Al Jazirah NewsPaper Saturday  17/07/2010 G Issue 13806
السبت 05 شعبان 1431   العدد  13806
 
المأزق الأمريكي
مي عبد العزيز عبد الله السديري

 

ظاهرة السيطرة على الشعوب هي تسلط قوة غاشمة على شعب ضعيف حيث تسلبه حقوقه المدنية والإنسانية وتنهب ثرواته تحقيقاً لمصالح خاصة على حساب الآخرين، ولكن ذلك الظلم لا يمكن أن يستمر إلى الأبد إذ إن تلك السيطرة تنتهي ويرحل صاحبها وهذا ما أثبته التاريخ، دورة الزمن تتكرر ومهما كان حجم تلك السيطرة فإنها مهزومة أمام الشعوب التي تتمسك بانتمائها الوطني وولائها لأمتها ودينها، وهناك أمثلة كثيرة بدءاً من عصر اليونان والرومان والتتر والصليبيين وصولاً إلى فيتنام وجنوب إفريقيا، علماً أن الولايات المتحدة نفسها كانت مستعمرة بريطانية وتحررت بالمقاومة التي خاضها جورج واشنطن ضد الإمبراطورية البريطانية، وهنا نحن اليوم نجد أن من خضع لنير السيطرة الأجنبية وذاق مرارتها يتحول إلى قوة مسيطرة فيسوم شعوباً أخرى سوء العذاب ويستعمل كافة أنواع الأسلحة الفتاكة ضد تلك الشعوب.

قامت أمريكا بغزو أفغانستان ومن ثم احتلت العراق وهي في مأزق الآن، وقد أمضت تسع سنوات وهي تقاتل في أفغانستان دون جدوى وهي تعيش الظروف ذاتها في العراق، وهي تحاول أن تجد لنفسها مخرجاً يحفظ ماء الوجه لتنسحب من أفغانستان والعراق ولكن دون جدوى وأن وصولها إلى هدفها محفوف بكثير من المخاطر ولكنها في النهاية ستخرج كما خرجت من فيتنام.

لقد وضعت إستراتيجيتها في أفغانستان والعراق وعدلتها عدة مرات ولكنها تقف عاجزة أمام الشعبين الأفغاني والعراقي، وقد كان آخر فصل من فصول المسرح الأفغاني أن القيادتين السياسية العسكرية قد اختلفتا في الرأي وعندها لم تجد القيادة السياسية إلا أن تقيل قائد القوات الدولية التي تحارب في أفغانستان وهو الجنرال (ماكريستيل) بعد أن كتب مقالاً واحداً ينتقد فيه سياسة أوباما وفريقه، وهكذا أصبحت العلاقة بين العسكر من جهة والإدارة السياسية من جهة أخرى متوترة إلى أبعد الحدود، وقد تفاجأ (الديلي تلغراف) بإقالة (ماركيستيل).

أمريكا اليوم موجودة في مستنقعين، أفغانستان والعراق، وقد وصلت خسائرها البشرية في أفغانستان إلى 1000 قتيل وكذلك القوات البريطانية التي فقدت 600 جندي من جنودها، وبالطبع علاوة على خسائرها المادية الباهظة التي وصلت إلى مئات المليارات.

مشكلة أمريكا أنها تضع إستراتيجيتها دون أن تأخذ بعين الاعتبار موقع ذلك البلد الجغرافي ومؤثرات ذلك على الدول المحيطة بذلك البلد، لا تحسب حساباً لتفكير وحضارة ذلك البلد أو لعاداته وتقاليده، دخلت أفغانستان ولم تنظر إلى مصلحة الهند أو الباكستان أو إيران أو الصين أو إلى نظام القبيلة السائد في أفغانستان، لم تحاول أن تفهم تاريخ أفغانستان أو أن تأخذ درساً من روسيا.

قال (منفريد ستانلي) عصر الحداثة اعتلال روحي وقد رافق عصر هذا التحديث عولمة العالم حتى أصبحنا مغتربين عن ذواتنا وطبعاً معنا العالم بأجمعه.

الشعب الأفغاني شعب متدين ولم تأخذ أمريكا ذلك بعين الاعتبار عند وضع إستراتيجيتها واعتقدت أنها تستطيع أن تنظم الألفية الثالثة بشكل أكثر عمقاً في السياسة والاقتصاد، ولكنها أغفلت الحالة الروحية التي تعتبر ركناً أساسياً في حياة البشر، فقدت التسامي على الأمور المادية وبذلك فقدت البعد الديني وقد نصبت القوة المادية سيدة فوق كل شيء واعتقدت أنها كفيلة بحل المشاكل كلها وهذا خطأ كبير، وهذه الحالة لم تحدث في التاريخ... بدأت المعاني الرمزية والقيم بالاندثار وهذه الحالة ليست حداثة، لأن الحداثة لا يمكن أن تكون بالانهيار الخلقي والروحي، وهذا ما أوجدته الحداثة التي تؤمن بها أمريكا قوة ومادة فقط، من المسلم به أن الذي يسيطر على الأحاسيس والقيم والسلوك الإنساني هي الأديان، ولكن الغرب بهوسه بالمادة جعل العالم شيكاً على بياض دون أن يعرف موقع الجغرافيا أو قيم ومفاهيم تلك الجغرافيا، هناك مشاكل في العالم لا يمكن حلها بالأمور المادية أو القوة المفرطة، عندما غزت أمريكا أفغانستان أغفلت مصالح الدول المجاورة وأغفلت عقلية ونظام العشيرة، هل فكرت أمريكا بهذا؟ طبعاً لا.. ولو فعلت لسارت الأمور بشكل أفضل.

الإستراتيجية هي فهم التاريخ والجغرافيا والفكر لذلك البلد، أمريكا لم تفعل ذلك، لم تدرس أخطاء روسيا في أفغانستان، الخطأ نفسه جعل سوريا وتركيا وإيران تتقارب لدرجة التحالف الإستراتيجي، قال الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم (تعلموا لغة القوم) أي أفهموا فكر ذلك القوم لأن اللغة وسيلة لفهم الآخرين، حتى الآن لم تفهم أمريكا دول الشرق الأوسط، لم يحارب المسلمون بمفهوم اقتصادي كما تفعل أمريكا، حارب المسلمون بمفهوم روحي نظيف، لم تفهم أمريكا أن البدوي لا يترك عشيرته ولا زعيمه وأن رئيس القبيلة هو رئيس ذو قيمة واعتبار وخاصة لدى الدول ذات الحضارات، ذهبت إلى أفغانستان وشطبت دور رؤساء القبائل، فكيف لها أن تنجح؟ لقد بقيت المرأة الأمريكية دون حقوق حتى 1918م، فأين هم من حقوق المرأة في الإسلام التي حصلت عليها قبل 1400 سنة؟ المضحك أن قانون الانتخاب حتى ذلك العام ينص على أن المجانين والأجانب والنساء لا يجوز لهم الانتخاب .. يبدو أن أمريكا لا تزال تتصرف بذلك المفهوم القاصر، إنها لا تعطي اعتباراً لمقامات البشر ولذلك وصلت إلى هذا المأزق، إنها في مأزق كبير لأنها لم تحاول فهم جغرافية وفكر دول الشرق الأوسط القديمة.

أمريكا حتى إنها لم تفهم جيرانها في أمريكا اللاتينية، كل ما يهمها أن يكون هناك بقرة يرعاها لها الآخرون وتأخذ هي الحليب دون أن تعطي أحداً شيئاً، تأتي بمصطلحات لا تخدم الشعوب وخاصة الشعوب ذات الحضارات العريقة، تريد أن تطبع العالم بطابعها، فتجعل كل امرأة تأخذ (هيلاري كلينتون مثالاً لها وحلماً لها) الثقافات تختلف، ثقافتنا مثلاً تعلمنا أن تكون خديجة بنت خويلد حلماً نصل إلى تحقيقه، المسلمون يريدون أن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم مثلهم الأعلى ومعه أبوبكر الصديق رضي الله عنه، المسيحيون يريدون أن تكون مريم العذراء حلماً لنسائهم، هناك في العالم من يريد أن يكون (مانديلا) مثله الأعلى، الحواريون يضعون المسيح مثلهم الأعلى، هناك من النساء من يأخذن آسيا زوجة فرعون مثلهن الأعلى، الحلم الأمريكي الوحيد الذي علمتنا إياه أمريكا هو استقطاب العقول والعلماء، وما عدا ذلك لا يهمنا لا من قريب ولا من بعيد، الإستراتيجية هي توقع الحدث، وقد سار على هذا النهج البريطانيون الذين فهموا فكر الشعوب الأخرى لدرجة أنهم لبسوا لباسنا وأخذوا عاداتنا في الطعام وفي كل شيء.

نقاط الخلل في إستراتيجية أمريكا كثيرة، ماذا فعلت؟ قامت بالحرب وجلبت معها جيوش العالم، ورغم وجود 150 ألف جندي نجد أن الشعب الأفغاني يحقق انتصارات يومية، ومن أهم المشاكل التي تواجهها أن قواتها والقوات الحليفة لا تستطيع أن تميز بين أفراد طالبان وبين الشعب، وهذا عامل رئيسي يساهم في عجز القوات الأمريكية عن تحقيق الانتصارات، أضف إلى ذلك أن الدول المحيطة بأفغانستان أصبحت عاجزة عن مد يد العون لأمريكا أو أنها لسبب ما تمتنع عن تقديم ذلك العون، وبالطبع تورط أمريكا في العراق يضاعف من فرص هزيمتها، فهي تخوض حربين في آن واحد، فشلت القوة العسكرية وفشلت الإدارة السياسية، لقد وضعت أمريكا في إستراتيجيتها تأمين عدد أكبر من الجنود ولكنها فشلت في تجنيد ذلك العدد ولم تكسب جانب زعماء القبائل، ولم يبق أمامها إلا أن تبحث عن مخرج سياسي، وهي تحاول جلب عناصر معتدلة من طالبان ولكنها لم توفق حتى الآن، وما زاد الأمور تعقيداً أنها لم توفر للشعب الأفغاني الحد الأدنى من العيش الكريم.

الآن الآمال معقودة على الجنرال (بترويوتس) الذي خلف الجنرال السابق (ماكرستيل) وهو سيواجه نفس العقبات التي واجهها سلفه وهو أن الشعب الأفغاني ليس لديه ولاء للدولة وأن ولاءه للقبيلة والمنطقة، إذ أن ابن البشتون يأتمر بأمر زعيمه، وابن الهزار يفعل مثله، وهكذا سيتصرف الآخرون، وفوق ذلك أن اليأس قد أخذ مأخذه في نفوس جنود الحلف وخاصة بعد ارتفاع عدد القتلى بشكل ملحوظ، إذ إن عددهم قد وصل في الشهر الماضي إلى 100 قتيل، ولا ننسى أن 80% من الشعب الأفغاني يعاني من الجوع وأنه يعيش مجاعة كارثية تطال ما يقرب من خمسة ملايين نسمة، فكيف يطلب الولاء من هؤلاء الجياع؟!

إن أمريكا وحلفاءها في مأزق وليس أمامهم إلا أن يحاولوا زيادة حجم المساعدات لمكافحة المجاعة وزيادة حجم الجيش الأفغاني ودعم فكرة الحوار مع طالبان، ومحاولة كسب زعماء القبائل، والأهم من ذلك أن السعي الحثيث لحل مشاكل المنطقة وخاصة في العالم الإسلامي وعلى رأسها قضية الصراع العربي الإسرائيلي الذي يعتبر العنصر الأسياسي في مشاكل المنطقة، علماً أن أمريكا لديها مشاكلها الداخلية خاصة بعد الأزمة المالية العالمية التي تركت آثاراً بعيدة إذ إن هناك اقتصاد ثلاثين ولاية قد ضرب في العمق وعدد كبير منها ينوي إعلان الإفلاس، تلك الآثار تركت الكثير من الدول في وضع مالي صعب، ومن جملتها أمريكا، فالبطالة وصلت إلى 10% وقد أعلنت مئات البنوك إفلاسها وجاءها موضوع التسرب النفطي الذي يعصف باقتصاد خمس ولايات، ومن جملتها ولاية كاليفورنيا التي تعتبر سلة خبز أمريكا، وقد انحدرت شعبية الرئيس (أوباما) إلى مستوى غير مسبوق وهي تواجه الآن ما واجهه الاتحاد السوفياتي عندما كان في أفغانستان.

وبناء على هذه المعطيات، القضية الأفغانية، العراقية، الفلسطينية، الإيرانية، فإننا نقول إن المنطقة تعيش على حافة بركان قابل للانفجار في كل لحظة إذا لم تتدارك الإدارة الأمريكية الأمر وتحل مشاكل المنطقة كلها بالطرق السلمية وعلى رأسها القضية الفلسطينية خاصة وأن وضعها المالي قد وصل إلى حافة الحرج وأن حربها قد كلفتها ولا تزال تكلفها مئات المليارات.



 


 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد