Monday  09/05/2011/2011 Issue 14102

الأثنين 06 جمادىالآخرة 1432  العدد  14102

  
   

الأخيرة

منوعات

دوليات

الرياضية

الأقتصادية

محليات

الأولى

الرئيسية

 
 
 
 

متابعة

 

أم عبدالملك ليلى العَارِفيَّة
د. يوسف حسن العارف

رجوع

 

«فاتحة»

«في حضرة الموت...

ينتهي كل شيء..

كل شيء..

ولا يبقى سوى الموت!!»(1)

(2) منذ أن تعلق المرض بجسدها، واكتوت بالآلام، ومراجعة المشافي، وتدهورت صحتها شيئاً فشيئاً، كنت أزورها مخففاً آلامها، وداعياً، فكنتُ أذكرها بأنشودة مدرسية تحفظها وأحفظها ويحفظها كل جيلنا الذي تمدرس على تلك المناهج:

«أختي الكبرى ما أحسنها

قد غمرتني بمحبتها

تأتي صبحاً وتنبهني

وتصبحني ببشاشتها

وإذا غابت أمي عني

قامت أختي بوظيفتها»

أنشدها بين يديها، وتردد معي فتسعد وتزداد سروراً لأنني ذكرتها بماضي طفولتها أيام «الذيبة» وبني سعد..

أيام «حامد العكش.. ومحمد الضفيني.. وساعد بن عقيل.. وعواض القصير وشرف بن مشني» أولئك الأخيار!!

أيام «اللبَّة» و»سِدَّان حسين» و»مفروق»!!

أيام «قضَّ العنب» و»حماية الحماط» من الطيور!!

أيام «حنييلة» و»مستوره» و»حمده» وكل سيدات المجتمع القروي في تلك الديار التي شهدت بعض طفولتنا وصبانا!!

أختي الكبرى ما أحسنها

كم غمرتني بمحبتها

(3)

أذكر حياتها راعية للغنم في «مفروق» و»النصُّبُ» و»أبوسليلا» وأذكرها جالبة للماء من «كظامة» و»أم العنق»...

وأذكرها قارئة للقرآن في المسجد الجامع على يدي والدها «المطوع» أبي «حسن العارف» رحمه الله!!

أذكر ذلك كله، وأذكرها به فتورق الدموع على مقلتيها وتتنهد على ذلك الزمن الجميل!!

(4)

ذات مساء وردي/ مورق بالمسرات، زرتها في بيتها، وبين أولادها وأحفادها، ذكرتها بأيام خلت في «الذيبة»، ذكرتها بطفولتي المدرسية وأنا ابن التاسعة أذهب راجلاً إلى مدرسة بعيدة وأعود مرهقاً/ متعباً فتقابلني بسعادة الأمومة فتحمل عني كتبي وحقيبتي ذات الوزن الثقيل، وربما حملتني حتى نصل البيت!! ذكرت ذلك فابتسمت علامة الرضا، قالت أولم تنس «يبوسلطان» قلت: وهل يُنْسَ الجميل والمعروف؟!

أختي الكبرى ما أحسنها

كم غمرتني بمحبتها

(5)

وعلى فراش المرض، يتمنى المريض من زواره أن يؤانسوه، ويمازحوه، ويذكروه بما يحب ويشتهي من قصص الأيام الخوالي فترتسم البهجة والحبور على محياه!! كانت ليلى وكنت كذلك!!

ذات زيارة ذكرتها بقصة بحثي عن الزوجة!! وكانت -رحمها الله- تسعى لتزويجي وتبحث لي عمن أخطبها، وكان لي شروط تعجيزية، فذكرتني بقصة في تراثنا العربي تحفظها ولا تفتأ تذكرني بها، وتحكيها لأولادها وبناتها، إنها قصة أبو دعيبس وزوجته التي ورد ذكرها في الأغاني للأصفهاني. ترويها أختي ليلى -رحمه الله- فتقول شعراً:

«بعث امرؤ لأبي دعيبس مرة

برسالة يُبْكِي ويضحك ما بها

ويقول فيها أريد منك صبية

حسناء معروف لديكم أصلها

وكذاك مال وافر متكاثر

تعطيه من بعد الزواج لبعلها

وتكون أيضاً في وفاء نادر

تمشي وتتبعني وتترك أهلها

قد أحرزت في العلم خير شهادة

وعلى النساء تفوقت بجمالها

فردَّ أبو دعيبس:

وافى كتابك سيدي وقرأته

وعرفت هاتيك المطالب كلها

لو كنت ألقى ما تقول فإنني

طلقت أم دعيبس وأخذتها!!

رحمك الله يا أختي -ليلى- كنت ذكية، قارئة ومطلعة في التراث، تقية، نقية، أم ولا كل الأمهات، أعطت بناتها كل الأمان والحماية والرفق واللين، الآن يدركن قيمة الأم، والآن يشعرن بالفقد والحرمان!!

(6)

ليلة الموت.. ليلة استثنائية في حياتي!!

زرتها وهي في غيبوبة، قرأت عليها، دعوت لها، قبلت جبينها، أدركت أن ساعتها أزفت، ودعتها في منتصف الليل وقبيل الفجر جاءني نبأ وفاتها رحمها الله (الاثنين 9-4-1432هـ).

تذكرت حينها كيف فاضت روح أمي -رحمه الله- وهي عند قدميها نقرأ عليها «يس والقرآن الحكيم»، تذكرت كيف كانت لأبي عند وفاته بارة صابرة، تذكرت أمومتها وبنوتها، كانت كل شيء رحمها الله وأسكنها فسيح جناته!!

أختي الكبرى ما أحسنها

كم غمرتني بمحبتها

(7)

في العزاء، جمع غفير من الزملاء والمحبين اتصلوا، حضروا، شاركوا في الدفن، شكر الله سعيهم وأثابهم ولا أراهم مكروهاً في عزيز لديهم.

وفي العزاء تذكرت المقابر، والأموات فتساءلت مع الشاعر القديم:

«طلبت من المقابر لي جوابا

وكيف يجيب من سكن الترابا

أناس غيبوا في الأرض عنا

وصار الترب دونهم حجابا

ربائب نعمة جيران دودٍ

دماؤهم لها أضحت شرابا

وقد كانت لهم فيها ثياب

فأبلا تربُهم تلك الثيابا»

وفي العزاء كتب أخي محمد العارف يعزيني ويعزي نفسه المكلومة:

«سأرسل للأحبة في عزائي

رسائل دمعها يجري سيولا

أقول بها بأني في بلاءٍ

أزيل الدمع لكن لن يزولا

توفت أختنا نبع الوفاءِ

فأسأل خالقي المولى الجليلا

بأن يعظم لها خير العطايا

وأن يجعل لها ظلاً ظليلا

رحم الله أختي الكبرى «ليلى» فقد كانت مظلة تحمي الجميع وألهمنا الصبر والسلوان إنه على كل شيء قدير.

خاتمة:

في حضرة الموت..

ينتهي كل شيء..

ولا يبقى سوى الموت!!

ومطلع قصيدة فاض بها شجني المورق حروفاً رثائية:

بكاكِ القلب «يا ليلاي» فقداً

وأبكاني -على الكبرِ- الرحيل

ذرفت دموع عيني في اصطبارٍ

فزادَ الحزنُ، وازداد العويل

وقلتُ -من التوجع- ليت شعري

أيجمد حرفه أم قد يسيل؟!

مضت أيامنا تجري سراعاً

وأتعبنا الطريق فلا دليل

وماتت «أختنا» يا ويل قلبي

فقدنا النور، وانقطع السبيل

ولكنَّ العزاء دعاء رب

غفور، دأبه الصفح الجميل

إنا لله.. وإنا إليه راجعون!!

ورحمكِ رحمة الأبرار المتقين.

 

رجوع

طباعةحفظ 

 
 
 
للاتصال بناجريدتيالأرشيفالإشتراكاتالإعلاناتمؤسسة الجزيرة