Monday  16/05/2011/2011 Issue 14109

الأثنين 13 جمادىالآخرة 1432  العدد  14109

  
   

الأخيرة

منوعات

دوليات

الرياضية

الأقتصادية

محليات

الأولى

الرئيسية

 
 
 
 

الرأي

      

فكرة مقالي السابق قوبلت بالاحتجاج على ادعائي بأن العمليات الإرهابية لا تستند على التشدد الديني، وإن كان بعضها من منظمات إرهابية متشددة دينياً، فهذه العمليات ليست وليدة تشدد

فكري بل وليدة مناخ عولمي، فالإرهاب هو من الأعراض الجانبية للعولمة.

المعترضون على هذه الفكرة «البودريارية» يستندون على عبارة أصبحت كالبديهة، في ربط الإرهاب العالمي بالتشدد الإسلامي، وهي: «ليس كل المسلمين إرهابيين، ولكن (تقريبًا) كل الإرهابيين مسلمون». فهل هذا صحيح؟ الأرقام تقول أنها بعيدة تماماً عن الصحة.

في مقال مشهور لمدون اسمه دانيوس (Danios) بعنوان طريف: «جميع الإرهابيين من المسلمين... ماعدا 94% منهم»، استعرض الوثائق الرسمية لمكتب التحقيقات الفيدرالي موضحاً أن 6% فقط من الهجمات الإرهابية على الأراضي الأميركية من عام 1980 إلى 2005 نفّذت من قبل المتطرفين الإسلاميين، أما البقية فكانت من أطراف أخرى كالأمريكان اللاتينيين، والمجموعات اليسارية المتطرّفة. وتوضح تقارير اليوروبول (الشرطة الأوربية) للأعوام 2007 و2008 و2009، أن 99.6% من الهجمات الإرهابية في أوروبا نفذت من قبل مجموعات غير إسلامية.

وبالرجوع لموقع اليوروبول وتقريرها الأخير عن حالة واتجاه الإرهاب في أوروبا لعام 2010.. نجد التالي: عدد الهجمات الإرهابية 249 هجمة، راح ضحيتها سبعة أشخاص وتم اعتقال 611 فرداً. أما عدد العمليات من الحركات الإسلامية فهو 3 هجمات، في حين بلغ 160 هجوماً من الحركات الانفصالية، و45 هجومًا من الجماعات اليسارية والفوضوية. أما تقريرها للعام الذي قبله فيوضح أنه حدث 294 نشاطًا إرهابيًا، واحد منها فقط من جماعة إسلامية.

كيف ارتبط الإرهاب العالمي بالإسلاميين فقط، قد يعود ذلك جزئياً للحدث الفاقع الذي تجاوز التصور في الحادي عشر من سبتمبر بنيويورك، مما هيأ الخيال لتقبل التصور النفسي بربط كل الإرهاب القادم بالحركات الإسلامية. فقبل هذا التاريخ كان ينظر للإرهاب كنتيجة لأعمال العنف من كافة الجماعات المتطرفة وليس الإسلامي فقط، مثل تفجير مبنى أوكلاهوما، ومثل إطلاق غاز السارين السام بمحطات مترو الأنفاق بطوكيو.

ويبدو أيضًا أن الإرهاب عندما يظهر من منظمات متطرفة داخل نفس بلدها الذي تنتمي له لا تبدو مستغربة، ولكن عندما تظهر من جماعات أجنبية يلتفت العالم لها مثلما يفعل الإسلاميون المتطرفون في الغرب.. فلو تصورنا أن جماعة دينية غير إسلامية متطرفة قامت بعمل إرهابي في بلد مسلم، سيكون لها ضجيج إعلامي كبير، على طريقة عض رجل كلباً.

التصور الشائع بأن العمود الفقري للإرهاب العالمي هو الجماعات الإسلامية المتشددة، وأن العنف السلوكي لها هو نتيجة التطرف الفكري، أدى إلى شيوع استنتاج يعاد مرارًا وتكراراً، بأن الحل السحري للإرهاب يجمع بين الحل الأمني والحل الفكري، وهذا الأخير يعني تصفية الفكر المتشدد. هذا التنظير المنطقي في الربط بين العنف والفكر يبدو مقنعاً لأول وهلة، لكننا لم نلحظ طوال السنوات العشر الماضية أن وتيرة الإرهاب تقلصت على مستوى العالم رغم تجفيف المنابع الفكرية والمالية والسياسية والإعلامية والتعليمية له، كما أن بلداناً عربية كان مناخها الفكري والإعلامي والتعليمي بعيداً تماماً عن التشدد الديني ومع ذلك انتشر بها الإرهاب أكثر من غيرها من مجتمعات محافظة جدًا.

من المفيد أن نخرج من هذا الصندوق الذهني، ونبحث عن المشكلة في مكان آخر أو علاقة أخرى غير تلك العلاقة الآلية البسيطة بين السلوك والفكر، أو بين الإرهابيين والمناهج الدراسية، خارج الصندوق نجد العولمة الرأسمالية الشرسة وعزلها للمعترضين عليها ليظهر منهم أقليات انتحارية، ليظهر الإرهاب الفوضوي ضد الإرهاب المنظم.

فالعولمة تتمثل بإحدى صورها في تسليع الأشياء، تحوِّل كل شيء إلى بضاعة، حتى مشاعر الإنسان أصبحت مجرد سلعة، وأصبح على كل عمل إنساني لا يخدم أرباح الشركات، إما أن يتكيف مع المنطق الربحي أو يندثر؛ من الأبحاث العلمية إلى الأدب والفن والرياضة مروراً بالفلسفة والتأريخ، عليها أن تؤسس عملها على مبدأ الربح، فلا مكان للإبداع ما لم يكن مربحاً.. لقد تحول هذا المفهوم الاستلابي إلى دكتاتور باسم الديمقراطية! فباسم الحرية التجارية يتم التنازل عن الجدارة.. وباسم الشعبية يتم التنازل عن التميز.. وباسم الأغلبية يتم التنازل عن الأقليات.. وباسم الازدهار الاقتصادي يتم التنازل عن الفقراء.. وفي نهاية المطاف وجدنا أن الفقراء يزدادون فقراً والأغنياء يزدادون غناء!

فهل سيستسلم العالم إما لشراسة العولمة أو وحشية الإرهابيين؟ كيف نتحرر من آليات العولمة الرأسمالية؟ وكيف يمكن للثقافة أن تقاوم سياقات العولمة واستلابها للوعي العام؟ كيف يمكن أنسنة العولمة؟

هناك محاولات إجابة متنوعة ومختلفة لا يتسع المجال لها.. إنما أشير لأهمها، مثل أعمال مناهضي العولمة، فهناك من يرى أن العولمة من فوق، التي تتزعمها الشركات متعددة الجنسية، يمكن مجابهتها بعولمة من تحت عن طريق التضامن الشعبي (جيري بريشر، تيم كوستيلو، براندان سميث)، ونحن نرى مثل تلك النشاطات في ما يسمى المؤتمرات البديلة.. ويشابههم من يطالب بإنشاء بنوك معرفية للجماهير (ليوتار وسيد سلامة).. ومن يرى أن مقاومة العولمة الرأسمالية تتم بمناقشة وفضح أساليب الهيمنة التي تمارس في صيغ ثقافية، ثم تتحول هي نفسها إلى سلطة، فينبغي كشفها وتعريضها للجميع، ومن ثم التأثير على الرأي العام.. مثل ما يفعل هذه الأيام تشومسكي وآلان تورين.. ومثلما فجرت ويكيليكس ثورة إبداعية سلمية وقانونية هزت أنظمة عولمية.

وقبل أسابيع ذكر المفكر الفرنسي إدغار موران أنه رغم ضعف الإنصات للمثقف المعارض للعولمة، فقد يحدث أحيانًا وبشكل غير منتظر أن تجد رسالة المثقف إشعاعها، كما حصل مع ستيفان هيسيل الذي أصدر كتابًا من عشرين صفحة عن دار نشر صغيرة وبعنوان: «استنكروا» وبيعت منه مليون نسخة في فرنسا، وكانت بمثابة الشرارة.

عمومًا، المجتمعات البشرية أثبتت عبر التاريخ أنها قادرة أن تبدع حلولها لمتاهات في طريق حضارتها، وها نحن رأينا كيف نجحت ثورتا تونس ومصر السلميتان بسلاح عولمي إلكتروني (الإنترنت، الجوال، الفضائيات) لا، لن يتوقف الإنسانيون عن العمل على أنسنة العولمة المتوحشة، لكن المهم هو اختصار زمن المتاهة ووضع خريطة طريق تحليلية كي لا نضل كمتاهة العشر سنوات الأخيرة، رابطين كل أو أغلب الإرهاب بالفكر الإسلامي المتشدد.

alhebib@yahoo.com
 

خارج الصندوق
د. عبد الرحمن الحبيب

أرشيف الكاتب

كتاب وأقلام

 

طباعةحفظ 

 
 
 
للاتصال بناجريدتيالأرشيفالإشتراكاتالإعلاناتمؤسسة الجزيرة