Friday  04/03/2011/2011 Issue 14036

الجمعة 29 ربيع الأول 1432  العدد  14036

  
   

الأخيرة

متابعة

دوليات

الرياضية

الأقتصادية

محليات

الأولى

الرئيسية

 
 
 
 

وجهات نظر

      

شاهدت مؤخراً فلماً للممثل الكبير الإيطالي الأصل «الباتشينو» والذي يجسِّد فيه شخصية الطبيب الباثولوجي (جاك كوفوركيان) ويروي هذا الفلم أحداثاً حقيقية واصفة لنا الطريق الوعر الذي سلكه الطبيب كوفوركيان أو «طبيب الموت» كما أُطلق عليه، وذلك لتبنيه فكرة عيادة الانتحار المتمثلة في صنع ماكينة تعمل على وضع حد لحياة بعض المرضى المصابين بداءٍ عضال لا يُرجى شفاؤه، أو لحالات صحية ميؤوس منها.. وذلك بطريقه هادئة غير مؤلمة بعيدة عن عنف الطرق الذاتية للانتحار, وعلى الرغم من المعارضة الشديدة والاستنكار من قِبل الادعاء العام لولاية متشيغان الأمريكية وساكنيها إلا أنه كان شديد الإصرار والإقدام على تحقيق ما آمن به على الرغم من المواجهة المتأججة مع معارضيه، فهو يرى هذه الإستراتيجية من زاوية الرحمة والعطف كما أُطلق عليها ب(الموت الرحيم)..

وعند حواره مع المذيعة الشهيرة «باربرا والترز» وطرحها للعديد من الأسئلة الكفيلة بالتضييق عليه وإرباكه، وكأنها تريد منها تسديد الضربة القاضية له، والتي كان الطبيب كوفوركيان متصدياً ومجابهاً لها بالردود التي توازي قوة الأسئلة المطروحة, ولا أخفي سراً عليكم كان في الردود الشيء الكثير من الإقناع بالنسبة لي على الرغم من رفضي كلياً لتكنيك الموت الرحيم، إلا أن انتقاءه للإجابة كان ذكياً جداً وبالتحديد عند روايته لقصة المحلول المخدر للأعصاب الحسية «البنج», الذي اُكتشف في عام 1543م، وتم منع استخدامه وحظره لمعارضته للعقائد الدينية آنذاك!

فكان الجراحون يشقّون أجساد المرضى ويستأصلون أجزاء منها بحضور الوعي والإحساس كاملاً. واستمرت تلك المعاناة حتى عام 1846م، ومن هذا التاريخ إلى وقتنا الحاضر نشهد بضرورة ووجوب حضور البنج في كافة العلميات الجراحية ومحاسبة أي إهمال أو خطأ طبي يتعلق به لأهميته.

وكذلك زراعة القلب جرى عليها ما جرى للمخدر فعند إجرائها للمرة الأولى ساد الخوف والرهبة واختلاط المشاعر حول هذه الزراعة التي رأى المعارضون لها في بادئ الأمر أنها تخالف عمل الطبيعية ومشيئة الرب.!

فكم من نفس توفيت ألماً وكم من حياة ذهبت ولن تعود لصاحب قلب ضعيف ومجهد، وذلك بسبب الرفض والمنع والتحريم غير المنصف وغير المُبرر!!

ولدينا هنا في مجتمعنا العديد من أشباه هذه الحكايات فمثلاً: تحريم الدراجة والراديو عند أول ظهور لهما، والنظرة اللاذعة الناقدة الموجهة إلى امرأة تمسك بيدها البيجر أو الموبايل عند حداثة تداولهما بين الناس.. والآن رفض السماح للمرأة بقيادة السيارة والمعارضة لعملها الشريف لبعض المهن، وتحريم خروج المرأة التي في فترة الحداد إلى فناء منزلها الخارجي حتى لا يراها القمر... وسرد الأمثلة في هذا المضمون يطول مع الأسف!!

الأسئلة التي تطرح نفسها في حضرة هذه الأمثلة ومقارنة الآن بالسابق.. لماذا دائماً يُرفض كل جديد حتى لو كان ذا نتائج مجدية، ولماذا لا نتبصر أكثر في الأمور الحديثة ونتروى في الحكم عليها، ونأخذ مما مضى دروساً بأن لا نضيّع وقتاً وما يتبعه من أمور نافعة لمجتمعات وبلدان وجهات قائمة لخدمة البشرية, فالوقت الذي يغدو لا يعود...

ففي حكاية ما آل إليه المخدر وزراعة القلب أمل يلوح لنا في الأفق بأن الضباب سينقشع يوماً ما مظهراً لنا بعضاً من الحرية والعدل وإحقاق الحق في بعض الشائكات التي شاكها الاختلاف بين العقليات والقناعات والخلفيات الاجتماعية والدينية.

قال الله تعالى: (وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ).. صدق الله العظيم.

 

شيء محطم لكل القواعد
إيمان الخميس

أرشيف الكاتب

كتاب وأقلام

 

طباعةحفظ 

 
 
 
للاتصال بناجريدتيالأرشيفالإشتراكاتالإعلاناتمؤسسة الجزيرة