Monday  06/06/2011/2011 Issue 14130

الأثنين 04 رجب 1432  العدد  14130

  
   

الأخيرة

منوعات

دوليات

الرياضية

الأقتصادية

محليات

الأولى

الرئيسية

 
 
 
 

متابعة

 

عبدالله بن خميس وكفى..

رجوع

 

في الثامن عشر من شهر مايو الماضي ودعت الرياض أديبهاً وفارسها المغوار، وغابت إلى الأبد شمس الدرعية المضيئة، وغيّب الموت شيخ اليمامة وعاشقها، حين انتقل إلى رحمة الله جدي وأبي ومعلمي وقدوتي وتاج رأسي الشيخ عبد لله بن خميس الذي رحل جسده ولكن سيبقى علمه وأدبه ومسيرته المشرفة نوراً تستضاء به الدروب والأجيال.

عبد لله بن خميس علم تأبى ذاكرة التاريخ والجزيرة العربية أن تنساه أو تتجاهله، فهو رجل نقش اسمه في ذاكرة الأدب بماء الذهب، ووضع بصماته في مجالات عدة، فهو شاعر فذّ من شعراء الصف الأول، وعالم في الشريعة واللغة والأرض والأنساب، وصحافي صاحب هم ورؤية وقضية، وجغرافي تنحني لعلمه الغزير جبال طويق والسروات، وتشهد على حبه رمال النفود والربع الخالي، وتدين له تضاريس المملكة كافة بالفضل لأنه من جعل لها حضوراً في كتب الجغرافيا وسطورها.. هو أيضاً كاتب وناقد وباحث ومثقف من الدرجة الأولى، هو ملحمة سعودية خالدة، وجبل شامخ وعلم مشرف، ونخلة باسقة من نخيل وادي حنيفة، وعرضة نجدية ثقيلة الإيقاع، هو من لا يحتاج إلى لقب لنلاحظه بل يكفي أن نقول: إنه (عبد لله بن خميس) وكفى..

كل هذه المزايا والإنجازات والصفات جعلت منه أحد أهم من أنجبت المملكة العربية السعودية من رجال.

ولتسمحولي اليوم أن أتكلم عبر هذا المنبر عن عبد الله بن خميس الإنسان قبل كل شيء، الرجل المتواضع المحب الرقيق الهادئ، فقد تشرفت كثيرا ًوكم كنت محظوظا بسكن بجانبه وبالقرب منه، فكان باب بيته ومزرعته «عمورية» مفتوحا دائماً للصغير والكبير، للمسؤول وللموظف البسيط، للعلماء ولطلاب العلم.. وقد كان- رحمه الله- بسيطا في مقعده وملبسه وحديثه، يتحدث مع كل شخص بحسب مستوى علمه وإدراكه ويشعر من أمامه أنه موضع اهتمام ومحل تقدير، ولم يكن يخجل أن يقول لا أدري أو لا أعلم عندما لا يكون متأكداً من إجابته، بل كان صادقاً مع نفسه قبل كل شيء لا يدعي العلم بكافة أمور الحياة فهو من كان يقول:

وقل لمن يدعي في العلم معرفة

حفظت شيئاً وغابت عنك أشياء

ولعل من المناسب أن أذكر لقراء الجزيرة –الغراء- قصة ذكرها كاتب أمريكي ورحالة معروف في أحد كتبه ومؤلفاته، حيث كان هذا الرحالة الأمريكي يطمح أن يستكشف معالم الجزيرة العربية على ظهر الإبل، فذهب إلى مقر إمارة الرياض لمقابلة أميرها صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن عبد العزيز فجلس معه وأخبره برغبته وطموحه، وطلب منه المشورة والنصيحة والمساعدة لتحقيق حلمه واستكمال رحلته، فلم يبخل عليه سمو الأمير بالمساندة والمساعدة وتلك هي عادته - حفظه الله - فأشار إليه سموه بالذهاب إلى الشيخ عبد الله بن خميس حين كان رئيسا لمصلحة المياه، فتعجب ذلك الرحالة وتساءل ما علاقة رئيس مصلحة المياه برحلتي ولكنه أخذ بنصيحة الأمير وتوجه إلى الشيخ عبد لله، وفعلاً رحب به وقابله فعرف الضيف الأمريكي أن الشيخ عبد لله شاعر وفارس كلمة ومبدع قافية، فأراد أن يكسب وده، فألقى أمامه الرحالة معلقة زهير بن أبي سلمى فأعجب به الشيخ عبد الله، فطرح عليه أسئلة عن اللغة العربية وهو العالم بها المحب لها، وفاجأه جدي رحمه الله بعلمه الغزير والواسع حين أجاب عن أسئلته وأشبع نهمه وشغفه بمعرفة الأماكن ومده بالمعلومات اللازمة التي هو بحاجة لها لاستكمال رحلته، وسط ذهول وانبهار ذلك الرحالة من علمه ومعرفته ودرايته بأخبار وأسرار الصحراء ومناطقها ووديانها وشعابها وجبالها وقبائلها.

الطريف في الأمر أن هذا الرحالة هو أستاذ جامعة عريقة وله مؤلفات وكتب يستعين بها الكثير من طلبة العلم والباحثين، ولكنه أخبر طلاب درجة الدكتوراه وهو يشرف على رسالتهم أنه ولأول مرة يشعر أنه هو الطالب ومن أمامه هو الأستاذ والعالم وكل ذلك وأكثر ذكره في كتابه عن رحلته إلى الشرق الأوسط.. فكم شرف هذا الإنسان الذي خرج من بيئة بسيطة باحثاً عن زاد هو بلا شك العلم والمعرفة وطنه وأمته في شتى المحافل العربية والدولية خير تشريف وتمثيل.

وأذكر في مقالي هذا، أبياتاً كتبها شاعرنا المغفور له بإذن الله الشيخ عبد الله تستنهض الهمة في داخلنا وتحثنا لبلوغ أعلى المراتب في الحياة حين قال:

ليس الحياة كما توهم جاهل

عيش الكفاف ومستوى محدودا

إن الحياة هي الصراع فكن بها

أسداً يحارب أذؤباً وأسودا

ختاما ً.. مصابنا أليم وخسارتنا فادحة ولكن يبقى عزاؤنا هذه الذكرى العطرة التي شرفنا بها، وذلك الإرث الثمين الذي تركه لنا وللوطن من مؤلفات ومنجزات نسأل الله سبحانه وتعالى أن تكون في ميزان حسناته يوم القيامة. فرحم الله عبد لله بن خميس وأسكنه فسيح جاناته وألهمنا ومحبيه الكثر الصبر والسلوان.. ولن أقول وداعاً بل إلى اللقاء في جنات الفردوس الأعلى إن شاء الله إنه جواد كريم.

محمد بن عصام بن عبدالله الخميس

 

رجوع

طباعةحفظ 

 
 
 
للاتصال بناجريدتيالأرشيفالإشتراكاتالإعلاناتمؤسسة الجزيرة