Tuesday  10/05/2011/2011 Issue 14103

الثلاثاء 07 جمادىالآخرة 1432  العدد  14103

  
   

الأخيرة

منوعات

دوليات

الرياضية

الأقتصادية

محليات

الأولى

الرئيسية

 
 
 
 

محليــات

      

(الآفة) في القرآن والمعاجم هي: ما يفسد أو يضر.. وجمعها آفات. وآفة القوم قد تأتي في أفعالهم وهذا سيئ. والأسوأ أن تأتي في أقوالهم وأفعالهم فنحن في عصر الكلام والإعلام: كلمات كثيرة تنتهي بـ»آفة»: الثقافة واللقافة والسخافة والصحافة.. وكلها تتعلق بساحة الكلام المباح والصراح والمستباح وغير المباح. وكفعل أمر, المفردات: ثق تعني تأكد, والقِ تعني ارمِ, واسخِ تعني كن كريماً, وأصح تعني تيقظ. ولكنها بإضافة «آفة» تحمل أهدافاً أخرى غير محددة تحيلها وسيلة مفتوحة الإمكانيات إذا وقعت بيد من لا يكترث بالمسؤولية قد تمسي أداة قتل لحاملها والمحمول عليه.

وقد تابعت مؤخراً التعليقات حول تعديلات النشر وعقوبات النقد الموجه إلى الأفراد ما يدخل تحت مسمى التنابز بالألقاب المنهي عنه في الشرع بكل وضوح. وتابعت الكثير من ردود فعل زملاء وزميلات القلم معبرين عن الانزعاج من فحوى التعديلات. وأنا معهم في نفوري من الرقيب الخارجي الذي قد يكون جباناً فيمنع كل ما يأتي به «جهينة» أو «حذام», أو يمارس الخوف من الحبل قبل أن تلدغه حية. ولكني أدرك أيضاً أن الالتزام بحدود وآداب النقاش في حوار حضاري مهارة دقيقة كالرقص على حبل رفيع مشدود في فضاء الإعلام؛ مهارة تدجين طاقة بدائية عفوية لتغدو تفاعلاً حضارياً؛ ولا يملك عنانها كل من أمسك قلماً أو امتلك لوح مفاتيح كومبيوتر وضمن مساحة للنشر أو للتعليق.

ما نعايشه اليوم هو أنه كثيراً ما يتدهور مستوى التعبير من الكاتب أو المتكلم أو الخطيب في وسيلة مرئية أو مسموعة أو حتى التعليق من قارئ؛ إلى تجريح شخص مستهدف وليس مناقشة رأي في قضية مجتمعية أو أدبية أو تفسير تعليمات. وفي التجريح لذة مغرية ومتعة آنية كرد فعل تحت تأثير المسكر يفضلها البعض على النقاش بنكهة القهوة العربية المعدة على أصولها. بل قد تكون القضية مجرد مسمار جحا يعلق عليه الأهم لهم من القضية وهو فرصة ممارسة التهجم والتشهير والتجريح واللغة البذيئة مفضلة على أدبيات الحوار والخطاب العام.

وتذكر تعليمات القول الكريم:{وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى}.. ولكن العدل لا يعني التطفيف في ميزان المحكي عنه, والجرأة في الحق لا تعني البذاءة والصراحة لا تعني الوقاحة والشجاعة لا تعني البجاحة.

حالنا في الساحة الإعلامية اليوم أن الكاتب والناشر واضح للجميع ومعروف ومسؤول عن ما يقول ويجيز. والقارئ عابر تحت طاقية إخفاء إلا إن شاء أن يخلعها ليعرف نفسه. وفي كل حال قد يمارس حرية مزيفة تصور له أن الثقافة هي اللقافة والسخافة. أيّ يحولها إلى معنى آخر المشترك فيه هو كونه أو احتواؤه «آفة».

أعرف حقيقة بسيطة لا أشك أن الغالبية توافقني عليها: المعيار الحقيقي لقيمة أيّ شخص ليس ما يظن أنه يرسمه عن نفسه للناس بل كيف تجسد أفعاله حقيقته الفعلية. أيّ ببساطة لا شيء يؤكد أن شخصاً ما يستحق كل الاحترام إلا أفعاله وأقواله. وبالمثل لا شيء يؤكد أن آخر لا يستحق أيّ احترام إلا أفعاله وأقواله.

وكان يكفي أن أقول: جميل أن نتفاعل مع النوع الأول ونتداول معه جوانب المستجدات والفكر والشؤون والشجون العامة, فننمو معاً فكرياً بالحوار ونسمو إلى مستوى راق من التواصل والتفاعل. والأفضل تجاهل النوع الثاني كي لا تنزل إلى مستواه من الثقافة المفقودة وفاقد الشيء لا يعطيه. ولكن التعديلات الجديدة أخذت الزمام بيديها وحظرت الإساءة باسم النقد.. فكفتنا شر القتال.. والتفكير الفردي والخيار وتحمل مسؤولية الاختيار. ويبقى شيء من حتى؛ قل لي من تعجب به وسأقول لك من أنت. فلا شك أن الطيور على أشكالها تقع.. أو على الأقل تعجب بمن يماثلها أو من تود السير على منواله؛ ومن يعجب بالأهوج هو شخص سطحي متهور.. ومن يعجب بالطيب شخص طيب. ولا يعجب بالآفة إلا موتور.. أو تافه.

 

حوار حضاري
في نشر وحظر (الآفة)
ثريا العريض

أرشيف الكاتب

كتاب وأقلام

 

طباعةحفظ 

 
 
 
للاتصال بناجريدتيالأرشيفالإشتراكاتالإعلاناتمؤسسة الجزيرة