Sunday  09/01/2011/2011 Issue 13982

الأحد 05 صفر 1432  العدد  13982

  
   

الأخيرة

منوعات

دوليات

الرياضية

الأقتصادية

محليات

الأولى

الرئيسية

 
 
 
 

الرأي

      

«ساعدني، أعطني مما أعطاك الله، مريض ولا أقدر على العمل، تطل عليك من نافذة سيارتك يد مبتورة، وبعد الفزع الأول، تنظر إلى صاحبها لتجده يطلب منك مالاً يأكل به»، وغيرها الكثير من مظاهر التسول التي تصادفك.

يضيق الخناق على المتسولين في أماكنهم الاعتيادية، عند الإشارات، وأمام المساجد، والأسواق، والمحال الفخمة ليتم اصطياد «الزبون» الذي يتم اختياره وفق سيارته وملابسه، حتى يتم استدراجه ليدفع أكثر ما يمكن دفعه، في هذه الأثناء تعمل أجهزة مكافحة التسول لمجابهة هؤلاء المدّعين الذين يستغلّون الأطفال أحياناً، ويسلعون النساء كثيراً، من أجل ابتزاز البسطاء الذين يعطونهم مراعاة لمرضاة الله.

كلما زاد تضييق الخناق على منابع التسوُّل وعصاباته، ابتكر المتسولون طرقاً جديدة للسعي وراء الكسب الكثير من غير جهد من مشقّة أو تعب في عمل يتكسّبون منه، وأحدث الطرق ابتكاراً الآن أن يصل المتسول أو المتسولة إلى أماكن العمل حاملين الأوراق ذاتها التي كانوا يحملونها على أعتاب المساجد والأسواق وأسفل الإشارات، ورق يقول إن حامل هذه الأوراق يستحق أن تدفع له من عيونك قبل جيبك، وإن دقّقت النظر في الورقة التي تردك في مكان عملك تجدها صورة باهتة مليئة بكل الأمراض «عافانا الله وعافاكم» ومليئة أيضاً بكل المشكلات التي من الصّعب أن تجتمع في إنسان واحد، يرق قلبك فتدفع، هذا التسول الجديد الذي يصل إلى أماكن العمل، وقريباً إلى المنازل إن لم يتم محاربة هذا النوع من التسول ال«دليفري» الذي يأتيك في مكانك ليسهل عليك عملية الدفع وهنا مكمن الخطورة.

خطورة هذا النوع من التسول أنك آمن في مكان عملك، ربما تترك هاتفك النقال على مكتبك وحافظة نقودك في درج مكتبك المفتوح دائماً، لأنك جالس بين زملائك، وكاميرا مراقبة المكان فوق رأسك، أي من المفروض أنه من الصعب أن تتم جريمة سرقة، لكن المتسول المتسلل إلى مكان العمل يسهل عليه وقتها أن يأخذ كل أو بعض ما يقابله في طريقه وعلى المكاتب، من دون أن يتم الإمساك به، لأنه «متسول»، يحرك قلبك فقط، دون عقلك، والأخطر حين يتم التساهل مع هؤلاء المتسولين الذين يمهدون للوصول إلى المنازل بهذه الطرق المبتكرة، وهنا يمكنهم ارتكاب الكثير جداً من جرائم الخطف والاغتصاب والسرقة، فكل الجرائم تسهل وقتها، لأن الإحساس بالأمان يكون مرتفعاً أكثر في بيتك، وإذا صادفت متسولاً أو متسولة، ستعطيه من قبل أن يسألك، والأخطر حين لا يسألك.

طرق التسول المبتكرة كثيرة، فربما وأنت داخل سيارتك في إحدى إشارات المرور تجد من في السيارة المجاورة ذات الطراز الفخم وربما الأحدث يقول لك أعطني 50 ريالاً لأضع بنزيناً في سياراتي لأني على سفر وأنا هنا غريب، فلا تشك لحظة في صاحب هذا الكلام «النصّاب» لأن مظهره المخادع يحول بينك وبين فهم أسلوبه المبتكر في التسول.

في العالم العربي أغلب أماكن العمل لا تعمل على تطوير الإنسان الذي هو أهم جزء في الدائرة العملية التي تبدأ من «الإنسان» وتنتهي عنده، بينما المتسولون يفكرون ويفكرون وعصابات التسول تعمل ليل نهار على ابتكار الطرق الأحدث لنهب ما في جيوب الناس بغير تعب ولا محاولة بحث عن عمل.

تقف إلى جوارك في السوق امرأة لا ترى شيئاً من ملامحها، لتهمس إليك بالقرب من أذنك كأنها «زوجتك» أو أختك، لتخبرك أنها تريد ثمن عشاء يومها هي وأولادها العشرة، فلا تفكر وقتها بعقلك، ويدفعك إحساس مملوء بالشهامة والنبل، لتفتح حافظة نقودك وتخرج منها كل ما تقدر عليه، وتعطيه إياها وأنت سعيد، مؤمل أنك قمت بعمل إنسان من الطراز الأول، قمت بإطعام امرأة وأولادها وهي في أمسِّ الحاجة إليك، ويخبرك ضميرك وعقلك الذي يقفز أمام عينيك ليسألك من يدريك أنها صادقة، لتقول له «خليها على الله، هذا أفضل من أن تنحرف»، وسرعان ما تهرب من التفكير في الطرق المبتكرة للتسول، والمرأة التي لا يكاد يظهر أي من ملامحها ربما ترتكب جرائم كثيرة من خطف أطفال رضع وحديثي الولادة وكثير من الجرائم التي لا يمكن أن تثبت عليها لأن كاميرا المراقبة التي «إن كانت غير معطلة» تصورها، لن تفيدك في شيء، لأنه لا يظهر أي من ملامح يدل عليها.

يخطئ من يفكر أن هذا المقال إعلان حرب على الفقراء الذين {يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاء مِنَ التَّعَفُّفِ}، بل هي حرب صريحة ضد أولئك الذين يتخفون وراء المظهر البسيط، وهم في الحقيقة أبشع مما يمكن تصوّره. هذه بعض الطرق المبتكرة التي يستغلها المتسولون الجدد أصحاب الياقات البيضاء، والملابس الأنيقة، ليست حكراً على بلد دون آخر، بل هي كالعدوى تنتقل من بلد إلى آخر بسرعة ال»فيمتو ثانية»، لتراها في كل مكان تذهب إليه بدءاً من المطار في بلد الوصول، وحتى تعود إلى عملك ليأتي إليك «التسول الديلفري».

Aboelseba2@yahoo.com
 

تسوُّل «دليفري»
حسين أبو السباع

أرشيف الكاتب

كتاب وأقلام

 

طباعةحفظ 

 
 
 
للاتصال بناجريدتيالأرشيفالإشتراكاتالإعلاناتمؤسسة الجزيرة