Sunday  22/05/2011/2011 Issue 14115

الأحد 19 جمادى الآخرة 1432  العدد  14115

  
   

الأخيرة

منوعات

دوليات

الرياضية

الأقتصادية

محليات

الأولى

الرئيسية

 
 
 
 

الرأي

      

عندما لفت نظري أول خبر مطوّل أقرؤه عن هذه الرواية (رقص) في ملحق الأربعاء الأدبي.. قبل عام أو يزيد، لكاتبها الناقد والأديب الفنان: الأستاذ الدكتور معجب الزهراني.. كان يستقر في خاطري - وعلى الفور - بأن الدكتور معجب قد آثر السلامة، والانسحاب من وجع الدماغ الدائر بين

الأصوليين والعلمانيين.. أو المتشددين والليبراليين.. والتهم الغليظة التي يكيلها هؤلاء لأولئك، والذي كان للدكتور معجب - نصيب الأسد منها - ليقفز أو يهرب إلى عالم (الرواية)، حتى يكتب ما يشاء.. ويقول على لسان أبطاله فيها ما يريد دون أن يحاسبه أحد أو يتربص بما يقوله أحد، باعتبار أن (الرواية) هي في البداية والنهاية عمل أدبي خالص.. «أحداثها» أقرب إلى الخيال منها إلى الواقع، و»أبطالها» هم في العادة من صنع خيال المؤلف وربما التقطهم من معايشاته القريبة أو البعيدة لبعض «واقعه»، ولذلك.. فلا لوم ولا تثريب على مؤلفها، ولا محاكم تنعقد له في السر أو العلن.

كنت مشتاقاً لقراءة «الرواية» دون شك.. لأتعرف على أي (رقص) وأية رقصة كان يتحدث أخي وصديقي العزيز الدكتور معجب؟ أعلى (رقص) الفرح والسعادة والاحتفال بيوم النصر.. أم على رقصة الطائر المذبوح من الألم..؟

لكن «الرواية» لم تصلني.. ولم أصل إليها في حينه - وبكل أسف - وقد ذهب بي الاعتقاد.. بأن عنوانها (رقص) سيكون في مقدمة أسباب منعها من التداول في أسواقنا ومكتباتنا، فإذا كان «التصوير الفوتوغرافي» - مايزال يقع في شبهة التحريم عند غلاة المتشددين، و»الموسيقى» و»الغناء» تقعان عندهم وحتى عند أنصافهم.. في مرتبة التحريم الكاملة.. فما بال الـ «رقص» والحديث حوله ونشر رواية بطولها عنه؟!

لكن ظروفي الحسنة.. شاءت أن تجمعني بـ «مؤلفها» الدكتور معجب عند قدومه إلى جدة - في شهر فبراير الماضي - للمشاركة في إحدى فعاليات ناديها الأدبي، فكان أن وصلنا ما انقطع من أحاديث (مقهى الرحيل) بباريس التي شاركنا وأمتعنا فيها الدكاترة والأساتذة عبدالعزيز السبيل وغازي مكي وعبدالله الخطيب وأحمد الدهمان صاحب رائعة (الحزام).. فكان أن سألته: وأين نسختي من رواية (رقص)..؟

فدهش، وهو يسألني: ألم تقرأها..؟

قلت: بل ولم أرها بعد..؟

فقال: من حسن الحظ.. أن في صحبتي نسخة أخيرة منها، وليس هناك من هو أحق بها منك.

لأطير.. بعد وداعه على أمل اللقاء به مجدداً في الرياض أو في جدة، ولأفرغ من فوري لـ «التعرف» على «الرواية» تمهيداً لـ «قراءتها».. فأكتشف أنه بدأ وانتهى من كتابة نصها في عام إعارته لجامعة السوربون - بين عامي 2007م، 2008م - لتدريس الرواية في العالم العربي.. لطلبتها، بل وإنه كان يكتبها أثناء اللقاء به في (باريس)، ولكن حيطة (الفلاح).. غلبت المثقف فيه. فلم يعلمنا، ولم يطلعنا على ما كان يفعل. بل ولأكتشف ما هو أجمل: ففي ذات المقهى.. (مقهى الرحيل) بالحي اللاتيني الذي التقينا فيه آنذاك، بدأ كتابة «الرواية» في الثالث عشر من سبتمبر 2007م.. وفيه انتهى من آخر سطورها في الخامس عشر من سبتمبر من العام الذي يليه، وهو ما ذكرني بما علمته آنذاك من أن أدباء فرنسا وكتابها العظام لا يجدون غضاضة من كتابة أعمالهم الأدبية في المقاهي والمطاعم.. وكما كان يفعل أحد أشهر أدبائهم (فولتير)، الذي كتب أحد أعماله على مائدة من موائد مطعم ومقهى (لو بروكوب).. فحافظ المطعم والمقهى عليها وإلى يومنا هذا.. ليفعل الدكتور معجب - أو (مسيو زاراني) كما ينطق الفرنسيون اسمه - مثلما كان يفعل أدباء فرنسا وكتابها، فقد كان عشقه لـ «فرنسا» عامة و»باريس» خاصة.. يتخلل مسام جلده..!!

***

على الغلاف الأول من «الرواية».. كانت هناك لوحة انطباعية - كما قال - من أعمال ابنته «آمال».. سماها (رقص)، وعلى الغلاف الأخير منها.. كانت هناك لوحة أخرى لها سماها (أمي)، فكان لابد من توجيه كلمة (حب) من أب لـ «ابنته».. في ختام (إيضاحه)، الذي كشف فيه بإيجاز موضوعي عن أسباب مغامرته في كتابة روايته الأولى هذه، فـ «الحكايات القديمة» التي امتلأت بها صفحات حياته وخياله ووعيه كانت ترافقه دائماً وأبداً وإلى كل المدن الفرنسية وغيرها.. لكن مدينته الفاتنة (باريس) هي التي أغوته وأعانته على أن يستنطق بعضها لتكون هذه الرواية التي لم يكتب فيها كلمة (على غير هواها وفي غير ضوئها)، وهو يشكر صديقه الأستاذ الدكتور (بطرس حلاق) الذي دعاه لأن يكون (أستاذاً زائراً بجامعة السوربون الجديدة).. دون أن يثقل عليه بشيء يحرمه (من متعتي الكتابة والسفر) كما قال.

وإذا كان الدكتور معجب قد بدأ الصفحة الأولى من روايته بـ «مثل إفريقي» يقول: (من يتكلم سيغني.. ومن يمشي لابد وأن يرقص) ليشيع أجواء إفريقية راقصة تمهد لعنوان روايته عند قارئها، إلا أن الرواية - لم تبدأ بالحديث عن (الرقص) إفريقياً أو غير إفريقي، ولا عن سنة إعارته لـ «جامعة السوربون».. ولكنها بدأت صفحاتها بالحديث عن سنوات ابتعاثه الأولى لـ «السوربون» لتحضير درجتي الماجستير والدكتوراه (نعم يا وجوه الخير.. كان لابد من السفر ولو على ظهر جمل أجرب)، وهو يلاحظ أنه يغادر منزله (قبل الإقلاع بست ساعات.. فزادت ثقتي في حكمتي)!! ليردد عقله الباطن وهو في طريقه إلى المطار (لا أرتاح لرؤية الأسوار العالية.. تحيط بالبيوت وتحاصر النساء والأطفال)، وأنه (لا يروق له التحليق في نفايات منثورة على جلد جمل أجرب مات بداية الدهر)، وأنه.. لا يحب (رؤية سيارات الأمن وهي تعوي وتطارد الأشباح وغبارها)، ثم يتذكر (لم يكن الرحيل خياراً سهلاً)، و(لكن تعب المسافر.. أسمى من بؤس المحاصر)!! بل ويتذكر صديقه الطبيب الذي قام بـ «الكشف» عليه قبل سفره وما قاله له: (لم أكتب في التقرير الموجز كل شيء. حالتك غامضة ولم يعد لدي سوى القليل من الوصفات والكثير من النصائح. لا شك أنك تعاني جفافاً في كل الغدد التي تفرز السوائل الحيوية في الجسم: الأرق، الصداع، الكوابيس، الضحك المفاجئ، تشتت الذهن، الحساسية المفرطة تجاه الضوء.. إلخ.. كلها أعراض لا غير)، ثم (إن السفر إلى مكان فيه الماء والخضرة والوجوه الجميلة من كل لون.. حلم ينام ويصحو عليه كثيرون ومنذ قرون. هنيئاً لك باريس.. يا صاحبي)، لينفجر معه ضاحكاً وهو يودعه (من يحبك يا صديقي سيدعو لك من قلب قلبه: سافر بالسلامة.. الله لا يردك)!! لكن موظف الجوازات قال له (قرأت مقالاتك أكثر من مرة وما وجدت فيها شيئاً.. مما اتهمت به، فلماذا دعا بعضهم إلى قتلك، وبعض آخر إلى محاكمتك)، وعندما قالوا له: مبروك مسيو زاراني (المقصود زهراني).. وهم يخبرونه بموافقة مجلس الكلية على بحثه.. كان عدد المبتعثين معه آنذاك (لم يزد عن أحد عشر مبتعثاً)، ليبدأ مشواره الدراسي الحقيقي.. فيما بعد، أما «ما قبل».. فقد تلقى مفاجأته الأولى مع تمرد «جهيمان» في الحرم المكي، ومعها الخوف والقلق مما سيحدث منها ومعها.. بينما كان زميله السوري في المعهد (محمود) الذي أخبره الخبر مبتهجاً وهو يطالبه بذات القدر من الابتهاج.. ليرد عليطالب معهد اللغة (معجب) وكأنه يتحدث لنفسه: (وأخيراً.. لقد امتد الشرر من حوزات قم إلى منائر الحرم، وتريدني أن أبتهج أيها المعتوه)..؟!

عند هذا الحد من (الرواية).. كانت (نصوص السفر)، و(نصوص باريس) التي شغلت صفحاتها القسم الأول من الرواية.. تبدو وكأنها مقدمة لـ «سيرة ذاتية» جميلة لكاتبها وبطلها. غنية بالأضواء والظلال، والخوف والأمل، والجرأة والحنق.. كان سيسعد القارئ لها لو امتدت على ذلك النسق.. ولكن الرواية انعطفت، ليخرج منها «بطل السيرة الذاتية»، أو لينتحي جانباً.. لتدخل (نصوص رويان) المدينة الفرنسية الأطلسية.. ومعها بطل الرواية الثاني أو الحقيقي المواطن سعيد أو (أبو سامي) الذي تم إيقافه لسنوات بتهم سياسية ظنية لم تثبت يقيناً.. إلا أنها ظلت معلقة إلى أن جاءها عفو الملك خالد النبيل.. فطواها.

***

لقد تجلت هنا.. براعة الدكتور معجب، وهو يرسم بخفة ورشاقة - كما هو شأنه في صفحات الرواية كلها - لحظات خروج كاتب السيرة الذاتية فيه مع لحظات دخول سعيد أو (أبو سامي) إلى الرواية ومشاهدها، وهو يفسر ما حدث في الحرم لصديقه (إنهم جماعة متطرفة محدودة العدد ولن تحرسهم قداسة المكان من النيران).

ولكن كاتب السيرة الذي ظل باقياً على جانب محوري وحواري في الرواية.. يسأله: (لكن كيف نجحوا في احتلال مكان حساس كهذا)..؟

ليجيب (أبو سامي): (يؤتى «...» من أبواب غفلته. ظلوا خلال أيام يدخلون الأسلحة في هيئة نعوش لميتات صالحات يحلمن بالصلاة على أرواحهن بالكعبة قبل أن توارى الأجساد الفانية في التربة الطاهرة).

- (يعني أن الإمام صلى بالناس على رشاشات وبنادق وقنابل لعدة أيام)..؟

- نعم.. ثم أضاف..: (ولك أن تعرف شيئاً. الأشخاص الذين يقودون الجماعة.. مجاهد من بوادي نجد ومهدي من ريف الجنوب. طلائع جيل جديد لا يعرف شيئاً عن العالم، ولا يعترف بوجوده إلا كخطر ماحق).

ليقول (صاحب السيرة) المنتحي جانباً: (إن في الحدث درسًا كبيرًا لمن يريد أن ينظر ويعتبر. كنا نتهم بالكفر والإلحاد من قبل بعض الفقهاء.. لكنني لا أذكر أن أحداً منا قد فكر لحظة واحدة في المساس بأماكن مقدسة يجلها حوالي مليار إنسان.. وهاهم المؤمنون الأتقياء يفعلونها دون رادع من وعي أو وازع من دين)، وقد لمعت في ذهنه فكرة العودة إلى الأهل والوطن في قرى الباحة النائية، الذين لم يكن قادراً على الاتصال بهم والاطمئنان عليهم طيلة أيام التمرد العاصفة والمرعبة.. لكن (أبو سامي) طمأنه: (لا تقلق أبداً على الدراسة. أعدك بأن أؤمن لك مثل راتبك وأكثر إن احتجت لذلك. أما أهلك فعدهم أهلي. يمكنني أن أرسل إليهم كل ما يحتاجون إليه في أي وقت ومهما كانت الظروف). لقد كان (العفو) الذي أوصله إلى باريس بعد سنوات.. كريماً. ربما إلى أبعد الحدود.

وتستمر الرواية (رقص).. بكل تدفقها وجمالها ورقصاتها وعلى مدى صفحاتها التي قاربت الأربعمائة صفحة، وهي تؤكد ما أجمع عليه الأدباء والنقاد والكتاب عموماً.. بأن الأحداث الكبرى لا يكتب عنها في حينها.. وإلا أصبحت «تحقيقاً» صحفياً، أما بعد حين.. فإنها تصبح رواية.. كهذه الرواية (رقص) والتي كانت مزيجاً جميلاً من السيرة الذاتية والرواية، وقد كتبت بعد حين.. امتد لثلاثين عاماً، لتفاجئنا بهذا الكم الهائل والرائع من الرؤى والأفكار والأحلام والأحزان.. التي تمثل بحق أعظم ما فيها إلى جانب أحداثها..

***

في معرض الكتاب الدولي في الرياض.. قبل شهور، كانت تباع الرواية - فيما أظن - بعد أن أعلنت وزارة الثقافة والإعلام على لسان وزيرها الشاعر والإنسان الدكتور عبدالعزيز خوجة.. بأنها لن تمنع أو تصادر أي عمل إبداعي أدبي، ولست أدري من استقطبه أو نفَّره عنوانها (المخاتل) هذا.. كما أسميه، ولكن الرواية بـ «عنوانها» هذا أو بدونه.. تبقى واحدة من أجمل وأهم رواياتنا التي صدرت حديثاً. إنها بحق الرواية التي يبحث عنها قارئها.


dar.almarsaa@hotmail.com

 

(رقص).. عنوان مخاتل لـ (رواية عظيمة)
د. عبد الله سليمان مناع

أرشيف الكاتب

كتاب وأقلام

 

طباعةحفظ 

 
 
 
للاتصال بناجريدتيالأرشيفالإشتراكاتالإعلاناتمؤسسة الجزيرة