Monday  04/04/2011/2011 Issue 14067

الأثنين 30 ربيع الثاني 1432  العدد  14067

  
   

الأخيرة

منوعات

دوليات

الرياضية

الأقتصادية

محليات

الأولى

الرئيسية

 
 
 
 

محليــات

      

مهاتير محمد، رئيس وزراء ماليزيا أصبح اسما بارزا في عالم السياسة والمال ابتداء من عام 1981م حينما تولى رئاسة وزراء ماليزيا، وظل بارزاً عالمياً حتى بعد ترك منصبه عام 2003م، وهو في أوج نشاطه ونجاحه، بل أصبح من الأسماء التي يشار إليها بالبنان في مجال الإصلاح السياسي والاقتصادي.

إنه «محاضر محمد» الذي أصبح اسم شهرته «مهاتير محمد» بكل ما قام به في ماليزيا من تجربة رائدة حقق الله بها على يده نزول نسبة البطالة إلى 3%، ونزول نسبة من هم تحت خط الفقر من الماليزيين من 52% عام 1970م إلى 5% عام 2002م.

وبكل ما عُرف عنه من محاربة للعولمة بمفهومها الغربي «الأمريكي» حتى عدَّها من أكبر مخاطر العصر التي تواجهها الدول الصغيرة، والشعوب الفقيرة، ويُصلى بنارها العالم الإسلامي كله.

حينما تستعرض ما يكتب في مجال التطوير السياسي والمالي من مقالات وكتب، وما يعرض من برامج ودورات تدريبية في أنحاء العالم تجد هذا الاسم «مهاتير محمد: موجوداً وجوداً إيجابياً يؤكد مدى الإعجاب به وبمشروعه الإنمائي الإصلاحي الذي حققه في ماليزيا حتى أصبح ما نسبته 80% من السيارات التي تجوب شوارع ماليزيا مصنَّعاً فيها، من إنتاج مصانعها المتطورة.

كل ذلك جميل، ولكن الأجمل فيما يخص «مهاتير محمد» بالنسبة إليَّ ما قاله في لقاء صحفي قبل حوالي ثلاث سنوات من كلام سلس متناسق يدل على خبرة كبيرة، مع تواضع جمٍّ ظهر جلياً في إجاباته عما كان يطرح عليه من أسئلة، لقد كان موضوعياً إلى درجة تلفت النظر وتثير الإعجاب، كما كان هادئاً في عباراته، دقيقاً في تحديد المعاني والأفكار التي يطرحها، حريصاً على تأكيد دور فريق العمل المتكامل الذي قام بالتطوير والإصلاح في ماليزيا، متنصلاً من دور الفرد الواحد، مستنكراً على السائل -بطريقة مهذبة- إسناد التطوير والإصلاح إليه وحده.

أما الأجمل من هذا الأجمل فإجابته الرقيقة الرشيقة حينما سُئل عن سبب تخليه عن منصبه بالرغم من إصرار الماليزيين على بقائه، ومطالباتهم القوية له بالاستمرار، وهي إجابة لامست شعوراً خاصاً في نفسي لأنها -في معناها- تُشبِه الوصايا التي سمعتها مباشرة من جدَّتي لأمي ووالدتي -رحمها الله ورحم موتى جميع المسلمين- حيث قال، إجابة عن ذلك السؤال: إنني نفَّذت وصية أمي التي قالت لي: (حينما يكون الطعام لذيذاً، فإن عليك أن تتوقف عن الأكل حتى لا تصاب بالتخمة).



سكت السائل -كما أتوقع- منبهراً من هذه الإجابة السلسلة القريبة من النفس البعيدة عن التكلف، وكأنها قد هبطت بالمقابلة من أجوائها السياسية والاقتصادية المفعمة بالبريق والصخب، إلى أرضٍ صلبةٍ من الحكمة والتواضع والبعد عن البهرج، وهكذا تكون الكلمات اليسيرة الصادقة أبلغ من خُطب رنانة، وعبارات مصطنعة متكلَّفة تنتفخ كالبالون يسر الناظرين، ولكنه لا يضم إلا هواء سرعان ما يتفرَّق حينما يجد من ذلك البالون مخرجاً.

كانت جدتي تؤكد أن الطعام اللذيذ يمكن -إذا أسرف فيه الإنسان- أن يكون سبباً في «الخطر، أو الخاطر» أي: التخمة الشديدة التي تضر الإنسان وربما أمرضته، وعرَّضت حياته للخطر، كما كانت تقول، وأمي تؤكد ما تقول: الدنيا ناقصة، ولا يمكن لأحد أن يجد فيها الكمال، فإذا رأيتها تقبل وأنت تنساق إليها، وعقلك يغيب معها، فتوقف، وراجع نفسك، وفكِّر في آخرتك قبل دنياك، فكم من مسرف في طعام أعجبه كان سبباً في هلاكه، ولقد رأيت عشرات المرات كيف تموت الأغنام المسرفة في المرعى أمام أعيننا.

كل هذا الكلام الجميل والأجمل ذكَّرني بما هو أجمل وأجمل وهو الحديث النبوي الشريف الذي رواه أبوسعيد الخدري رضي الله عنه قائلاً: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فخطب الناس فقال: «لا والله ما أخشى عليكم -أيها الناس- إلا ما يُخرج الله لكم من زهرة الدنيا» فقام رجل فقال: يا رسول الله، أيأتي الخيرُ بالشرِّ؟ فصمت الرسول عليه الصلاة والسلام ساعة ثم قال: «كيف قُلت»، قال: قلت يا رسول الله: أيأتي الخيرُ بالشرَّ؟ فقال عليه الصلاة والسلام: «إن الخير لا يأتي إلا بخير، أو خيرٌ هو؟ إن كل ما يُنبتُ الرَّبيعُ يَقتُلُ حَبَطََاً أو يُلمُّ، إلا آكِلَةَ الخَضِر، أكلت حتى إذا امتلأت خاصِرتاها استقبلت الشمس ثَلَطَتْ، أو بالَتْ، ثم اجترَّت فعادت فأكَلَتْ، فمن يأخُذُ مالاً بحقِّه، يُبَارَكْ له فيه، ومن يأخذ مالاً بغير حقِّه، فَمَثلُه كمثل الذي يأكل ولا يشبع».

إن في هذا الحديث من البيان والتصوير البلاغي ما ينبهر به القلم فيتوقف تقديراً وإجلالاً، وليس هذا مقام شرحه، ولكنه يؤكد أن الإسراف في لذائذ الدنيا مهلك للإنسان، كما أنَّ إسراف الدابة في أكل ما ينبت الربيع من الكلأ الجميل يكون سبباً في هلاكها.

إشارة:

المعدة بيت الداء، والحِميَةُ رأسُ الدَّواء.

 

دفق قلم
مهاتير محمد والتُّخمة
د. عبد الرحمن بن صالح العشماوي

أرشيف الكاتب

كتاب وأقلام

 

طباعةحفظ 

 
 
 
للاتصال بناجريدتيالأرشيفالإشتراكاتالإعلاناتمؤسسة الجزيرة