Saturday  25/06/2011/2011 Issue 14149

السبت 23 رجب 1432  العدد  14149

  
   

الأخيرة

منوعات

دوليات

الرياضية

الأقتصادية

محليات

الأولى

الرئيسية

 
 
 
 

الرأي

      

عرض علي صديق ذات يوم الكتابة في إحدى الصحف الرسمية السورية، وعلل عرضه بقرار من جهات عليا تريد أن ترى قلمي بين كتاب الصحافة المحلية، بعد أن منعت من الكتابة فيها طيلة قرابة ثلاثة عقود. قال الصديق: سأستحدث زاوية على صفحة الجريدة الأولى يكتبها قلم مختلف كل يوم،

وقررت أن أخصك بيوم في الأسبوع، و...و.. و... تمتينا لنهج الانفتاح الذي تسعى قيادة البلد إليه،

وتأكيداً على الرغبة في الاستماع إلى صوت الآخر والمختلف، الذي يبقى في جميع الأحوال صوتا وطنيا و... و... و... الخ.

كتبت المقالة الأولى وأرسلتها إلى الصديق. لكنها لم تنشر في اليوم الذي حدده لي، ثم في اليوم التالي له. بعد يوم، هاتفني أحدهم وأخبرني أن الصديق محرج للغاية ولا يدري ماذا يقول أو كيف يعتذر، لأن المقالة لم تطبع رغم أنه أرسلها إلى المطبعة موقعة ومذيلة بحاشية « مع الموافقة «. قلت له: لا عليك، لم أكن لأكتب لولا إلحاحه، ولم أكن أتوقع أن تنشر حتى أعتب عليه أو أغضب منه. قال: القصة ليست هنا، إنهم تحت في المطبعة لم يردوا عليه، وقالوا إنهم لن يطبعوا الصفحة من الجريدة التي يذكر فيها اسمك. سألت متهكما: والانفتاح على الآخر والاستماع إلى الصوت الوطني الحر؟. فقال باقتضاب: هذا ما حصل.

البارحة أخبرني صديق أن «مسؤولاً» ثقافياً كبيراً اتصل لائما بسبب مقالة نشرها في جريدة غير سورية، وأنه قال له بعد كلمات تقريع وتسفيه تتهمه بأنه يقول ما يروج له «المندسون «: ها المرة بسيطة، بس دير بالك على حالك المرة القادمة!. حدث هذا بعد قرابة عشرين يوما من تشكيل لجنة كلفت بدراسة إصدار قانون إعلام يحرر الصحافة والصحافيين من قيود وضغوط الذين يقيدونهم ويضغطون عليهم، وظهور مقالات في بعض الصحف السورية كان نشرها داخل سوريا يعد قبل أشهر قليلة ضربا من الاستحالة، وخارجها نوعا من الانتحار.

ما الذي جرى في الحالتين؟. قيادة تسمح وقواعد تمانع وتعارض. قيادة تتخذ قرارا لا تنفذه القواعد، أو تنفذه على مضض، ريثما تجد طرقا للالتفاف عليه والاحتيال على من أصدره، وعلى من صدر لصالحه. تقول القيادة: أرخوا قبضتكم قليلا وخذوا بأساليب جديدة في عملكم، فتجد القواعد أن هذا سيفضح عجزها وتأخرها، وسيبين كم فوت وجودها في أماكنها فرصا مهمة على البلاد والعباد، فتسارع إلى العرقلة والمشاكسة والتعطيل، وتعيد الأمور إلى ما كانت عليه قبل القرارات العليا، أو يحدث العكس: يطالب البشر بتغيير ما، فيسارع أعضاء القواعد إلى دعمهم، بينما تنهمك القيادة في بلورة خطط للالتفاف على رغباتهم ومطالبهم، بقصد تعطيل تنفيذها، بعد إيهامهم بأنها أتت قبل وقتها فهي غير قابلة للتحقيق، أو أنه يتم تنفيذها بطرق وتدابير أخرى، فهي متأخرة كثيراً. في هاتين الحالتين، يتم تعطيل كل شيء.

ليس من السهل تفكيك جهاز ألف العمل بطريقة واحدة ولا يعرف غيرها، خاصة إن كانت قرارات تفكيكه فوقية ومبهمة وبرانية وتفتقر إلى دعم جدي من كتلة كبيرة من الناس. وليس من السهل إضعاف قبضة اعتادت أن تلتف على أعناق البشر، من أعلى السلم السياسي إلى أدنى درجاته، فإن تراخت قبضة واحدة عنها، عوضت بقية القبضات الضغط الذي كانت تتعرض له أو زادته، وهكذا دواليك. بقول آخر: ليس سهلا في وضع مغلق تنفيذ أي إصلاح حتى إن كان تقنيا ويمس حواشي النظام الخارجية، خاصة إن تناقضت مصالح الممسكين بزمامه والمنتفعين منه مع الإصلاح ورأت فيه خطرا على أصحابها. عندئذ، يصير التساهل فوق تشددا تحت، والتهاون في الوسط تزمتا على جانبيه، ويتحدث القوم الرسمي لغات مختلفة لخداع الناس ومنع أي إصلاح لأحوال بلدانهم، مثلما حدث معي في المثال الأول، ومع صديقي في الثاني، حيث خالف أناس من القواعد تعليمات وسياسات قيادية دون أن ينالهم أي عقاب، أو يسألوا مجرد سؤال عن أسباب ما فعلوه، أو يعاتبوا على سلوكهم، الذي يفترض أنه يمثل تمردا حيال قيادة لا يجرؤ أحد على مخالفة ما يصدر عنها، أو اندفع مسؤول إلى وضع ضوابط من عنده تقيد حرية المثقفين وحقوقهم!

هل يمكن إصلاح أوضاع كهذه، إن فتحت من القيادة أغلقت من القواعد، وإن فتحت من القواعد أغلقت من القيادة؟. أعتقد أن الجواب على هذا السؤال على قدر عظيم من الأهمية، ليس فقط لأنه يساعد على كشف وفهم بنية وآليات النظم المغلقة، وإنما كذلك لأنه يؤكد خشيتها من أي إصلاح مهما كان برانيا وجزئيا، لكونها ترى في الإصلاح بداية نهايتها، فتميل إلى احتواء محاولاته الخجولة والجزئية داخل صفوفها، قبل الإقلاع النهائي عنه ومحاربته الصريحة بحجة أنه يثير تناقضات داخلية يمكن أن تشجع المتآمرين الخارجيين، أو تفيد الأعداء الداخليين!.

ألا يفسر هذا كثرة حديث الإصلاح وندرة تحققه، وكثرة المصلحين وقلة القادرين منهم على الوفاء بوعودهم؟. ألا يبين أيضا أن جهاز الحزب الواحد يفقد مع الزمن مرونته ويتجمد عند وضع معين، ليس لغير المنتسبين إليه مكان أو دور أو نصيب فيه، بغض النظر عن وعوده، التي بينت التجارب أنه ينساها، بمجرد أن يرى الشعب وعالمه من فوق: من مواقع السلطة وعالمها، فلا يبقى عندئذ من هدف للإصلاح الحق والمطلوب شعبياً غير إنزالهم من عليائهم، حيث يفقدون القدرة على رؤية البشر والتواصل معهم، إن هم أحسوا أصلا بوجودهم؟.

kilo.michel@gmail.com
 

متاعب غير عادية!
ميشيل كيلو

أرشيف الكاتب

كتاب وأقلام

 

طباعةحفظ 

 
 
 
للاتصال بناجريدتيالأرشيفالإشتراكاتالإعلاناتمؤسسة الجزيرة