Sunday  10/07/2011/2011 Issue 14164

الأحد 09 شعبان 1432  العدد  14164

  
   

الأخيرة

منوعات

دوليات

الرياضية

الأقتصادية

محليات

الأولى

الرئيسية

 
 
 
 

وَرّاق الجزيرة

 

مدائن صالح.. ومدينة العلا 1-2
عبدالرحمن بن زيد السويداء

رجوع

 

في يوم الثلاثاء 23 / 8 / 1431هـ الموافق 3 / 8 / 2010م قمت بزيارة لمدائن صالح أو الحجر ومدينة العلا، ومعي الابن ماجد وبعض الأبناء والبنات، فانطلقنا من مدينة حائل في الساعة السابعة صباحاً باتجاه الغرب وقطعنا مع طريق حائل العلا 400 كيلو منها 300 كيلا حتى وصلنا إلى طريق المدينة المنورة تبوك ونحو 100 كيل بعد ذلك حتى وصلنا إلى الحجر أو مدائن صالح في تمام الساعة الحادية عشرة صباحا، وأمضينا في مدائن صالح أكثر من ثلاث ساعات نتنقل في المنطقة الأثرية ما بين القصور الأثرية؛ مثل: قصر الديوان وقصر البنت وقصر العجوز وقصر السيد والقصر الفريد والمذبح وغيرها من المواقع الأثرية.

والحقيقة إن ما سمعته وقرأته عن مدائن صالح أقل من الواقع المحسوس بكثير، نشاهد صورة أو صورتين عن موقعين أو ثلاثة ونقرأ كلاماً مختصراً ومقتضباً عن هذه الآثار، ربما من أناس غير مختصين من صحفيين ومن في مستواهم، والواقع يتحدث عن غير ذلك، كما سيأتي، مع أنني سأختصر في طرح الموضوع.

ولنعد قليلاً للحديث عن طبيعة منطقة مدائن صالح والعلا، فمنذ أن قطعنا طريق المدينة المنورة تبوك غربا دخلنا في منطقة العلا، فتغيرت علينا معالم الأرض فالجبال فيها ذات صخور رسوبية ترابية لونها وردي فاتح وغامق وأشكالها جميلة جداً، حيث إن صخور تلك الجبال تؤثر فيها عوامل التعرية من الأمطار والرياح، فحين تجد طبقة هشة تنحتها وتكون فيها تجاويف مختلفة متعرجة بين الطبقات الهشة والصلبة من هذه العملية التي تحفرها الرياح وتُليِّنُها الأمطار وتشكل فيها مناظر رائعة.

هذه الجبال في أكثرها لا تكون متواصلة، وإنما هي كتل متناثرة بطريقة عفوية هنا وهناك، ويزيد من جمال منظرها أن أكثرها متزراً بكثبان رملية ذهبية أو فضية، ويتشح بعضها الآخر من هذه الكثبان فيظهر لها منظر جميل يشد الرائي إليها، إضافة على ما يوجد بهذه الجبال من الكهوف العميقة والمتوسطة ذات الظل الظليل طول النهار وبجانبها الكثبان الرملية المشار إليها، هذا المنظر السائد في فئة الجبال المتوسطة والصغيرة المتناثرة المومى إليها، فقلما تجد جبلاً أو قارة أو حتى صخرة إلا وبها كهف أو تجويف يستظل به الإنسان وغيره ظل في الضحى وفي بعد الظهر لا يحتاج الإنسان للبحث عن شجر الطلح ونحوه للاستظلال به في فصل الصيف، أما الجبال المتصلة الشاهقة فهي غنية بالكهوف وبالمناظر الطبيعية الخلابة، حيث يظهر فيها أشكال متعددة ومتنوعة من المناظر الرائعة فتظهر جبال على هيئة نبات الفطر والطرثوث وأشكالاً جمالية شاهقة في عنان السماء تخترق زرقته الصافية بمناظرها الفريدة التي لم أشاهد مثلها في الجبال السمر والسود، ولا حتى الجبال الجرانيتية الحمراء مثل جبل أجأ وسلمى وغرب رمّان وقَنَا وغيرها، هذه الجبال جرانيتية الصخور حمراء اللون ولكنها تفتقر إلى الأشكال الجمالية، كما في جبال الحجر والعلا وما جاورها، فالجبال بحد ذاتها متعة للناظرين.

ومع أنني لم أتمكن من الاطلاع على جبال المنطقة بكاملها فزيارتي قصيرة ولكن على رغم قصرها فقد شاهدت فيها ما أعجبني وأخذ بروعي، ولم يكن الجو يومها صافيا، فكيف إذا انجلت صفحة السماء زرقاء شفافة وترصعت في الغيوم في وقت الربيع فلا شك أنها غاية في الروعة تخطف الألباب.

ومدائن صالح أو الحجر التي سكنت فيها ثمود، أو عاد الثانية، كما ورد في بعض الأخبار ومنها شعر زهير بن أبي سلمى في قوله وهو يتحدث عن الحرب:

فتنتج لكم غلمان أشأم كلهم

كَأَحْمَرِ عاد ثم تنتج فتفطم

وثمود جاءت بعد عاد، كما جاء ترتيبها في القرآن الكريم في أكثر من موضع كقوله تعالى: {وَعَاداً وَثَمُودَ وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم مِّن مَّسَاكِنِهِمْ} الآية.

ومجيء ثمود من جنوب الجزيرة العربية قبل زمن نبي الله إبراهيم الخليل عليه السلام الذي عاش في أول الألف الثانية قبل الميلاد نحو عام 1805 ق. م وفي اعتقادي أنها وجدت في الألف الثالث قبل الميلاد أي منذ نحو 5000 سنة من وقتنا الحاضر، وكما جاء في القرآن الكريم في آيات كثيرة ذكرت ثمود مقرونة بعاد تأتي بعدها وذكر الناقة في سورة الشمس: {كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا{11} إِذِ انبَعَثَ أَشْقَاهَا{12} فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا{13} فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُم بِذَنبِهِمْ فَسَوَّاهَا{14} وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا{15}} الآيات من 11 -15، وقال تعالى {قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَّهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ{155} وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ{156} فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ{157}} الآيات 155 - 157 الشعراء.

وقد هلك قوم ثمود بالرجفة كما في قوله تعالى {فَعَقَرُواْ النَّاقَةَ وَعَتَوْاْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُواْ يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ{77} فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ{78}} 77، 78 الأعراف، وفي موضع آخر يذكر أنهم أهلكوا بالصيحة {وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ{80} وَآتَيْنَاهُمْ آيَاتِنَا فَكَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ{81} وَكَانُواْ يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً آمِنِينَ{82} فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ{83}} الحجر. وبقيت آثارهم التي نحتوها في الصخور، كما أشار بذلك القرآن الكريم بقوله تعالى: {وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً فَارِهِينَ} الشعراء 149، وكانت الحجر منطقة زراعية ذات عيون ومياه وأرض خصبة تنمو فيها الزراعة والأشجار، وعلى رأسها النخلة كما جاء في القرآن الكريم {أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ{146} فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ{147} وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ{148}} الآيات 146 - 148 الشعراء، ولم يقتصر نفوذ الثموديين على الحجر والعلا وما حولها بل امتد شرقا إلى جبال طيء وما شمالها حتى مدينة جبة والجوف حيث أثبتت النقوش الثمودية في تلك الجبال وما حولها باللغة الثمودية حين امتد نفوذ الثموديين إلى تلك المناطق، ولغة ثمود عربية كما جاء في ترجمة النقوش التي قام بها المختصون، وعلى رأسهم الدكتور سليمان بن عبدالرحمن الذييب في كتبه التي نقل فيها اللغة المنقوشة على صفحات الجبال، وأثناء قراءتي لكتب الدكتور الذييب وجدت كثيراً من الكلمات العربية التي نستعملها اليوم مثل كلمة كتم، أخفى، وودّ: أحب، ويكهل: أي يستوعب ويتحمل، وغير ذلك من الكلمات التي نستعمل بعضها في اللغة الفصيحة أو اللهجة الدارجة، وهي كلمات في تلك النقوش.

إذاً فالأمة الثمودية والحضارة الثمودية التي قامت في ذلك الوقت المبكر من التاريخ عربية صميمة حين أرسل الله إليهم نبيه صالح عليه السلام وهو نبي عربي من أربعة أنبياء عرب هم: هود وصالح، وشعيب عليهم السلام ونبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- جاء يدعوهم إلى التقوى والإيمان وعبادة الله وحده، كما قال تعالى {كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ{141} إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلَا تَتَّقُونَ{142} إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ{143} فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ{144} الآيات 141 - 144 الشعراء.

أما الآثار التي بقيت ظاهرة للعيان حتى الآن غير المطمورة تحت التراب فهي عبارة عن غرف منحوتة في صفحات تلك الجبال ذات الصخور الرسوبية الرملية ولونها من لون الأرض التي هي فيها وردية باهتة أقرب ما تكون إلى بيضاء من داخلها. هذه الغرف المنحوتة في صفحات تلك الصخور على ارتفاع عن الأرض يتراوح ما بين متر إلى متر ونصف إلى مترين في الوقت الحالي، وكما هو معروف أن الأرض تندفن وترتفع مع مرور السنين والقرون وذلك مما تسفوه الرياح من الرمال التي تنحتها من تلك الصخور، وربما كان ارتفاعها في الأصل أكثر من ذلك، وهذه الغرف يتراوح اتساعها ما بين 4 * 4 متر، 4.5 * 4 متر، 4 * 5م، 5 * 5م، 5 * 6 متر وأكبر من ذلك، أما الارتفاع في السقف فترتفع من متر ونصف إلى مترين ومترين ونصف وأرفع من ذلك، وفي صفحات الغرفة الجانبية أو جدرانها إذا صح التعبير حفر بطول جسم الإنسان القصير نحو 152 - 150 سم بعضها فوق بعض وارتفاع تجويف الحفرة نحو 40سم وعمقه بحدود نصف متر وأكثر أو أقل قليلاً وربما ان هذا الوضع مما أوحى للبعض بأنها مدافن أو مقابر، وقد لا تكون كذلك؛ إذ ليس على حافات أكثرها ما يدل على أنها تغطى وتحكم على جثمان الميت، مما قد رأيناه على مقابر قدماء المصريين والأنباط، فهذه لا تتعدى كونها حفرا في عرض جانب تلك الغرف يكون في جوانب الغرفة حفرة واحدة أو حفرتين أو أكثر، وقد لا يكون بها سوى حفرة واحدة، واللافت للنظر أن أسطح تلك الغرف متساوياً تماماً وكأنه قد تم وزنه على ميزان ماء وكذا الحال لاعتدال جوانب الغرف، والغريب أن مضارب الازاميل في خطوط منتظمة في اتجاهات متعددة وفي غاية من الدقة والجمال والغرابة تصل إلى حد الادهاش، وأن أثر الأزاميل في الصخر يظنه الناظر إليه أن الأزميل قد شقه حديثاً قبل سنة أو سنتين وربما بضع سنوات، وهذا ما يدل على دقة دفنية النحات الذي ضرب بمطرقته وازميله الحديدي على جوانب تلك الصخور وسطوحها وشقها، وأبقى فيها آثار الأزاميل ماثلة للعيان بوضوح عبر تلك الآلاف من السنين، ولولا ما شوه بعضها من بيوت حشرة (الذُّبَّة) وهي حشرة طائرة بنية اللون أكبر من النحلة وأصغر من اليعسوب ولها شوكة تلسع بها، وتبني أعشاشها أو بويتاتها الطينية بحجم حبة الفستق متلاصقة تبنيها من الطين الذي تنقله بفمها وتصنع فيها بيضها حتى يفقس ثم تشق عنها وتطير منها صغارها، هذه البويتات الطينية المفتحة هي التي شوهت منظر تلك السطور التنار من مضارب الأزاميل.

هذه الغرف لها مصاعد وأدراج من الصخر الذي تحتها، كما يوجد في بعضها أدراج داخلية يصعد معها إلى الدور الثاني لهذه الغرف ذات الدورين كما يوجد ببعض الغرف حفرة مستطيلة عرضها نحو متر في نحو ثلاثة أمتار وعمق نحو متر في وسط الغرفة، وينبغي تصوير هذه الغرف من مصور فني معماري لتلك الخطط، المتساوية من مضارب الأزاميل واعتدال واستقامة زوايا الغرف التي كأنها قد تم قياسها بمسطرة، وعلى مداخل بعض هذه الغرف مظاهر الأبهة والفخامة بما يحيط بها من الاطارات المزينة بالنقوش وكأنها بيت ملك أو رئيس وشاهدت صورتين أحدهما عليه ما يشبه التاج وله شاربان والثاني قد تغيرت معالم وجهه، فعل عوامل التعرية، كما شاهدت صوراً بارزة وداخلة لحيوانات مفترسة كالأسود والطيور الجارحة كالصقور وهناك الزخارف والزرانيق المواقفة والمعكوسة على مداخل تلك الغرف، وهناك غرفة كبيرة من دورين وعلى مدخلها غرفة صغيرة منحوتة لها نوافذ على كل اتجاه وكأنها غرفة حارس الملك أو الرئيس التي يقف بها الحارس ويرى من يأتي من كل اتجاه.

 

رجوع

طباعةحفظ 

 
 
 
للاتصال بناجريدتيالأرشيفالإشتراكاتالإعلاناتمؤسسة الجزيرة