Al Jazirah NewsPaper Saturday  17/07/2010 G Issue 13806
السبت 05 شعبان 1431   العدد  13806
 
الأطياف المذهبية بين المبادرة والمسؤولية
د. محمد عبدالله الشويعر

 

التنوع المذهبي ليست قضية طارئة أو حادثة حدثت في عصرنا الحالي، بل هي حالة توارثتها الأمة من العصور الأولى للإسلام، والاختلاف بين المذاهب حالة طبيعية، ويجب ألا يصل هذا الاختلاف إلى حد إقصاء الآخر، بل يتم الاعتراف بذلك الاختلاف حتى ولو لم يتم القبول به، وهذا التنوع المذهبي لم يكن عائقاً أمام قيام نظام سياسي موحد تحت لواء دولة وسلطة واحدة ألا وهي المملكة العربية السعودية وهي الدولة التي ورثت تطبيق الشريعة الإسلامية.

وبرغم من الأحداث التي مر به العالم والمنطقة من حولنا إلا أنه لم يتم تحريك ملف المذهبية في بلادنا، وذلك لوجود نظام حكم إسلامي قائم على مبدأ منظومة الحقوق والواجبات، وهي المعادلة التي تحكم العلاقة بين المجتمع والدولة في بلادنا.

والمتتبع للساحة الفكرية في بلادنا وما تشهده من متغيرات إيجابية يلحظ التغيرات التي حدثت بين رموز الأطياف المذهبية، وأقصد هنا الزيارات التي قام بها بعض رموز تلك المذاهب لزيارة بعضهم بعضا حيث أسهمت تلك الزيارات في بناء النسيج الوطني وإذابة بعض التشنجات بين الأطياف المذهبية.

هذه الزيارات وما سبقها من لقاءات حوارية وفكرية وثقافية بين مختلف الأطياف الفكرية لتؤكد لنا أن المذهبية والتنوع الفكري ممكن أن يصاغ ويوظف بشكل بناءً ليصبح دعامة للعمل على تجسيد اللحمة الوطنية، وعلى التقدم والازدهار.

وما نحن بصدده في هذا المقال هو ترسيخ فكرة التوافق الفكري والثقافي بين الأطياف المذهبية المتنوعة في المملكة وذلك من خلال تبادل الزيارات، وتبني هذه الفكرة من قبل الرموز الفكرية المؤثرة لأتباع تلك المذاهب.

والمملكة بمساحتها الشاسعة تحتضن على أرضها مذاهب عدة، وجميع أبناء تلك المذاهب مواطنون صالحون وهم جميعاً مسلمون يعيشون على أرض هذه البلاد المباركة بكل محبة ووئام فيما بينهم، حقوقهم متساوية، والفرص بينهم متكافئة.

وقد يتساءل بعضهم لماذا التركيز على مثل هذه الزيارات واللقاءات بين رموز تلك المذاهب؟ وكأنه يغيب عن البال أنه في حالة توقف هذه اللقاءات والزيارات سوف يتم استغلال هذا الملف ضدنا، ونحن ما زلنا بحاجة إلى مزيد من هذا التوافق والتعايش، وخاصة في مثل هذه الأيام التي كثر فيها الإرهاب، والحروب، والتفجيرات، كما يجب ترسيخ وتعميق أواصر المحبة والصداقة ومد جسور التواصل بين أبنا الوطن الواحد من خلال الزيارات المتبادلة بين رموز الأطياف المذهبية المؤثرة، وأن تكون هدف الزيارات مفيداً ومؤثراً لجميع الأطراف على المستوى الوطني وبناء الوحدة الوطنية، ولا يكون الهدف منها كسب مكاسب على المستوى الشخصي لأولئك الرموز فقط.

وما قام به بعض المشايخ من زيارات متنوعة إلى بعض الرموز الفكرية في الإحساء والقطيف في الفترة الماضية، والعكس حدث أيضاً، إنما يُعد من الانفتاح الفكري والثقافي بين المذاهب المتعددة، حيث لاقت تلك الزيارات صدى واسعاً من بعض فئات المجتمع، فهناك من عدها خطأً كبيراً، وهناك من عدها إسهاما في دعم عملية الوحدة الوطنية ومصلحة الوطن، من وجهة نظري أنه لابد من الانفتاح على بعضنا بعضا، وتقريب وجهات النظر المختلف عليها، والالتقاء عند نقاط الاتفاق، أما الاختلافات الفكرية فيجب تضييق حجم هوة الاختلاف في تلك القضايا، وجعلها قضايا ثانوية حتى لا تؤثر علينا في ترسيخ وحدتنا الوطنية، وفي عملية البناء والإصلاح والازدهار.

أما الجانب العقدي فهو قضيه ذاتية مبنية على القناعات الإيمانية ولكل ما يعتقده ولكن ذلك لا يمنع المختلفين من التعايش السلمي بينهم، وإذا التعايش مشروع بين المسلم وغير المسلم فكيف بالمسلم المختلف مذهبياً.

ويجب تفعيل مثل تلك الزيارات وتشجيعها، وخاصة ما بين أولئك الرموز الفكرية المؤثرة، ليتمكنوا من المشاركة في بناء النسيج الوطني، والمشاركة في التأثير على الأتباع في حب الوطن والإخلاص والولاء له، لنصبح أبناء وطن واحد هدفهم المشاركة في بناء هذا الوطن والمحافظة عليه من كل عابث ومعتد.



 


 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد