Friday  15/10/2010 Issue 13896

الجمعة 07 ذو القعدة 1431  العدد  13896

ارسل ملاحظاتك حول موقعنا
   
     

الأخيرة

متابعة

دوليات

الرياضية

الأقتصادية

محليات

الأولى

الرئيسية

 
 
 
 

أفاق اسلامية

           

عمق العلم الشرعي واتساعه:

لعله يلحظ مما سبق، أن العلم الشرعي له عمق رأسي واتساع أفقي، نظراً إلى أنه يتعلق بكل شعب الحياة، ومجالاتها، العقدية والفكرية، والثقافية والاجتماعية والمالية، والسياسية والإدارية والقانونية وغيرها، مما ينظم حياة الفرد والمجتمع والدولة سواء وجدت النصوص المباشرة والمفصلة أو ما يستنبط منها وما تدل عليه القواعد العامة ونحن نقول ذلك لأننا على ثقة، أن ديننا الإسلامي قد جاء بالمصالح كلها (ضروريّها، وحاجيّها، وتحسينها) بالإضافة إلى درء المفاسد كلها كبيرها وصغيرها مما يضر بمصلحة الدين والدنيا.

وصدق الله إذ يقول: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} (9) سورة الإسراء، يمكن مراجعة كلام الشنقيطي حول هذه الآية.

وإذا كان كذلك فإن العلم الشرعي وهو مادة الدين وتشريعاته، موصوف بالصفة نفسها لأنه ميدان النظر والفكر والاجتهاد.

* أصول العلم الشرعي:

إذا كان العلم الشرعي بتلك المثابة من الاتساع والشمولية، فلا بد أن يكون له أصول يقوم عليها ومصادر ينطلق منها.

قال ابن عبدالبر «وأما أصول العلم فالكتاب والسنّة وتنقسم السنة إلى قسمين: أحدهما إجماع تنقله الكافة عن الكافة (يعني المتواتر)... والضرب الثاني من السنة خبر الآحاد الثقات الإثبات المتصل الإسناد فهذه يوجب العمل عند جماعة علماء الأمة» جامع بيان العلم 2-33 .

* تقسيمات العلم الشرعي:

وفي ضوء ذلك العرض يبدو لنا أن العلم الشرعي قطبه الكتاب والسنة، وفروعه منتشرة وممتدة بلا نهاية أو هو أعم من الكتاب والسنة وفقاً لتعبير ملا علي قاري في المرقاة 1-263 .

وعلى هذا يمكننا تقسيم العلم الشرعي من حيث ارتباطه بالوحي إلى قسمين.

القسم الأول: ماقرره الوحي أو دل عليه بدلالة ظاهرة، وهو أكثر مفردات العلوم الشرعية ومحتوياتها .

القسم الثاني: ما يستفاد من الوحي، عبر طرق الاستنباط الشرعية، مثل: القياس والاستصحاب، والمصلحة المرسلة، والاستحسان، والعرف، وسد الذرائع بغض النظر عن متلعق الحكم ومجاله، من أمور العبادات والمعاملات الفردية والجماعية، بل وقضايا الفكر والثقافة، والمعرفة، والأدب والتاريخ وغيرها، سواء سمي ذلك فقها أو سياسية، أو اجتماعاً، أو طباً أو فلكا، أو غير ذلك.

أو بعبارة أخرى: كل ما له حكم شرعي فهو علم شرعي سواء سمي ديناً أو دنيا، وسواء دخل في صميم مصطلح العلم الشرعي المتعارف عليه أو لم يدخل.

* العلم المنطوق والعلم المسكوت عنه:

ذكر أبو الوفاء ابن عقيل أن السياسة الشرعية هي ما كان فعلاً يكون معه الناس أقرب إلى الصلاح، وأبعد عن الفساد وإن لم يضعه الرسول ولا نزل به وحي.

وجاء ابن القيم الجوزية، فأكد هذا الرأي وبينه بياناً شافياً (ينظر الطرق الحكمية ص 15).

وبإمكاننا أن نستعير عبارة أبي الوفاء ابن عقيل في مجال حديثنا فنقول: العلم الشرعي هو ما نطق به الوحي، أو سكت عنه مما لا يتعارض مع المنطوق.

وعلى هذا فالعلم الشرعي نوعان:

أحدهما: منطوق وهو ما نطق به الشرع، الثاني: المسكوت عنه، وهو ما لا يخالف الشرع.

فكل ما لا يتعارض مع الشريعة فهو منها إلا أن النوع الأول هو علم شرعي حقيقي أما النوع الثاني فهو علم شرعي مجازي، ويمكن أن يندرج في النوع الثاني جملة العلوم والفنون والمعارف التي لا تدخل ضمن مصطلح (العلوم الشرعية) كالعلوم الاجتماعية والسياسية والإدارية، والطبيعية وغيرها مما لا يصادم نصاً أو مبدأ شرعياً وكان في ذلك فائدة ونفع للأمة.

ولهذا مؤيدات ومعززات، يأتي في مقدمتها:

1) أن كثيراً من العلماء كالغزالي وابن تيمية يرون أن أصول الصناعات كالفلاحة والنساجة والبناية وكذلك مثل الطب والهندسة من فروض الكفايات، مما يدل على شرعية مثل هذه العلوم والصناعات.

2) قاعدة ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب والتي تنسحب على كل ما يحتاجه المجتمع من تخصصات نافعة، أما ما لا نفع فيه ولا فائدة فقد شرعت الاستعاذة منه ففي الحديث (اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع) أخرجه مسلم رقم 2721 .

والمنفعة هنا بحسب السبر والتقسيم لا تخلو من ثلاث حالات أو مقامات.

الأول: منفعة الدنيا والآخرة، أو الدين والدنيا. الثاني: منفعة الدين أو الآخرة فقط. الثالث: منفعة الدنيا فقط.

وأفضلها أولها، لأنه يجمع مصالح الدين والدنيا ثم الثاني: لأنه يحقق مصلحة الدين وسعادة الآخرة أما الثالث فإن مصلحته عاجلة لكنه إذا قصد به مصلحة شرعية كنفع الأمة فإنه يكون نافعاً لصاحبه وللأمة وإن قصد به الدنيا فقط فلا يخلو إما أن يصد عن علم الدين أو يلهى عنه، فهذا ضار بصاحبه، وإلا فيبقى على الإباحة الأصلية.

* موجز العلاقة بين العلم الشرعي والعلوم الأخرى:

لعله بدا لنا - وبوضوح - من خلال العرض السابق أن العلم حسن لذاته وهو تاج على رأس أهله، بل هو كما قال الحكيم:

العلم ينهض بالخسيس إلى العلا

والجهل يقعد بالفتى المنسوب

أو كما قال الآخر:

وقدر كل امرئ ما كان يحسنه

والجاهلون لأهل العلم أعداء

وإذا كان الإسلام يحث على كل علم نافع سواء أكان علماً شرعياً أم كان غيره من العلوم، فإن المنفعة هنا تكون هي القاسم المشترك بين العلوم.

والحقيقة أن من يتأمل روح التشريع الإسلامي يبدو له أن العلم لا يكون مذموماً إلا في حالتين.

1) إذا كان فيه ضرر في ذاته كعلم السحر، والإلحاد والزندقة والبغاء ونحو ذلك.

2) طلب العلم الشرعي لمقاصد غير شرعية كالرياء والتعالم والمراء، أو عدم العمل به.

وختاماً نقول: إن من الخطأ افتعال الخصوصة بين العلم الشرعي وغيره من العلوم بدون حجة ظاهرة إلا مجرد اختلاف المصطلحات.. والله الموفق.

* جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية

 

العلم الشرعي دلالات وتقسيمات 2/2
أ. د. عبدالله بن إبراهيم الطريقي*

أرشيف الكاتب

كتاب وأقلام

 

حفظ  

 
 
 
للاتصال بنا الأرشيف جوال الجزيرة الإشتراكات الإعلانات مؤسسة الجزيرة