Sunday  06/03/2011/2011 Issue 14038

الأحد 01 ربيع الثاني 1432  العدد  14038

  
   

الأخيرة

منوعات

دوليات

الرياضية

الأقتصادية

محليات

الأولى

الرئيسية

 
 
 
 

محليــات

      

نعيش حالة عامة من الذهول في محاولة فهم ما يحدث. ربما لم تمر أي مرحلة تاريخية شبيهة بهذه لم يعرف الفرد فيها على ماذا سيصحو غدا من أخبار الجوار القريب كله وليس في حدود معينة فيه.

وفي حين تكاد وسائل البث العالمية تجد نفسها عاجزة في أجواء تعتيم الأجهزة الرسمية, ومحاصرة قدرة إعلاميي العالم على تغطية الأحداث حضوريا وتقديمها لمشاهدها كالمعتاد، نجد الجهاز الرسمي أحيانا يساهم في البلبلة الإعلامية حين يعطي انطباعا يختلف 180 درجة عن حقيقة ما يحدث محاولا نسج صورة تنطبق مع ما يتمنى النظام القائم أن يكون هو الحقيقة ربما في رغبة أن يحتفظ بماء وجهه أمام العالم المندهش لعجزه -كنظام- عن كبح جماح التصاعد العشوائي لضراوة ما يحدث. وتكفي خطابات القذافي كمثال.

وفي كل الحالات، سواء كان تعاطف متابعي الأخبار مع النظام أو مع المطالبين بإسقاطه، كانت الحصيلة لقطات مرعبة لشوارع محتدمة بالآلاف: من تونس إلى مصر إلى اليمن إلى ليبيا منعكسة في الأردن والعراق وسوريا ودول الخليج. تسابق المصورون المحترفون والعفويون في تسجيل الأحداث ولم تفلح آلات التصوير في اصطياد كل ما يحدث لعجزها عن تغطية المساحة الشاسعة.

وبقي المصدر المؤكد للمستجدات شبه المطابق لما يحدث فعلا في الشوارع المحتدمة هو الفيسبووك؛ في شوارعه احتدمت صورة حية للأخبار والتجمعات والتجمهرات ومنابر التعليق والنقاش والجدال العبثي والحوار المنطقي حول ما يحدث. والخلاصة في حصيلة من يقوم بجولة في شوارع الفيسبووك هو أن هناك التهابا عاما وأن كل ما يدور من كلام هو شيء من اللامعقول كما في حالات الحمى.

أما محطات البث المرئية فقد اضطرت في استحالة التغطية من موقع الحدث إلى الاعتماد على تقارير مسموعة ومرئية تستمدها من المحاصرين في الداخل، مقارنة إياها بما تبثه الأجهزة الرسمية ليجد المشاهد بونا واسعا بين إيحاءات الأصوات والصور من مصادر متعددة من وجهات النظر. أضف إلى ذلك أن لكل محطة بث توجهها الخاص وولاءاتها مما يصبغ اختياراتها بما يتماشى مع منطلقاتها الخاصة.

خلال الأسبوع الماضي وأنا بعيدة عن الإنترنت، توقفت عن محاولة تبين الخط الفاصل بين الحقيقة وظلالها الإعلامية التي تضخم الصغير وتهمش الرئيسي وتمنح للتقارير المصورة والمسجلة ما تشاء من المعاني وللحوارات ما توده من توجيه أو تعمية؛ واعتمدت على محاولة استقراء الحقائق من وجوه الناس في نشرات الأخبار.

هنا في الوجوه تجد الجواب:

مواكب من الوجوه الحزينة المليئة شقاء، سواء تتابعت صارخة بشكواها, أو جلست صامتة تصغي إلى خطابات الرؤساء فرضت عليها، أو تجمعت خائفة عند الحدود تنتظر الفرار بحياتها من خطر الموت المحيق؛ تؤكد لي تقلصاتها أن تفجر الشوارع فجأة بالحرائق السياسية لا يعني سوى تراكمات من أنين المعاناة وهمهمة الغضب أهملت نتائجها المتوقعة في أجواء عجز المسؤولين عن سماع كل الأصداء وانتقاء فقط ترددات التصفيق المنظم.

وتؤكد لي تقلصات الوجوه أن «تأجج النار من مستصغر الشرر» حقيقة علمية يجب أن تعطيها الأنظمة الرسمية حقها من الاهتمام؛ فحين لا تأخذ الشكاوى الصغيرة بجدية تسمح لها بالتصاعد إلى عواصف تسونامية من أمواج ملتهبة تحرق الأخضر واليابس.

أتابع المتجمهرين في الميادين والشوارع وعند الحدود فأرى تأجج اللهب في قلوب الناس بين من فقد عزيزا غاليا ومن أصيب في بدنه ومن فقد محصلة جهده وكده لسنوات طوال وراء حدود وطنه ليجد نفسه مضطرا للخروج عائدا بشق النفس وخالي الوفاض.

أما وقد احتدم التهاب الشوارع يبقى أن ندعو الله أن يتبين لكل ولي أمر وكل صانع قرار وصفة إطفائها: إن استتاب الأمن واستقرار الشوارع لا يتعلق بفرض كمامات الصمت بل بإعادة صدق الابتسام إلى الوجوه بفرحة الواقع لتتبادل الحوار راضية مرضية.

 

حوار حضاري
قراءة الوجوه
د. ثريا العريض

أرشيف الكاتب

كتاب وأقلام

 

طباعةحفظ 

 
 
 
للاتصال بناجريدتيالأرشيفالإشتراكاتالإعلاناتمؤسسة الجزيرة