Monday  23/05/2011/2011 Issue 14116

الأثنين 20 جمادى الآخرة 1432  العدد  14116

  
   

الأخيرة

منوعات

دوليات

الرياضية

الأقتصادية

محليات

الأولى

الرئيسية

 
 
 
 

الرأي

      

« المقارنةُ بين حال مدينة الرياض التي كانت قبل أكثر من نصف قرن وحالها الذي آلت إليه اليوم، سيُصاب مثلي بشيءٍ من ذهول العجب والإعجاب معاً!

« فأما العجب، فلأنني شهدتُ بدءَ حراكها الحضاري قبل نحو خمسين عاماً يوم حلَلتُ بها أول مرة عام 1376هـ حينئذٍ، كانت تسير بخطى مثقلةٍ بالتفاؤل مثْخَنةٍ بشحّ الموارد، وكانت بنيتُها الأساسيةُ (بدائيةً) بمقاييس زمننا الحاضر، صُغْراً في المساحة، وتواضُعاً في عدَد السكان، مواطنين ومقيمين، ناهيك عن شوارعها وطرقاتها، و(خَضْرمة) مبانيها بين عتيقٍ (يجسّد) جزْءاً من أطلال الماضي، و(حديثٍ) ذي نمطٍ واحدٍ رتيبٍ تشكّله (تِلالٌ) من الأسمنت والحديد ليس فيها من هيبة الماضي ولا فنُونٌ الحاضر سوى (ملامحٍ) مستعارة من التصميم والتشطيب!

« وأمّا الإعجابُ فلأنّ (رياض) اليوم تعيش منذ أكثر من عقدين من الزمن انتفاضةً حضارية جبارة وشاملة تقودُها وترعَاها همّةُ وإلهامُ سمو أميرها وسمو نائبه حفظهما الله، بشوارعها الفسيحة وطرقها الطويلة والسريعة التي تربُط أحياءَها المتناثرة والمتباعدة ناهيك عن مبانيها الشاهقة التي يعانق بعضُها السحابَ، وبُنْيةٍ تحتية طموحة ومتمددة في معظم الأحياء، وخاصة الجديد منها، كانت أرضُها إلى عهد قريب فلاةً يكسوها الترابُ أو الحجارُة أو شيءٌ من نبَات البر، حتى بعض الجبال المجاورة للمدينة لم (تَنْجُ) من غَزْو الإنسان الحديث لها، قِمَماً وسفوحاً، يُضَاف إلى ذلك كلَّه مراكزُ عملاقةٌ للتسّوق والترفيه معاً تتيهُ في مساراتِها النفْسُ والأقْدام!

« تلك كانت لمحة (بانورامية) سريعة وعابرة جداً لا تنصف الرياض حقاً ولا وصفاً، وأذكر في هذا المقام أننّي تحدثتُ عن هذه المدينة العملاقة قبل نحو عقديْن من الزمان في ندوة خاصة عقدت بمدينة أبها، وتَلوْتُ مداخلةً مكتوبة بُحتُ من خلالها بشيءٍ من قلق يسَاورُني إزاء القادم من عمر الرياض، ممثَّلاً في ترهُّلِ حجم سكانها، سواءً مَنْ قدم منهم عبر قنوات الهجرة الداخلية أو مَنْ استُقْدم من الخارج بنيّةِ العمل، يُضَاف إلى ذلك التضخّمُ العمراني وما قد يفرزه ذلك من سلبياتٍ لا مفرَّ منها، بما في ذلك التدفّقُ المذهلُ للسيارات من كل حجم وعُمْر في شوارعها وطرقاتها، وما يرتّبُه ذلك من زحام وتلوَّثٍ يرهقُ الأنفاسَ والأعصابَ!

« وقد طرحت عبر تلك المداخلة بعضَ الخواطر والانطبَاعاتِ التي تنمُّ عن عشقٍ دفينِ لهذه المدينة، وأقتبسُ بعضاً مِمّا جاء في تلك المداخلة على النحو الآتي:

« إنّ من أهم واخطر التحديات التي تواجهُها أيُّ مدينة معاصرة مثل مدينة الرياض تكمنُ في قُدرتها على حمايةِ أحيائِها من الترهُّل، ومرافقها من التردّي، وآثارها من الاندثار!

« والأهمُّ من ذلك كله، أن تحافظَ هذه المدينةُ على توازن قَاطنِها، فلا يفتنُه الإحباطُ، أو يَفُتُّ في عضده القنوطُ حين يجدُ نفسَه يوماً ما عاجزاً أو شبهَ عاجزٍ عن التَّعامُل مع مرافقها، الثابتِ منها والمتحّركِ مع كل خطوة يخطُوها خارجَ حِمَاه متجّها إلى مقر جِدَّه أو لَهْوه!

وبعد..

« فإنني لأعجبُ من الدعوة إلى عدم التخُّوف من التضخُّم المذهل لمدينة الرياض في كلّ الاتجاهات، سكاناً ومروراً ومرافق، بدلاً من محاولة احْتوائِه والحدَّ منه، وبالتالي بذل الجهُود لصدَّ حُمَّى الزحفِ السكاني إلى هذه المدينة من المناطق والقرى المجاورة طلباً لفرص العلم والعمل والخدمات المتطورة، في حين يتَعينُ تشجيعُ نموّ البلدات والقرى المجاورة بنَقْل بعضِ فعالياتِ البُنْيةِ الحضاريةِ إليها أو تأْسيسِها فيها، كالمناطِق الصناعيةِ والمجمَّعاتِ الزراعيةِ والكليَّاتِ الطبية والهندسية والعسكرية بل والجامعات ونحو ذلك.

« وتأييداً لما تقدم، أرى أن هناك حاجةً ملحةً لا أخالُها تخفَى على ذهن أحد مِمَّنْ يهمُّه أمرُ هذه المدينة، تتمثَّل في تبنَّي خطةٍ إستراتيجية طويلة المدى لاحتواء التوسُّع الرأسي والأفقي لمدينة الرياض سكّاناً وعمراناً، قبل أن يتَفَاقَم الوضُع عبر السنوات القليلة القادمة إلى الحدَّ الذي قد تصْعبُ معه السيطرةُ على إفرازاتِ التضخُّم السكاني والعمراني، أمنياً وخدمياً وحضارياً!

وبعد.. أيضاً:

« فالكلُّ يتمنَّى من الأعماق ألاَّ ينال رياضَنا الغاليةَ ما أصاب مُدَناً أخرى من العالم الثالث، ومثلما أنّ الترهُّلَ يرهقُ أبدانَ البشَر، ويضعفُ عزمهَم وعزائمهم، ويعطّلُ حركتهَم، فإنّ تضخُّمَ المدن يُصادرُ منها إرادة الإبداع، ويحَّولُ متعةَ العيِش فيها إلى أرقٍ يومي لا ينتهي!

 

الرئة الثالثة
رياضنا الغالية.. وهاجس القلقِ عمّا هو آتٍ!
عبد الرحمن بن محمد السدحان

أرشيف الكاتب

كتاب وأقلام

 

طباعةحفظ 

 
 
 
للاتصال بناجريدتيالأرشيفالإشتراكاتالإعلاناتمؤسسة الجزيرة