Friday  10/06/2011/2011 Issue 14134

الجمعة 08 رجب 1432  العدد  14134

  
   

الأخيرة

متابعة

دوليات

الرياضية

الأقتصادية

محليات

الأولى

الرئيسية

 
 
 
 

عزيزتـي الجزيرة

 

بل نحتاج للمزيد من عيادات الطب النفسي..!!

رجوع

 

سعادة رئيس تحرير صحيفة الجزيرة الأستاذ/ خالد المالك -سلمه الله-..

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. وبعد:

فقد نشرت صحيفة الجزيرة في عددها رقم 14127 الصادر يوم الجمعة غرة شهر رجب لعام 1432هـ مقالاً للأستاذ عبدالعزيز بن صالح العسكر بعنوان (متى نغلق العيادات النفسية) وإذ أحيي الأستاذ/ عبدالعزيز على نيته الطيبة في إرشاد الناس للتمسك بأهداب ديننا الحنيف، فإن مقاله هذا حفزني لتوضيح بعض المفاهيم التي تلتبس على بعض من كتّابنا الكرام حول ماهية الأمراض النفسية:

أولاً: تصيب الأمراض النفسية قرابة 33% من الناس في العالم، وهذه النسبة مطردة في شرق العالم وغربه. ويصل عدد هذه الأمراض بحسب التصنيفات العلمية لما يقارب الثلاثمائة مرض، وتتراوح في شدتها من أخفها كالرهاب المحدد (رهاب الطيران، المرتفعات.. إلخ) إلى أشدها وطأن كمرض الفصام العقلي.

ثانياً: تتعدد مسببات الأمراض النفسية وتختلف بحسب أنواعها، وغالباً ما تتضافر أسباب جينية وبيولوجية وضغوط نفسية واجتماعية لإظهار المرض. ولعلي هنا أضرب مثالاً لدور العامل الجيني في الإصابة بالاضطراب الوجداني ثنائي القطب (النوع الأول) فنسبة الإصابة لدى عامة الناس 1%، وتزيد لدى الأبناء إذا كان أحد الأبوين مصاباً إلى 20%، أما إذا كان كلا الأبوين مصاباً بالمرض فإن نسبة إصابة الأبناء تصل إلى 60%.. وإذا كان أحد التوأم المتشابه (من بويضة واحدة) مصاباً بالمرض فإن نسبة إصابة التوأم الثاني تصل لـ70%. وكما هو الحال في عدد من الأمراض كالسكري مثلاً فليس هناك جين وحيد مسبباً لمرض الاضطراب الوجداني ثنائي القطب (النوع الأول) بل هناك عدة جينات مصابة تتفاعل مع بعضها ومع عوامل بيولوجية وضغوط نفسية واجتماعية لكي يصاب الإنسان بالمرض.

ثالثاً: ما حجم تأثير هذه الأمراض النفسية على المصابين بها والمجتمع ككل؟!! للأسف فإن الإجابة مفزعة. فقد أكدت دراسات منظمة الصحة العالمية أنه بحلول عام 2020 سيصعد مرض الاكتئاب الحاد من المرتبة الرابعة للمرتبة الثانية خلف مرض شرايين القلب التاجية في قائمة أشد الأمراض فتكاً بالبشرية من ناحية حجم انتشارها وإعاقتها للمصابين بها. وهناك أربعة أمراض عصبية ونفسية أخرى بالإضافة لمرض الاكتئاب الحاد تحتل مقعداً ضمن قائمة العشر أمراض الأولى من ناحية حجم انتشارها وشدة إعاقتها للمصابين بها. ومما يزيد الطين بلة أن بعض الأمراض النفسية كالاكتئاب يفاقم من نسبة وشدة الإصابة ببعض الأمراض الجسدية والعكس صحيح. وكمثال لذلك فقد أكدت عدة دراسات مسحية عالمية أن مرض الاكتئاب الحاد يزيد من نسبة تكرار الجلطات القلبية المميتة من ضعفين إلى خمس أضعاف. ولتفسير هذا التشابك بين مرض الاكتئاب وجلطات القلب فقد أشارت الدراسات لزيادة تخثر الدم ونسبة الالتهابات واضطراب الجهاز العصبي اللاإرادي لدى مرضى الاكتئاب مما يفاقم مرض شرايين القلب التاجية. وللأسف ما زالت نسبة الميزانيات المرصودة لعلاج الأمراض النفسية وتأهيل المصابين بها دون المستوى المطلوب في أنحاء كبيرة من العالم ولذلك تخسر الولايات المتحدة الأمريكية قرابة سبعمائة مليار ريال سنوياً بسبب ضعف إنتاجية مرضى الاكتئاب. فيا ترى كم تخسر بلادنا بسبب قلة الاهتمام بتشخيص وعلاج مرض الاكتئاب وغيره من الأمراض النفسية؟!.

رابعاً: لا شك أن قوة الإيمان بالله وبقضائه وقدره تخفف من وطأة الإصابة بكافة الأمراض جسدية كانت أو نفسية. لكن ما هو مؤكد كذلك أن أيّ إنسان مهما كانت قوة إيمانه فهو معرض للإصابة بجميع الأمراض بلا استثناء وهي جزء من ابتلاء الله لعباده. وقطعاً لم يحجر الشارع الحكيم على الناس أن يصابوا بمشاعر الحزن والخوف والغضب وإنما نهوا عن السلوكيات المصاحبة والتي باستطاعتهم تفاديها كإطلاق عبارات التسخط وبعض سلوكيات الجاهلية كشق الجيوب وغيرها. وقد بكى النبي صلى الله عليه وسلم على وفاة ابنه إبراهيم وقال (وإنّا على فراقك يا إبراهيم لمحزونون). وحزن يعقوب عليه السلام حتى ابيضت عيناه على فراق ابنه يوسف. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يغضب إذا انتهكت محارم الله ولا يقول إلا حقاً. وبدلاً من كبت هذه المشاعر وهو أمر محال فقد كان المنهج النبوي يسلي المحزونين والمهمومين بقوله صلى الله عليه وسلم: (ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه). ومع وضوح هذا الأمر فما زال بعض دعاتنا ومثقفينا يثرب على من تطبب عند طبيب نفسي ويصادر مشاعر وأحاسيس من ابتلوا ببعض هذه الأمراض. والأسوأ من ذلك أن تذاع مثل هذه الآراء على منابر شرعية أو تنشر في صحف سيارة.

خامساً: لم يجد نبينا صلى الله عليه وسلم غضاضة في أن يصف علاجاً حسياً لمشاعر حزن طبيعية كما ورد في صحيح مسلم من عائشة رضي الله عنها أن نبينا صلى الله عليه وسلم كان ينصح باستعمال (التلبينة) وهي حساء يصنع من الدقيق لمن أصابه حزن على وفاة قريب. وكان يقول عليه الصلاة والسلام (التلبينة مجمة لفؤاد المريض تذهب ببعض الحزن).

وقياساً على ذلك فإن كان المنهج النبوي ينصح بعلاج حسي لمشاعر حزن طبيعية فإن استعمال الأدوية النفسية المثبتة بدراسات علمية محكمة لعلاج الأمراض النفسية أمر محمود بلا شك ولهذا السبب فإن كبار علمائنا وعامة مثقفينا ونسبة متزايدة من الناس في الوقت الحاضر يؤكدون على أهمية التطبب في العيادات النفسية لمن احتاج لذلك.

وأخيراً.. لقد ورد في الحديث (من تطبب ولم يعلم منه طب فهو ضامن).. وأعتقد أنه من أفتى بغير علم بأمور طبية سواء بصرف دواء أو منع غيره من أخذ دواء فقد يقع في طائلة المساءلة سواء في الدنيا أو في الآخرة.. والله أعلم.

ولكم خالص شكري وتقديري،،،،

د. فهد بن دخيل العصيمي

أستاذ مساعد - كلية الطب جامعة الملك سعود - استشاري الطب النفسي الجسدي

 

رجوع

طباعةحفظ 

 
 
 
للاتصال بناجريدتيالأرشيفالإشتراكاتالإعلاناتمؤسسة الجزيرة