Friday  01/04/2011/2011 Issue 14064

الجمعة 27 ربيع الثاني 1432  العدد  14064

  
   

الأخيرة

متابعة

دوليات

الرياضية

الأقتصادية

محليات

الأولى

الرئيسية

 
 
 
 

جدد حياتك

      

أحيانا تمتعنا الذاكرة باستحضار مشاهد قديمة والتحليق في تفاصيلها الجميلة فهي كالنسائم المحملة بالعطر وعذب الرذاذ حاملة في ثناياها أنفاس الأحبة وتغريد البلابل ورائحة الكادي ومن تلك الذكريات التي لا أنساها كانت مع (عبدالرحمن) وهو صديق تعرفت عليه أثناء دراستي الجامعية لقبناه (بالسيم) وذلك لنحافته العجيبة والسيم هو قضيب الحديد شديد الدقة !! وكان السيم شخصا حاد الذهن ثاقب النظرة طبع على الكرم، وجُبل على الأريحية يستمتع بخدمة الآخرين وقضاء حوائجهم وكان يملك شبكة علاقات لاحصر لها من جميع الفئات والأعمار ومن علية القوم وأدناهم فلا تجده في طريق أو في سوق أو في مسجد إلا مسلما أو رافعا يده ملوحا بتحية أو مبتسما لأحدهم، وكنت أحبه وأحب فيه سلامة قلبه وقد علقت حبالي بحباله حقبة من الزمن، وكان من الأصدقاء الذين يملؤون روحي أنسا وسرورا، وحدث لي مع السيم موقفا لن أنساه ما حييت حيث كنا سويا ذات يوم، وكنت حينها قد أهديت سيارة فاخرة من والدي رعاه الله وذلك لاجتهادي وجديتي حسب ما قال ولا أحسب أنني كنت أستحق كل هذا ولكنه حسن ظن وتشجيع منه حفظه الله، أقول كنت برفقة (السيم) نتجول في شوارع الرياض وفي شارع الحزام تحديدا غرب الرياض وبينما نحن نقترب من إحدى الإشارات وإذا بالسيم يصرخ وكأنه ملدوغ يطلب مني الوقوف بمحاذاة سيارة قديمة عفى عليها الزمان تمشي وقد خلفت وراءها ذيلا طويلا من الدخان بدا أن صاحبها ظاهر الضر! واستجبت للسيم وأنا في حيرة أمري، وعندما صرنا بمحاذاة السيارة وإذا بسائقها كهل من جنسية عربية أربى على الخمسين، ارتدى عمامة مهيبة وقد شخص بصره إلى الإمام، فتح (السيم) نافذته ونادى بصوت عال أحسب أن كل من حولنا سمعه (دكتور دكتور) انتبه الرجل وفتح النافذة وقد اكتست محياه علامات الدهشة، سلّم عليه (السيم) وقال: أنا فلان أحد طلابك في المادة الفلانية وهذا ابن خالتي فلان آل فلان (نسبني إلى الأسرة المالكة) وعندها عقدت الدهشة لساني من جراءة (السيم) واندفاعه وأصبحت أحير من ضب في حمّارة قيظ لا أدري بما أتحدث ولا كيف أتصرف، وحدث أن غيّبت لحظات إغراء المشهد صوت العقل وما وسعني إلا تقمص الدور للحظات وترحيل التفاهم مع (السيم) والذي دائما ما تستقر سفنه على مرفأ قانون (اهتبال الفرص)! تغير حال الدكتور وانقلب رأسا على عقب وذهبت تلك الرزانة وتلاشت تلك الهيبة ويبدو أن الطمع استحكم فيه مستشرفا مصلحة وعزا من تلك العلاقة وطفق يبحث في سجلات أسماء طلابه عن عبدالرحمن وبالفعل وجده وقبل أن نغادر المكان ودّع الدكتور عبدالرحمن بتحية حارة، تحية أب لابن مفارق! وانتهى الموقف ووجهت للسيم عتبا شديدا ولكنه لم يأبه ولم يتحرك فيه ساكن، فما ندي وجهه عرقا، وما أشاح به خجلا وقد تساوى لديه حديثي وصمتي! مضت الأيام واتصل علي (السيم) وقال خالد: الدكتور يسلم عليك، وقد قلت له إن طويل العمر (يقصدني) يبلغك السلام وهو الآن في يخته في (كان) وبمجرد عودته سنزوره سويا في القصر (سامحك ربي، اليخوت والقصور لا أعرفها والله إلا من الصور) وأحسب أن الدكتور تخيلني باب المكارم وغيث المراحم ونادرة الزمان كرما وجودا (وقد عادت آماله لاحقا أقلص من ظل حصاة)! ثم تابع السيم حديثه قائلا: ببركاتك وبركات (سيارتك) التي درت لي عظيم المنافع فقد أهداني الدكتور سني الهدايا وأصبح لا يناديني إلا بالشيخ ويتجاوز عن غيابي وتأخري بل وشفاعاتي أصبحت مقبولة وأكمل تلك الحفاوة في آخر السنة بتقدير ممتاز في مادة أجزم أن السيم لا يفقه شيئا فيها، وهذا الموقف يحمل جزءا من ثقافة مجتمع نراها وبشكل دائم حيث الافتتان بالمظاهر وتقدير المناصب وتعظيم الألقاب ونسمع عن كثير تنجز معاملتهم وتحترم هيئاتهم بمجرد ارتدائهم للبشت أو انتسابهم لعوائل معينة ! ولا يمكن بحال أن يكون المظهر أو الاسم ميزانا للفضل فالإسلام يضرب بهذه المقاييس كلها عرض الحائط والحقيقة الكامنة في خبايا الروح أعمق مكانا وأدق فهما من أن تتناولها نظرة عابرة ولقطة سريعة فالبشر في نظر الإسلام لا يميزهم شكل ولا جاه ولا سلطان ولا مال ولا ثروة وإنما يتمايزون بالعلم والتقوى، فما أحوجنا لبشر ينظرون للآخرين ببصائرهم لا أبصارهم فيرفعون من يستحق الرفع ويخفضون من يستحق الخفض!

ومضة قلم:

لا تكن أسهل ما في الحياة ولا أصعب ما فيها، ولكن كن أنت الحياة بأسمى معانيها.









khalids225@hotmail.com
 

فجر قريب
السيم
د. خالد بن صالح المنيف

أرشيف الكاتب

كتاب وأقلام

 

طباعةحفظ 

 
 
 
للاتصال بناجريدتيالأرشيفالإشتراكاتالإعلاناتمؤسسة الجزيرة