في الصغر، كان العم «مشقاص» وهو الفنان القدير حسن دردير، يشبع ثقافتنا الطفولية في مساءات رمضان بروزنامة من الفوازير الرمضانية الجميلة التي لا تزال حاضرة في أذهان الكثيرين من أبناء وبنات جيلي إلى هذا اليوم بكلماتها البليغة وألحانها العذبة، وما زلت أتذكر كيف نتشارك سوية إخوة أو أصدقاء أو أبناء جيران في حل الفوازير و»الحزازير» وإذا «لم نحزر» فنستعين بالكبار بحثاً عن الإجابات، ثم ندوّنها بشكل مرتب مكلفين آباءنا بإرسالها نيابة عنا عبر البريد العادي، ونبقى في انتظار إعلان الحلول الصحيحة خلال بضعة أشهر، وبضعة أشهر أخرى نقضيها في انتظار إعلان النتائج.
أما اليوم وبعيداً عن الإسفاف والابتذال الذي تمارسه بعض القنوات الفضائية في تقديم مسابقاتها، مع احترامنا الشديد للقلة المتبقية من المسابقات التي لا تزال تحترم عقلية وثقافة المشاهد العربي، فإن ثمة سؤال واحد ومحدد يدور في خلدي كلما تابعت إحدى تلك المسابقات الفورية التي تطرح عليك السؤال وتنتظر منك الجواب وتمنحك الجائزة في ظرف دقيقة واحدة! والسؤال هو: من هو المستفيد الأخير من هذا السيل الجارف من المسابقات الرمضانية حسنها وقبيحها؟ مع كل ما تقدِّمه من إغراءات، فمن السيارات الفارهة التي توزع كل مساء! إلى ساعات الألماس تسافر إلى البلدان كل سحر! إلى تذاكر الطيران تأخذك إلى كل عواصم العالم! ناهيك عن مبالغ الأصفار على اليمين والتي يسيل لها لعاب المشاهدين.
كنت وما زلت أضع أمامي خيارات الإجابة على السؤال بكل بساطة وبعيداً عن أي تعقيد، لكنني أفشل مرة بعد مرة في اختيار الصحيح منها، فهل الممولون لتلك المسابقات هم رجال الأعمال وأصحاب المال؟ لا أعتقد ذلك، لأن الكثيرين منهم إنما عرفناهم بجشعهم وطمعهم، ومنهم من لو طلبت منه التبرع لمشروع خيري أو المساهمة في عمل اجتماعي فسوف يحك رأسه ألف مرة قبل أن يتخذ قراره ويحزم أمره بالاستجابة، ومثل أولئك سوف لن «يبعزقوا» أرصدتهم على سواد عيني وعينيك يا «حبة عيني» أيها المشاهد المسكين.
أما لو افترضنا أن شركات الاتصالات هي الممولة لتلك المسابقات، كونها الوسيط الذي يربط المشاهد بأستيديو المسابقة مباشرة، فإنني مرة أخرى لا أميل لذلك الخيار، فتلكم الشركات بالكاد تقدم لنا الخدمة «بطلوع الروح» في رمضان وغيره، ولا تقصر في «مص» جيوبنا كل شهر بمقابل وفي أحيان كثيرة بلا مقابل، فهل يا ترى يحن قلب تلكم الشركات فتتبرع بالجوائز في رمضان كي تكفر عن سيئاتها بقية شهور العام؟
إنني أبحث حقاً عن المستفيد من «رشنا» بالهدايا كل مساء، ومن يجلب الوسيمين والحسناوات لإغراء الرجال والنساء على حد سواء حتى يرفعوا سماعة الحظ، وعين على الجائزة وعين أخرى على جسد المذيعة أو وسامة المذيع! لا أخفيكم أنني كنت أظنها تمثيلية هزلية تبث لسد فراغ برامجي، أو طريقة متقنة لاقتناص الشريحة الأعرض من المشاهدين.
هذا ولم يزل كاتب السطور يطرح الأسئلة تلو الأسئلة، إلى أن نصحني أحد أصدقائي مؤخراً بألا أكثر من طرح أسئلتي، ومعللاً ذلك بأن دوري كمشاهد إنما ينحصر في «الإجابة» عن الأسئلة فقط، وليس من حقي أن أطرحها!
محاضر بجامعة جازان
Aymin2008@hotmail.com