Al Jazirah NewsPaper Thursday  26/08/2010 G Issue 13846
الخميس 16 رمضان 1431   العدد  13846
 
ثروات المسنين تلد غدنا!!!
سحر زين الدين عبد المجيد

 

ألفنا مشهد المسن بصورتين متناقضتين؛ إما اهتمام فائق لدرجة يفقد حركته ونشاطه ويصبح كل شيء موفر له، إن رزقه الله بذرية تتقيه عزَّ وجلَّ، والأخرى صورة مناقضة وهي دار المسنين أو تهميش بإحدى أركان المنزل....

مسن يعتاد اهتمام الصغير قبل الكبير ففلذاتنا يقلدون سلوكنا اليومي ومسن يعتاد التهميش وينزف قلبه لما حصد تغييباً لدوره بعد أن زرع سنين طوال.

يصبح المسن الذي يعود تقريبا لمرحلة الطفولة، وأحدد هنا من رزقه الله بصحة جيدة لا بأس به من بقي مختصاً بالنشاط ويحتاج للمزيد من الاهتمام والتقدير، وليس لنقول (طافت عليه) ومضت به السنين. ولكن ما لا نلمسه بحياتنا اليومية مع الأب أو الجد، الأم أو الجدة، أن تقصيرنا ولهوة الحياة بنا عنهم توصلنا لأن نقطع برامج حياتنا اليومية أكثر من مرة لحالات تدهور صحي مفاجئة لمستها، والله بأم عيني وسمعتها، وبالكاد عشتموها وتعتصرني ألماً حين تمتلئ جعبة الجدول اليومي لهم بزيارات أطباء وسلة جديدة من الأدوية، وكل طبيب ومهارته بوضع التوازن بين تلك الأدوية، ولكن بيت القصيد هنا أن ثلاثة أرباع تلك الأمراض هي من حالاتهم النفسية، إحباطهم وتهميشهم فيصبحون بعد أن بنوا لنا مستقبلاً لا يملكون سوى النظر إلى حالنا نلهو عنهم بإضاعة تلك الوحدات البنائية المعتقة بعرقهم وجهودهم دون شعور منا يجزمون ويرفضون وينفرون ونقول بالتعبير (خرفوا) وأصبحوا يلهون ويخرفون ويصولون ويجولون ونقول عزاء لتقصيرنا عادوا كالأطفال.

أين نحن من حلم مضوا ليل نهار لتحقيقه لنا؟؟ أين نحن من تحقيق ما يريدون؟ هل يكفي المال والخدم والممرضات لهم؟!

لا نعرف الإصغاء إلا ما ندر، والغريب حين نناقض أنفسنا بمجرد الجلوس بين عتق ستائرهم وحديثهم مستسلمين هادئين على الأريكة لنلعق من جمال قصصهم ورحلاتهم الحياتية حين نتفضل عليهم بقطرات من وقتنا: لماذا لا نجعلهم قادة لعملنا لحياتنا وننتقد نقدهم كونه ردة فعل لتهميشهم، كل ما نملك من إرادة وحزم وقوة أن نهمشهم؛ لأنهم لم يغدوا على الموضة والبرسيتيج والبروتوكول المطلوب وغدت خبرتهم قديمة..

والتناقض هنا حين نلعق حلاوة خبرتهم، كما ذكرت، وحكمهم على الأمور نهمشهم أو نسمع الكلام ليمضي بسرعة البرق من أذننا المقابلة للتي سمعت.. مبك حالنا على حالنا: كيف سنعترض حين يغدو حالنا مثلهم؟؟..

لماذا كلما نهضوا وذهبوا وجاِءوا تجذبنا خبرتهم؛ فالجملة من أفواههم عمرها قرون ونحن نمضي أعواما لنجني إحدى حكمهم.. حتى بصمْتِهِم حكمة، بنظرتهم الثاقبة حكمة، وبريق صبرهم هيكل توجيه وخبرات لنا فمهما غدونا تبقى بالمهد إنجازاتنا.

وحقيقة، ما جعلني أفيق ببعض من رتوش الآه بين خلجات صدري حين كنت برحلتي إلى ضاحية ليماسول بقبرص كان الكادر الوظيفي القائم على الفندق كله من النساء والرجال المسنين، وكان توجيههم لنا كسيَّاح خلف امتصاصهم لكل عميل وخبرتهم هو ما يزين راحتنا بالإقامة بذلك الفندق، وحين نذهب للمطعم نجد المسنين من يديرون وينظفون ويطبخون ويشرفون، والله رأيتهم بأم عيني كان عدد الشباب أقل منهم حتى أن بعض المسنات والمسنين كانوا يلبسون الزي التراثي القبرصي المحتشم لإحياء أمسية برقص هادئ لمدة ساعتين متواصلتين، ومن هم مسنون بأحضاننا قد يحرمون السير على خطاهم للمسجد لأنهم مؤمنون وآمنا معهم بأنهم غدوا مسنين.

وكذلك بأية دولة أخرى، ولكن هنا بالمملكة أحدد وأعمم بالوسط العربي المسن (يصدر قرار رسمي لتقاعده) وكأنه يودع حياة الكفاح والشباب مجبراً تحت حكم مؤبد إلا من لحقوا ونجوا من هول التقاعد والسجن المؤبد بعمل مصلحة مشاريع خاصة بهم وهم قلة.

الأم أو الجدة تجلس لتدق الدف على فصول يومية تكللها بعض جروح ابنتها وزوجات أولادها، وكذلك الأب يجلس ضحية ليكون بنكا أو بئرا يغترف منه بحياته قبل مماته، وهو حي، سبحان الله، أو أب ينظر كيف يدير أبناؤه العمل بشكل من وجهة نظره هدم لهياكلهم، ويلعق حبة الدواء صمتا لينسى ويهرب لبعض سبات ونوم، ويستسلم أو تصبح علاقته الاجتماعية بغضاً لحاله (واااألماه!!).

كثيراً ما نلومهم على سوئهم وطريقة توجيههم، ولا يغفر لهم رحلة العطاء بلا نهاية، ولا يغفر لهم ليال طوال تئن حين نقول الآه ونمرض أو حينما يصفعنا ابن الجيران كانوا يقيمون الدنيا ويقعدونها.. واليوم نلومهم لعدم لباقتهم وبساطتهم بالتوجيه.

قد يظن البعض أنه بدول الكفر والغرب يعمل المسن أو المسنة ليأكل لقمة عيشه محتاجا كونهم لا ينوون مثلا إرثا كبيراً بل يعملون لعيش قوة يومهم باستثناء بعضهم... ولكن بدولتنا الإسلامية هنالك مجال لاستثمار تلك الخبرات لو جلس وجال ذلك المسن أو تلك المسنة بهيكل عمل مرتين بالأسبوع على الأقل والأخذ برأيه تنعكس الفائدة على الطرفين: الأبناء تثمر بركة عملهم ودعاء كبارهم من آباء وأجداد أو موظفين، وكذلك يهرب ذلك المسن بعيداً عن روتين الملل لجدول يتناسب مع قدراته وخبراته ومداد عطائه المعتاد وبذات الوقت نحقق هروب المسن من جدول بديل من الإحباط والألم والاستسلام لكل مرض بل وتخيلات بأن كل شيء يؤلمهم وبأن ساعتهم قادمة ورحلتهم من الحياة شارفت على الانتهاء.. سبحان الله، وكأن شيئاً لم يكن..

ولكن، هنالك قصص مغامرات.. فقد حضرت بالغرفة التجارية بعض قصص النجاح لمن نجاهم الله من فخ الاستسلام والمرض والتهميش أو دور المسنين؛ ذلك الفخ المؤبد لمن اختصر الطريق لأواخر تلك الأيام وقد أثلجت صدورنا، وكانت نماذج تعزيز نفسية لشبابنا ولجيل يحلم بعالم من الإبداع فكل محطة نجاح تنقلنا لمحطة نجاح أعظم.

ما المانع لو كان هنالك توظيف لقدراتهم وتوجيههم على أرض العمل والواقع؟ ما المانع لو عشنا حاجاتهم لنلبيها تماماً كما نتقمص شخصية أطفالنا لنلبي حاجاتهم؟؟

فهم الماضي، ولسان حالنا اليوم، وهم بطن يلد غدنا مستقبل عطاء مثمرا معززا بكل دعم لنا لنكون بحول الله ذلك الغد.

لنتقمص شخصيتهم اليوم لأننا سنعيشهم غداً، سنكون هم، سنغدوا مسنين!!! وجميل أن تمتد آفاق

مخيلتنا لشكل دار المسنين ذاك محطتنا الأخيرة.

كاتبة وإعلامية سعودية




saharconbuild@hotmail.com

 


 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد