Friday  21/01/2011/2011 Issue 13994

الجمعة 17 صفر 1432  العدد  13994

  
   

الأخيرة

متابعة

دوليات

الرياضية

الأقتصادية

محليات

الأولى

الرئيسية

 
 
 
 

وجهات نظر

      

قال أبوعبدالرحمن: من مبادئ العقل الرقابي الحصيف أن يكون الحجر الذي يقدر عليه بالنسبة لسواد العامة والأحداث ومن لم تستقر هويته، وأما من استقرت هويتهم فهم أهل علم وفكر بلا ريب، ومن حقهم أن يفسح لهم ما هو محذور بشرط ألا يهبوا ولا يبيعوا ولا يُعيروا، ويكون المسموح به نسخة واحدة من كل كتاب محظور؛ لأن من لم يعرف الأفكار والمبادئ الأخرى لن يستطيع تحري الصواب فيما هو عليه من خطإ، ولن يستطيع مواجهة الأفكار المعادية المصوغة بأسلوب تضليلي عنيد.. وما عُرف واشتهر واطَّلع عليه العلماء كالأغاني لأبي الفرج وديوان أبي نواس فلا يجوز إحراقه ولا منعه ما دام العلماء اطلعوا عليه وبيَّنوا عيوبه وأفادوا من إيجابياته.. وتتبع إتلافه محال، وعلى فرض القدرة على تصوُّره فهو لو أمكن ثَلْمٌ للتاريخ وخيانة له، وأما الكتب الكفرية كالفتوحات المكية لابن عربي الصوفي الحلولي الاتِّحادي فلا يجوز إحراقها لما أسلفته، ولكن يجب تقليص شيوعها وانتشارها إلا على مستوى مَن حقَّقوا هُوِيَّتهم عن أهلية وأمانة وورع، ولا ألوم أمين مهدي إن أشفق على كتاب (مستقبل الثقافة في مصر) للدكتور طه حسين من الحبس الطويل، ولكن المؤاخذة عليه أن يطالب بجعله في برامج التعليم، وهو من كتب التجزئة والالتحام بوثنيات حوض البحر الأبيض المتوسط؛ فهل يرضى لناشئة أمته أن تدرس أغاليط التجزئة.. وأما إلغاء طه حسين في برامج التعليم بإطلاق كذلك فهو جريمة كبرى في حقِّ الناشئة أنفسهم وليس في حق طه حسين وحده؛ لحرمانهم من الإيقاع الجمالي الثقافي الطحسني الذي تناول التراث الشعري بقراءة عصرية فَذَّة مُتعدِّدة؛ فإذا كان عند طه حسين ما يجب تحذير الناشئة منه فعنده ما يجب إشاعته وتعليمه؛ فكتابه عن المتنبي وكتابه حديث الأربعاء هما قمة الفهم الموفَّق لأدب التراث بإحساس جمالي متميز يجعل التفسير الأدبي والإحساس الجمالي يبدأ حيث انتهى طه حسين ومن بعده، ولا يكون عملاً اجترارياً.. انظروا تحليله لقول أبي الطيب:

وفاؤكما كالرسم أبكاه طاسمه

بأن تُسعدا والدمع أشقاه ساجمه

وقوله:

انا ابن من بعضه يفوق أبا (م)

الباحث والنجل بعض من نجله

فقد بجد في دراسته هاتين القصيدتين بَجْداً عبقرياً لا تجد مثله بإطلاق في كتب التراث.. وأما رِدَّة فرج فودة فواجب طرحها للقضاء، وأما الاغتيال فلا يجوز؛ لأنه خفر لذمة ولي الأمر، ويحدث الاغتيال بكثرةٍ عندما يكون القانون وضعياً والشعب حثيث الخُطى لاسترداد هُوِيَّته، ولا أعرف في الأحكام الفقهية أصحَّ من معاقبة الجاني بفعله سواء أكان ضرباً أو قتلاً إذا خفر ذمة دولته وتجاوز الحكم الذي اكتسب قطعيته بعد المرافعة.. وضِدَّ مبدإ الرقابة الضروري بكل برهان نيِّر قال أمين مهدي من أرض الكنانة متقمِّصاً نسيج شَذراتٍ من المثاقفة لا تَتَّسع لما هو ثقافة على الحقيقة: «لم يكن للانقلاب العسكري في تموز يوليو 1952م خطابٌ ثقافي أو مضمون معرفي.. فقط مفاهيم (أي وُجِدتْ مفاهيم فقط) سياسية واجتماعية كاملة و(لا معنى للواو في تعاقب الأوصاف) غامضة، ومن يُدَقِّق في كتيِّب فلسفة الثورة أو الميثاق يكتشف ذلك بسهولة.. كانت الذهنية المحافظة لأعضاءِ ما سُمِّي بمجلس الثورة واضحة؛ نتيجة غلبة الانتماء الاجتماعيِّ المرتبك والمشوش (قال أبو عبدالرحمن: واو العطف مضلِّلة بين صفتين؛ لأنها توحي بموصوف آخر)، وكان معظمهم أعضاء في جماعة الإخوان المسلمين؛ لذلك استثنوا تلك الجماعة من قرار حلِّ الأحزاب، وأفرجوا عن كلِّ المتَّهمين في قضايا الإرهاب من أعضائها، وهكذا تم التعامل مع التعليم والثقافة والمعرفة والفن باعتبارها ميادين للدعاية وَأَنْسُقاً (الصواب أنساقاً) إرشادية مغلقة محافظة، وإكراهية نافية للآخر بكل أشكاله.. وكانت خبرات أنظمة هتلر وسالازار وتيتو وألمانيا الشرقية هي المنوال لإنشاء مؤسسات الثقافة والإعلام وتنظيمات المثقفين (السِّرِّي منها والعلني) بعد أن تَمَّ تأميمُ كلِّ مؤسسات الإعلام والنشر في أول حكومةٍ بعد الانقلاب.. وشغل منصب وزير المعارف والتعليم والثقافة أحدُ أنصار الإخوان (وهو المنصب الذي كان يشغله قبلها بشهور طه حسين) في حكومة الوفد، وبعد سنتين من الانقلاب شغل هذا المنصب الصاغ رائد كمال الدين عضو جماعة الإخوان ثم عضو مجلس الثورة في الحكومة نفسها، وتأسست وزارة الإرشاد (الإعلام حالياً)، وكان وزيرها فتحي رضوان عضو الحزب الوطني، وهو الحزب الأب لكل الأحزاب والجماعات الفاشية قبل سنة 1952م»(1).

قال أبو عبدالرحمن: لست أدري بأيِّ أحد تلك الأمور أغبط هذا الكاتب: أهو ذِكْرُه الخالدُ بين حَمَلة القلم، أو هذا التسطيح لمسار العلم والفكر في أرض الكنانة، أو هذه الوقائع المبْتَسَرَة بلا ذِكر حيثيَّات يبين منها الحق من الباطل، أو الإجمال بلا توثيق، أو هذه الغيرة الدينية الإصلاحية، أو هذا الأسلوب الأعجمي المهلهل؟؟؟!!!.. وقبل مداخلتي لهذا الهذيان أحبُّ أن أُبَيِّن له أن أرض الكنانة أمُّ العالم العربي، والمرجعُ الثاني للعالم الإسلامي اليوم، وهي المرجع الأول أيام الدُّويلات بعد وَهَنِ الخلافات الإسلامية، وهي منشأ العلماء أهل الورع بعلمٍ وحِسْبة، وهم ثِقَل أُمَّتنا وإن طال المدى، ومن أزهرهم خرجت الأفواج لِمَحْوِ الأمية الثقافية والعلمية في العالم العربي والإسلامي.. وما حدث منذ هَيْضة نابليون اغتصابٌ لمشاعرهم وإيمانهم، وَوَهَنٌ في الأمة كلها، وتكالبٌ صليبي فوق ضعفهم.. وأبدع لهم الغالبون المتسلِّطون الذين يودون لو نكفر (إذْ لم ينفع التبشير) حَلُولاً (مِشِيَّاً)؛ فأخدجتِ الأرحام بآلافٍ مثل أمين مهدي ليسوا من علماء القوة التي تمنح الأمة منَعةً عسكرية، ولا من علماء الضرورات التي تَرْفِد عجز أمتهم كالطب، ولا من علماء الكماليات، ولا من الناطقين بالحكمة من دين ربهم وضرورات العقل الإنساني المشترك؛ وإنما هم من المتهالكين على الشهرة الصحفية بأي عُجْمة مهلهلة تمحَّكوا، وبأي جهل تحاكوا!!.. وأما في المداخلة فانقلاب 1952م طفرة عسكرية وَلَّت بهزائمها وتهريجها، وما بعد عارِ حزيرانٍ لنا عارُ، وَنَفْيُهُ الخطابَ الثقافي عنها والمضمونَ المعرفي ليس تهريجاً وحسب، ولكنه افتراء آثم؛ فالكتاب العربي المصري هو السائد، ومطابع مصر هي مطمح العرب، والمؤسسات مثل دار المعارف، ودار الهيئة للكتاب العربي، وسلسلة أعلام العرب، وسلسلات المثاقفة، ورسالة الزيات، وصحافة مصر.. كل ذلك هو المَكْرَع للعالم العربي والإسلامي.. والصولة والجولة لسلسلة البعثات التي بدأها محمد علي، وما اشتكى الغَبْن إلا حملة الشريعة من الأزهر وغيره؛ فما أقبح الافتراء؟!.. وعبدالناصر سليم في دينه وعرضه وجَيْبِه، ولكن جهوريَّة الإعلام الذي كان تحت قِشَّة، وخمْرة الزعامة، والطابور الخامس الذي يلعب بذيله.. كل ذلك غرَّر بالزعيم، وكان يريد وِحْدةً من المحيط إلى الخليج، ولم يستطع إعادة وحدة مصر والسودان!!.. وكلمةُ حقٍّ أقولها ما كان عبدالناصر حجرَ عثرة فيما يتعلق بالخطاب الثقافي، ولكنه إن كان يريد إصلاحه ويقمع مُجَّان المفسدين أمثال هذا النكرة أمين مهدي فأظنُّه غيرَ قادر يومها؛ فالبِنْيَةُ القلمية مفروضة قبله قانوناً وتجاوزاً أدبياً وفنياً، وطلائع من الغرب بدأها محمد علي أتْخمتنا بالموسيقا وأدوات التجميل وخرافات الميتافيزيقا في أوهام أوَّليَّات التواريخ وظنون علم النفس والاجتماع وخبال الفلسفة.. وعلى الله العوض فيما يبني صرح الأمة قوةً عسكريةً، وسعةَ مواردٍ، ومختبرات تَحْجُرُ هجرةَ العقول العربية.. وجعَل أمين بديلَ الخطابَ الثقافي المفاهيمَ السياسية، ووصفها بالكمال والغموض، ولست أدري كيف يجتمع الكمال والغموض؟!.. ولقد عايشتُ الناصرية في عُنفوان شبابي فما رأيت الخطاب السياسي بديلاً للخطاب الثقافي؛ وإنما الخطاب السياسي بلسان الزعيم، واجتهاد المحلِّلين السياسيين للصحافة الرسمية، ومن طلائعها هيكل وبعض كلامه غير مؤتمن، وعارضه يمينيون غير مؤتمنين أيضاً كآل حافظ، ولكن الانتقال من الإعلام الدعائي إلى الخبرة بالتاريخ المعاصر يَعْدِل الذَّبذبة، وفي الإذاعات الرسمية الكثيرة مهرِّجون طليعتهم فيها أحمد سعيد ومحمد عُروق، ولا كَدَر على أهل الخطاب الثقافي.. والإخوان المسلمون هم الذين حملوا عبدالناصر على ظهورهم، وهو الذي داهنهم ولم يحلَّ حزبهم؛ ليضربهم ضرباً ظالماً إن برئ من بعضه فأعظم الوزر على الطابور الخامس المعروف.. ولو سلم الإخوانيون من التجاوزات، وجعلوا وحدة الهدف على الأمر الأول الذي عليه السلف ومن اتَّبعهم بإحسان هو الشرط لوحدة الصف، ونقَّوا محيطهم من كل شائبة إرهاب وتجاوز مما لم يقع باسم التدين لله في عهد السلف كالطرق الصوفية - وأما دعوى التقارب فلها حديث يأتي إن شاء الله -: لعاد لنا ناصر الدين بن قلاوون بكل أَلَقه الكريم... وهذا الصحفي نسف فيما مضى منطق الدين، ومنطق الوطنية والقومية، وأسقط عبدالناصر بإطلاق؛ وإذن ماذا نقول عن انتماء هذا المهذار إذْ نسف كل مُقوِّمات الانتماء؟.. وجاء هذا النكرة بآبدة عجيبة؛ فقال: «ومَنْ يُدقِّق في كتيِّب فلسفة الثورة أو الميثاق يَكْتشف!!».. ألا ما أعظمها من فائدة!!.. كأن هذا الكاتب العملاق تربَّى على معارف أصيلة تبيح لرجال الحكم أن تكون مبادؤهم في مَهبِّ الريح!!.. على أن (فلسفة الثورة) و(الميثاق) لم يكونا خطاباً ثقافياً طواعياً ألبتَّة؛ وإنما هما في دائرة ثقافية مُسَيَّسة.. وأما التشويش في مجلس الثورة فحق؛ فهناك الماركسي، والانتفاعي، والهائم في الصوفية، وذو الثعلبية النفعية، وعبد الشهوات البهيمية، وأَمْثَلُهم عبدالناصر؛ وذلك التشويش هو العلة الكُبرى لسرعة السقوط!!.. إنني أحد مَنْ رَضَع الثقافة المصرية حتى نبت اللحم ونشز العظم في عنفوان الناصرية وفي الشوارع الحضارية المتواضعة بالقاهرة.. أعني المكتبات الكبرى بمطابع مصرية ومواهب مصرية؛ فما أعظم جرأة أمين مهدي في مجازفته المتحرِّرة من مسؤولية الحياء على الأقل عندما قال: «تم التعامل مع التعليم والثقافة والمعرفة والفن باعتبارها ميادين للدعاية وأنسقاً إرشادية.. إلخ»!!.. ما هذا يا عباد الله؟.. وأما أن لكل دولة وثورة مجالاً معرفياً دعائياً فذلك حق، بل هناك دول ثورية أقامتْ نظامها على النار والحديد، وصادرت الحريات، وأَمَّمت المعارف.. بل أمَّمَت الفن الذي هو إحساس جمالي، وأقبح مثال لذلك اللينينية والماوِيَّة، بل تكلَّف لينين تأليف عشرة مجلدات عن الفن كلها شعارات خطابية لا رائحة فيها للفن، وَوُجِد علماء ومفكرون متمرِّدون على هذا الجبروت مشرَّدون في الآفاق؛ وأما الحديث عن ثورة عبدالناصر فإن لثورته أدبيات كفلسفة الاشتراكية والتأميم الذي أجهض القومية العربية؛ فجعلها فلسفة وعقيدة، وما هي إلا رمزاً بشرطها التاريخي الذي منح أمتنا رقعة شاسعة موحَّدة قبل سِفْر الخروج.. وهذه الأدبيات قام بعبئها القلَّة المثقَّفة في الجهاز السياسي، وأقلُّ منهم مَن آمن بذلك عن قناعة لا عن رغبة أو رهبة، وفِئامٌ من الطائفيين خارج أرض الكنانة.. والسيادةُ للقانون، ولكلمة الرئيس، ولكن الأزهر ينشر معارفه بلا ضغط، وحملة القلم في كتبهم الرائدة يقولون ما يعتقدون، من أمثال أبو زهرة وشلتوت وآل شاكر.. إلخ، بل ومحمد الغزالي في جامع عمرو بن العاص رضي الله عنهما.. يُضفِّرون مَرائر العلم، ويُصَهْرجون قنواته؛ فلماذا هذا الظلم!!؟.. وما كان هتلر وأضرابه غزالاً في عين عبدالناصر، وأما (تيتو) فقد قَبِلَه بمقابل (دول عدم الانحياز) غير المعقول على أرض الواقع؛ ولغياب الشرط التاريخي عن الحماس القومي تغاضى عن مجازره التي أقامها للمسلمين.. وأتحدى هذا الكاتب أن يُفْضي ببرهان واحد على أن التعليم والثقافة أُمِّما في مصر، وفي بلادنا وبلاد غيرنا أخيار نالوا أطروحاتِهم من دور العلم في عهد عبدالناصر.. ويا ليت هذا الكاتب بَرَّأ ذمَّته من الهجاء بتعميم؛ فذكر لنا سيئات وزير المعارف الإخواني بعد طه حسين، ووزارة المعارف تكرمةٌ لطه حسين، وهو أجدر بالعلم، والوظيفة رِقٌّ له، وثار عليه مُحِبُّوه بتبنِّيه كيد أستاذه اليهودي مرجليوث، وحماسه لروح التجزئة في كتابه عن مستقبل الثقافة في مصر؛ فتراجع عن شيئ، وصمت عن شيئ، وبقيت له ريادته فيما أحسن فيه، وأرجو أن يكون الله ختم له بخير.. وكل من ذكرهم من أهل المناصب لم يذكر عنهم ما يقتضي النقد أو العتب.. وأما الشيوعيون - وإن قال عبدالناصر باشتراكية غير ماركسية، وكل ذلك ضلال - فما كان الماركسيون العرب حلفاءَ لعبد الناصر، ولكنهم نافقوه في مِظَلَّة خالد محيي الدين، وما كان لهم من الأمر شيئ، وأما مُنظِّروهم من أمثال أمين العالم فهم على حُرِّية الكلمة قبل ثورة عبدالناصر.. وعبدالناصر - عفا الله عنه، وسامحه - عربي صميم من بني مر، وقد عايش بجسده وروحه وقلبه مهزلة محاربة يهود عام 48، وعاش روح التجزئة في تقسيم الحلفاء العربَ والمسلمين واحتلالهم بلدانهم، وهو مكشوف الظاهر بلا مواربة، وأراد وِحْدةً عربية من المحيط إلى الخليج، وأراد إعادة فلسطين العربية إلى حظيرة العرب.. وهو في نفس الوقت يعلم أن الاستعمار بقي على أشُدِّه وإن خرج من البلاد التي احتلَّها؛ لأنه يملك قرارنا السياسي والعسكري والثقافي، وله نظر مُسْبق في كوادر كل حكم عربي ثوري.. والدعايةُ للإسلام، وَجَعْلُه حاكماً: غيرُ مقبول ولا مُهادَن؛ فظنَّ أن عنده فَضْلَ دهاءٍ، وأنه قادر على اصطناع مراحل تُرضي القُوى المهيمنة، وأنه قادر على قلب الموازين في الوقت المناسب، وكان حاكماً شعبياً محبوباً، ولكنه محكوم من غيره في الداخل، وهم الذين يسميهم الطابور الخامس في خُطبه؛ فرسم سياسة لغاية غير معقولة ولا متوقعة على أرض الواقع مكونة من العناصر التالية:

1 - وحدة الهدف قبل وحدة الصف.. وقبولُ هذا الشِّعار الخيِّر مرهون بأن يكون (الهدف) هو الوحدة التاريخية التي جعلتْ أهل الرقعة أمة مسلمة بلغة العرب (التي هي لغة الشرع) وآدابها مع العدل والمرحمة وضمان الحقوق لأهل المواطنة، وأن تكون وِحْدةُ الهدف دَعَويَّة قبل أن تكون ثورية، وأن يصاحبها ضمانُ الحق لكل مواطن منسلخ عن همومنا الإسلامية العربية، وأن يكون لهم خير ما يُوهب مما لا منَّة فيه من عدل ومرحمة بشرط أن لا تُخذل الوحدة الوطنية، وأن لا يُتآمر عليها.. وحمأية الوحدة الوطنية مما لا يناله ضغط عالمي.. ولكن (وحدة الهدف أوَّلاً) التي أعلنها عبدالناصر كانت خلاف الواقع التاريخي لتركتنا الموروثة؛ لأن هذا الشعار قائم على تغييب أشياء من هُوِيَّتنا على سبيل المداهنة للضغط الاستعماري، وإضماره المرحلة القابلة للتجاوز.. وكل تغييب من هُوِيَّتنا لا بد له من بديل غير هويتنا؛ فكان واقع الشعار في الممارسة خلاف ما هو مُعْلن؛ إذْ كانت واقعاً تعني وحدة الصف قبل وحدة الهدف التاريخي؛ فكان هذا غير ممكن على أرض الواقع، وخَذَلنا المِلِّيُّون والنحليون والطائفيون والشعوبيون، وكان الانتماء الوطني أو القومي عند هؤلاء خرافة، وما التحم في الصف إلا أهل الهدف التاريخي.. إن الأمر حقيقة في سلوك عبدالناصر هو وحدةُ الصف قبل وحدة الهدف، وهذا غير ممكن، وما استعان رسول الله صلى الله عليه وسلم بمشرك؛ لاختلاف الهدف، وأشرف على أسرار جامعة الدول العربية من هو غير مؤتمن من مِلِّي ونحليٍّ وطائفي، وكنا نسمع في إذاعة إسرائيل بعض ما يجري في الجامعة العربية.. وكان الأولى أن يكون للجامعة حضورها الشكلي، وأن يُصطفى لاجتماعات سريَّة وعملٍ مُشترك مَن يَجْمَعُ صفَّهم هدف واحد بتعاقدٍ وتعاهد وتجنيد سلاح وخبرات وتقوية معدات.

2 - ترتَّب على (وحدة الصف قبل وحدة الهدف) تفرقةٌ وسلوكٌ أرعن، وسمعناه يقول: ندخل إسرائيل من خلال عَمَّان والرياض.

3 - الفرار من التفوُّه بالإسلام، وإجهاض أيِّ جامعة إسلامية؛ حتى لا يُثير القوى الظالمة.. وعنده أن هذا الفِرار مرحلةٌ يستطيع أن يتعدَّاها؛ وبهذا أفْرغ القومية العربية من مضمونها التاريخي وشرطها الإسلامي.

4 - أحسن الظن بالحليف الثاني القويِّ من الماركسيين؛ فبعد زيارة خورتشوف جامله عبدالناصر بالاشتراكية والتأميم بعد نقد لاذع من خروشوف؛ فمعروف عنه الجرأة والانطلاق في الحديث الساخر.. وهذا الحليف جزء من وحدة الصف قبل وحدة الهدف؛ فخدعوه وطمأنوه في كارثة عام 1967م، وكذبوا عليه، وهم مع الولايات المتحدة وإسرائيل كائنان صفَّاً واحداً.. وكانوا قبل ذلك طمأنوه بإنذارات ماركسية عنترية لصالحه أيام العدوان الثلاثي، وشأنه مسيَّس مُسبقاً من الحليفين؛ وهو اتفاق مسبق مع الحليفين القويين، وهم لا يُفَرِّقُهم التناوش الإعلامي فيما بينهم؛ وإنما يجمعهم انتصار تاريخي مشترك، واصطناعٌ صهيوني للماركسية انتهى بإعادة الأرثوذكسية.

5 - يشارك عبدالناصر زعماءُ عربٌ في همِّه، ولكنَّ وحدةَ الصف قبل وحدة الهدف!!.. والتعجُّل بالوحدة القسرية غير الفدرالية أو التعاونية، وتغييب الشرط الإسلامي: جعل حضورَهم بالجسد لا بالقلب، وما كانوا متحمسين لأمر لا يُحقِّق هدفاً على أرض الواقع.

6 - بثُّ الفرقة بالإعلام الشرس، والمؤامرات، وعدم حصر نطاق الاختلاف في اجتماعات أخوية جزئية.

7 - غياب التجنيد الجاد لحرية المسلمين في المطالبة بتطبيق دينهم مع حماية دين الآخرين، وغيابُ إظهار عبدالناصر عذره القاهر للقوى الكبرى بأنه خضع مرغماً لحرية الجماهير من شعبه؛ فلا يناله غبن عالمي بعد إعلان الحلفاء الحريات الأربع - وكان لَفْتُ النظر إلى هذا مقبولاً آنذاك -.

8 - عدم الاقتصاد في الإعلام بلا قوة تحميه، والتفريط في الدعم النافع للأمة بتجمُّعٍ ثنائي أو ثلاثي أو رباعي.. إلخ حسب وحدة الهدف.. وهذا الإعلام غير مقتصد؛ فظننا يومها أن عبدالناصر أكبر قوة عسكرية ضاربة في الشرق.

9 - عدم التعامل مع العالم الإسلامي - باستثناء المتسمِّين به وهو منهم براء من العملاء - بتجمُّع أخوي، وتبادل دعم ومنافع، وإظهار فلسفة المرحلة المؤقتة؛ لجعل التجمُّع إسلامياً بحتاً.

10 - الترحيب بالثورات في العالم العربي على الحكومات الشرعية والتشجيع عليها، وكل قطر قامت فيه الثورة ظل إلى هذه اللحظة في غاية التدنِّي أمْناً وتنمية وصلاح قيادة، وتجلَّت العمالة بأجلى معالمها، وكثرت أصناف التجزئة في عالمنا العربي، والآن عاد بعض الثوريين إلى اغتصاب الملكية في عقبهم وكانوا قبل ذلك حرباً عليها؟!!.. والبوادر تدل على رِدَّة في تاريخ الاستعمار تجعل الثوار ملوكاً يتوارثونها من غير مجد تاريخي سابق يكونون به رمزاً للأمة، فتنتمي إليهم جنسية (رَعوِيَّاً).. والاستعمار يرى في التحييد وبقاء منفعتهم التحليلية في رقعة العرب مسوِّغاً للعودة إلى الملكية التي قام منطق الثورات على هجائها بأقبح عبارات الهجاء الرقيعة، ولن يَصْلُح حاضر الأمة إلا بما صلح عليه أولها.. ثم قال أمين مهدي: « في الستينات وبعد (لا معنى للواو) أن خرج الشيوعيون من المعتقلات والسجون، وبعد أن حَلَّت الأحزابُ الشيوعية نفسَها ضِمن تحالف مع عبدالناصر كان المقابل هو تعيين غالبيتهم وخصوصاً (لا معنى للواو) ذوي الميول الاشتراكية القومية في وزارتي الثقافة والإعلام.. خلال ذلك أصبح المثقفون المستقلون من أبناء التجربة الليبرالية قبل 1952م بألوانهم كافة موضعَ اضطهادٍ وإبراز (الكلام متلعثم) نزلاء السجون، وعلى سبيل المثال تعرَّض طه حسين وعبدالرازق السنهوري للاعتداء البدني والإهانة، وضُرِب لويس عوض بالكرابيج(2)، ووضع وجهه في دلو للبول (عمل جبان قبيح وإن كان لويس حرباً لهويتنا؛ لأن المسلم لا يقبل العقوبة خيانةً، بل بحكمٍ علني)، وهكذا تحوَّل المثقَّف المستَقِلَّ إلى ما يُشْبِه الكريمَ على مأدبة اللئام.. بعد (الصواب بواو الاستئناف قبل (بعد)) سيطرة المركزية على الحياة الثقافية والفكرية والاجتماعية والسياسية للمصريين أصبحت المؤسسات الثقافية والإعلامية هي منطقة كشف التوازنات بين جمهورية تموز العسكرية وحلفائها الأيديولوجيين الثلاثة (وهم الأديولوجية الدينية، والقومية، والاشتراكية القومية)؛ وهكذا امتلأت أشرعتهم بالرياح الرسمية للإبحار بالعقل المصري في اتجاه ما يشبه معسكرات التجميع بعيداً عن حقوق الفرد المواطن والحريات الاجتماعية والتعدُّدية والديموقراطية والتقدم والسلام «.

قال أبو عبدالرحمن: عبدالناصر على وعيٍ بالتجزئة الوطنية التي وراءها ذُحول مِلِّيَّة كما عند أنطون سعادة، وعلى وعي بالهذر البعثي الذي وضع كُراسته مِلِّيُّون أيضاً نافقوا في تمطيطها وتفسيرها، وتقلَّدها بعد التضليل الإعلامي طائفيون ودكتاتوريون عُشَّاق سلطة، وهو على وعي بهذرها الخطابي المملِّ.. وهو على وعي باتجاه العرب الماركسيين، وأن ولاءهم أُمَمِيٌّ ليس للأمة والوطن والتاريخ؛ ولهذا عاش بقلبه ودعمه مع آل عارف عندما تمظهر الزعيم الأوحد (عبدالكريم قاسم) بالماركسية.. وتعامل عبدالناصر مع الماركسيين في مصر من ثلاث جهات: أولاها المجاملة للحليف ويلعب بذيله في الخفاء أمثال خالد محيي الدين وعلي صبري.. إلخ.. إلخ.. وثانيتها: رَفْدُه القوميةَ باشتراكيةٍ ليست ماركسية ولا أُمَمِيَّة؛ ظنَّاً بأنها منهج إصلاحي مع أن ذلك لم يُرْض محيي الدين.. وثالثتها أنه لم يجعلهم عنصراً عسكرياً، بل جعل لهم ممارستهم الفكرية في الاندلاعة الثقافية، وجعل لهم مجال طلب المعيشة ولكن مع الأسف في وظائف قيادية.. وحلُّه للحزب الشيوعي المُدَّعَى أنه حلَّ نفسه أرحمُ من إبقائه للحزب الإخواني الذي يريد أن يتفرَّغ له.. وأمين المهدي لا يملُّ من التعميم بلا توثيق؛ فلا أعلم للماركسيين حضوراً معتداً به على الصعيد الثقافي الحر، ولا على الصعيد الرسمي في الثقافة والإعلام؛ وإنما كان الحضور للمهرِّجين في الإعلام.. والذين جمعوا ميولاً قومية اشتراكية ليسوا ماركسيين أمميين، ولكنَّ تحمُّسَهم لقوميتهم بشرطها الوطني أوهم أن استعارة شيئ من المبادئ الاشتراكية صلاح لهم؛ إذْ ضيَّعوا شرط وجودهم التاريخي المعتدَّ به؛ بسبب ضعف أمتهم، وقوة الإرهاب الإعلامي المُمْعِن في التضليل.. ولا وجود لشيئ اسمه (المثقفون المستقلون من أبناء التجربة الليبرالية 1952م) وُضعوا مواضع الاضطهاد والإبراز من السجون، ولا علاقة لهم بأدنى تسلُّط من الماركسيين؛ وإنما سُلِّط الفن أفلاماً ومسلسلات ضد الباشوات مبالغاً في السخرية بهم واختلاق وصْفهم بالغباء، والمثقفون في عافية، وإدْراجه عميد الأدب طه حسين، وإمام القانون والفقه الحنفي عبدالرزاق السنهوري ضمن مثقَّفي الليبرالية من أسخف المواضعات لوجوهٍ كثيرة:

أولها: أن الليبرالية ذات ممارسة سياسية في عهد عبدالناصر رضيت بها الدهماء طواعية، ولا غضاضة أن ينالها عكسها من القيود في الكتاب السياسي المناهض.. وعلى صعيد الليبرالية الثقافية فهي على أشد ما كانت قبل الثورة، وعُمَّارها جيل طه حسين وكبار تلاميذه.. وما وُجد المهرِّجون الخارجون على مُقوِّمات الأمة بهجمات إنشائية هزيلة ولكنها مسعورة إلا بعد نكسة 1967م بعقدين، وتعاقد معهم كل طائفي وشعوبي.

وثانيها: لا أدري لماذا يتمظهر مَن يُسمُّون أنفسهم نُخباً بِلَوكِ عبارات خواجية مع أن بديلها المطابق موجود في لغتنا وهو أسهل مخرجاً، وأجمل نبرة، وليس في استعارتهم الكلمة الخواجية استدراك أو قيد أو إضافة على مأثورنا اللغوي.. والنخب حقيقة يتورَّعون عن هذه الدُّونية، وإنما حقُّهم في المطابِق التعريبُ، وحقهم في غير المطابق الاقتراضُ برُمَّته إن لم تُطاوع المادة من مُقاربة الوزن (الصيغة) العربية مع استيعابٍ لكل مدلول للمقترَض، وما مرَّ به النقل من لغة إلى لغة من تغيُّرٍ في المعنى، وما فرَّق معانيه من الاشتقاق العالمي؛ ليكون لمدوِّني اللغة مدداً لمرحلة ثانية في إثراء معاجم المصطلحات في تراثنا المصاحبةِ المكمِّلة لمعاجم اللغة العربية على آثار مثالية خُلُقيَّة لدى العرب يؤمنون فيها أن من سبق إلى العلم بشيئ اكتشافاً أو اختراعاً فهو أولى بتسميته، وأحق بأن يُقترض منه، وما جاء التنطُّع إلا من بعض المعاصرين.. والعجب أن لغة العلم المادي أسهل وأدل وأجلى بياناً لدى العلماء الأفذاذ؛ وإنما جاء التنطُّع من هذر المتمعلمين في أمور ثقافية وفلسفية ونظرية تملك لغتنا أصولها؛ وبهذا أقول: (في فصحانا بديلٌ عن الليبرالية.. ومن العجيب أنه بدأ مشايخنا في استعمال هذا المصطلح الخواجي وهم أشدُّ مني إفلاساً في معرفة لغة الخواجيين!!.. وإلى لقاء مع بقية الوجوه إن شاء الله.

وكتبه لكم : أبوعبدالرحمن ابن عقيل الظاهري- عفا الله عنه -(1) جريدة الحياة العدد 1383 في 5/11/1421هـ.

(2) قال أبو عبدالرحمن: الكرباج سوطٌ يُتَّخذ من فرس البحر (البرنيق)، وأصلها بالزاي معربة من أصل سلافي، ويتخذ من ذنب الفيل، وقضيب حديد.. انظر (تكملة المعاجم العربية) لدوزي 9/54.



 

هُمومُ الرِّقابةِ، وأَزْمةُ الثقافة: (7-9)
أبوعبدالرحمن ابن عقيل الظاهري

أرشيف الكاتب

كتاب وأقلام

 

طباعةحفظ 

 
 
 
للاتصال بناجريدتيالأرشيفالإشتراكاتالإعلاناتمؤسسة الجزيرة