Sunday  13/02/2011/2011 Issue 14017

الأحد 10 ربيع الأول 1432  العدد  14017

  
   

الأخيرة

منوعات

دوليات

الرياضية

الأقتصادية

محليات

الأولى

الرئيسية

 
 
 
 

الرأي

      

صحيح إن تكرار عرض المشهد يزيل الدهشة منه، فعتاة الإجرام الذين سجل ضدهم عدد من سوابق القتل مثلاً، لا يذكرون مدى التأثير الواقع عليهم في كل المرات التي قاموا فيها بالقتل، بقدر ما أثر فيهم المشهد الأول لفعل القتل.

وقس على ذلك ارتكاب كل الجرائم، خصوصاً الإنسانية،

فدائماً يستغل المجرم المحترف سرعة أدائه للجريمة بحكم تمرسه، حتى لا يعطي المفعول به وقتاً لرد الفعل.

فللمرة الأولى حين نسمع عن ظواهر مؤلمة، ونرى لها صورة قد تبدو وقتها مرعبة، تختلف ردود الأفعال بعد رؤية المشهد للمرة العشرين أو الثلاثين أو المائة مثلاً، إلى أن يتحول رد الفعل إلى لا شيء، وهذا أخطر بكثير من السلبية التي تكون كامنة في رد الفعل الأول للمشهد الذي يبدو «كسولاً» رغم أنه ليس خجولاً.

وفي مواجهة المشاهد الكسولة، التي يكمن كسلها في مرورها أمامنا بتباطؤ مستفز لمن بقي في عروقه بعض نبض، وللكثيرين يتناولونها بما يشبه غير الاكتراث بكل ما يحيط من مجريات الأمور، وما يمر علينا من فضائح عالمية تكشف وتثبت أننا في عصر لا يمكن التعاطي مع أحداثه بغير الشفافية الجريئة بعيداً من الكسل، ومشاهده غير الخجولة.

الشواهد كثيرة على هذه المشاهد الكسولة أو التي تبدو كذلك مع كونها ليست خجولة على الإطلاق، بدءًا من زواج الصغيرات «القاصرات» الذي نسمع ونرى كل يوم آباء يبيعون بناتهم في مقابل مبلغ زهيد، إذا ما قورن بالمقابل الباهظ جداً الذي تدفعه الصغيرة حين تلقى في أحضان رجل كبير، لا يعرف من معنى الإنسانية غير ملذاته، وإلا لما أقدم على اغتيال براءة طفلة، هذه الصغيرة التي لا حول لها ولا قوة، تقفز إنسانيتها حين نراها بتكرار فعل المشهد «الباكي» في ريف مصر، وفي السعودية، والمغرب، وبلاد عربية كثيرة يتكرر فيها المشهد الذي يبدو «كسولاً» في التعبير عن نفسه، تاركاً لرد الفعل الكامن فيه السلبية في المقام الأول يأخذ صيرورته الحياتية دواخلنا، هذا المشهد المتكرر لا يحمل أي قدر من الخجل، وإلا لما تكرر هذا الفعل الفاضح، وتناولته وسائل الإعلام، ولم يتم دراسته أو القضاء عليه، فقط نكتفي بعد الانفعال الحادث باللقطة الأولى «المحركة» التي يتبعها السلبية، بالجلوس على مقاعد المتفرجين في العرض الذي لا ينتهي، بسبب تكرار هذه المشاهد «الكسولة» غير الخجولة.

في السياق ذاته، لا يمكن أن ننسى طفلة العاشرة اليمنية «نجود» التي لجأت العام الماضي إلى محكمة يمنية تستجير من زواجها من ثلاثيني، وواصلت هي ومحامية تبنت الدفاع عن قضيتها إلى أن حصلت على الطلاق بحكم محكمة، وليس بحكم الأعراف والمجتمع والتقاليد التي تسهل الجريمة في البداية، ثم تستنكرها أحياناً، والغريب أنها اختيرت «طفلة العاشرة» امرأة العام الماضي.

مشاهد كثيرة تتكرر في سياقات ليست خجولة أيضاً، وتحمل داخلها وجعاً غير معلن لأن صاحب القضية غالباً «مغلوب على أمره»، فتاة صغيرة أيضاً تحمل طفلاً رضيعاً تجلس به أمام باب المسجد، خصوصاً يوم الجمعة، وصوتها المستغيث بمساعدة الناس يكشف بجلاء عن تجارة لا يمكن السكوت عليها «رغم السكوت» تجارة واستغلال الأطفال وبراءتها.

مشهد آخر كسول لكنه ليس خجولاً، طفلة متسولة يحملها رجل كبير يبدو كأنه أبوها، لكنه ليس كذلك، هو مستأجرها، والرجل والطفلة في قبضة الأمن بتهمة التسول، وجاء في اعترافات الرجل أن هناك من عرض عليه استئجارها مقابل20 ألف ريال سعودي في الشهر، ولأنها أدرت عليه أكثر من 100 ألف ريال في أربعة أشهر، ولأنه ملزم بإعادتها إلى اليمن رفض تأجيرها، لأنه هو أيضاً مستأجرها.

يا للمصيبة «طفلة» معوقة ذهنياً يتم استئجارها وتتلقفها أيدي محترفي التسول، وتسافر من بلد إلى آخر من أجل مهمة تقوم بها عصابات التسول، وما خفي كان أعظم من هذه التجارة التي تبدو رائجة في ظل غياب الوعي بأهمية الطفولة، وخطورة التجارة فيها.

مشهد آخر كسول لكنه غير خجول، ذلك حين أعلن أب بحريني عن اختفاء ابنه، وبعد أسبوع من البحث ولفت الانتباه الإعلامي البحريني والعربي إلى اختفاء الطفل، اعترف الأب صاحب البلاغ أنه ليس أباه، وأنه سافر إلى اليمن مع أبيه الحقيقي بهوية أحد أبنائه، مشهد آخر من مشاهد تجارة الأطفال والعبث بمصائرهم.

لا يمكن أن ننسى أبداً ضمن المشاهد التي تلفنا الآن في الواقع الذي نحياه يومياً حوادث التحرشات المتكررة بنفس الطريقة وبنفس رد الفعل، «مشهد كسول غير خجول» في مقابل رد فعل سلبي غير قادر على صناعة معنى قادر على التغيير، وقضايا وهموم أخرى من الصعب حصرها في مقال.

ذاكرتي المتعبة من تكرار هذه المشاهد غير الإنسانية التي تمر أمامنا مرور الكرام لا تكاد تحصي أعداد هذه المشاهد الكسولة لكثرتها، لكنها تبقى مخزنة في الذاكرة الجمعية للمجتمعات التي لا ينسى تاريخها أنها تهاونت وفرطت، وتقرر أن تحاسب المخطئ المتراخي المتقاعس «الكسول» المحرك الخفي لهذه المشاهد، وفي تكرارها المستمر خيانة للتاريخ الذي لا يغفر ولا يترك صغيرة ولا كبيرة إلا وسجلها، ولا يغض الطرف أبداً عن هذه المشاهد المستفزة للإنسانية.

Aboelseba2@yahoo.com
 

مشاهد كسولة... وليست خجولة
حسين أبو السباع

أرشيف الكاتب

كتاب وأقلام

 

طباعةحفظ 

 
 
 
للاتصال بناجريدتيالأرشيفالإشتراكاتالإعلاناتمؤسسة الجزيرة