة جدا، وهي الخصوصية الدينية التي تتمثل في وجود الحرمين الشريفين؛ فهي قبلة المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، ومهبط الوحي؛ ما جعل المملكة - قادة وشعبا - في خدمة جميع المسلمين في بقاع الأرض كلها.

وإننا نقع في خطأ جسيم عندما نطالب بتعريف واحد ومحدد للخصوصية؛ فنحن بذلك - وبحسن نية - نفوت على أنفسنا وأمتنا فرصة عظيمة لتقديم تنوُّع يكون محفزا على البناء؛ للوصول إلى مصالح الوطن والأمة.

في محور المواطنة لفت نظري اهتمام المشاركين والمشاركات بهذا المحور؛ حيث أثروه بشكل كبير، وتناولوا مفهوم المواطنة بصيغها المختلفة، وتعددت الآراء وتشعبت في محاولة الوصول إلى مفهوم واحد للمواطنة؛ فقد كان المشهد أكثر من رائع عندما اتفق الجميع على أن لدينا أكثر من فَهْم للمواطنة.

وقد ينظر بعضهم إلى مفهوم الهوية بقلق شديد لخوفه من أن توظف في تصنيف المواطن بناء على فَهْم طيف واحد للهوية، ولعل ذلك وَهْم أوجدناه من العدم، وغذيناه من أفكار مترددة؛ لأن الهوية ليست مشروعا تعمل عليه الأنظمة والحكومات، ولكنه ذلك التعريف الذي ينتجه الإنسان، ومن ثم يرتضيه لعلاقاته بمجتمعه ووطنه، وهذا يشكّل أمرا نسبيا لدى كل طيف؛ حيث تكون المواطنة حقا واضحا ومفهوما وفقا لمعادلة الحقوق والواجبات، والتزاما وطنيا لا يقبل التشكيك. أما العولمة ومفهومها فقد تنوعت المداخلات من حيث تعريفهما، وهي أقل المحاور اختلافا بين المشاركين والمشاركات في مفهوم العولمة ومدلولاتها.

وأستطيع القول: إن الذين ينساقون وراء العولمة بإطلاق هم في حقيقة الأمر أناس يتجاهلون حقيقة واضحة للعيان، هي أن العولمة تواجه الآن مقاومة وأسئلة جذرية تتعلق بوجودها وشرعيتها ومستقبلها داخل المجتمعات التي تقول: إنها أنتجت القيم الأساسية لها؛ ومن الأدلة الواضحة على ذلك أن أكثر الكتب مبيعا في الولايات المتحدة الأمريكية حاليا هي الكتب التي تطالب بإعادة النظر في موقف الخصوصية والعدالة وتحرير التجارة.

هذه الاختلافات في وجهات النظر بين المشاركين والمشاركات في مفهوم الخصوصية والمواطنة والعولمة إنما تدلُّ على التنوُّع الفكري والثقافي لدى المشاركين والمشاركات؛ فالاختلاف في وجهات النظر ظاهرة صحية داخل المجتمعات، والأهم هو ألا تقودنا هذه الاختلافات إلى صراع وتطاحن فيما بيننا؛ لهذا فقد تميزت تلك النخب الفكرية في طرحهم لآرائهم، وتقبل بعضهم بعضا؛ حيث إن المثقفين والمثقفات بمختلف تنوعهم الطائفي وتوجهاتهم الفكرية المتنوعة إذا اجتمعوا حول طاولة الحوار تضمر التشنجات والخلافات، ويصبح همهم الأكبر وحدة الوطن والمحافظة على أمنه واستقراره.

وختاما، لا بد من الإشادة بهذه اللقاءات الفكرية التي تسهم في إثراء الحركة الثقافية في المملكة، ونتمنى أن يستمر عقد مثل هذه اللقاءات في الأيام القادمة.



 


 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد