Sunday  21/08/2011/2011 Issue 14206

الأحد 21 رمضان 1432  العدد  14206

  
   

الأخيرة

منوعات

دوليات

الرياضية

الأقتصادية

محليات

الأولى

الرئيسية

 
 
 
 

وجهات نظر

      

لك الله يا أمي..! لك الله كم نتوق لصوتك الممطر حناناً وحباً.. حمائم الهدوء بقلوبنا غادرت منذ غادرت بيتك إلى ردهات المستشفى، لم أستطع الليلة يا أمي أن أمنع يدي وهي تمتد مسرعة لأخذ «الجوال» لأتصل بك فقد تعودنا بعد الساعة التاسعة مساءً_ إن لم نرك أو نجتمع بك_ أن نتصل لنسمع نبرة صوتك الحنونة وهي تعطر المساء بإطلالتها الزاهية، وهي تغدق علينا من نميرها العذب بقولك: « هلا يا أبوي».

غياب صوت أمي حرقة لا تقواها صدورنا، ووحشة لا جلد لنا عليها، فوجهها الناحل لا يفارقنا وهو يرسل الطمأنينة في رعشة قلوبنا عليها برغم وهنها وضعفها! لكنها إرادة الله ولا اعتراض!

ولأن الحقيقة لا بد أن تظهر، وهكذا هي الدنيا زائلة لا تدوم لأحد وما اعتادت عليه النفس لابد أن يتوقف فقد توقفت يدي ولم تطلب الرقم واعتصر قلبي وحبست حرقة الدمع في مقلتي، فأمي اليوم لم تعد كما الأمس تنظرنا لا في بيتها ولا أمام جوالها أو هاتفها الثابت ترقب اتصالنا لتسمع أخبارنا ونسمع أخبارها القليلة فقد آثرت على نفسها أن تسمعنا أكثر مما نسمعها وتسمع أطفالنا وكلماتهم حتى حديثي العهد منهم بالكلام كم وكم أعطتهم جل وقتها واهتمامها وأطلقت عليهم الكنى والألقاب ومسميات الدلال كلٌ وما يناسب له فذاك زين وذاك أبو جندل وذاك بلال وذاك الشيخ.و..و..

أمي حتى لو أخذت جهازي الآن واتصلت بها حتى يفرغ الشحن لن ترد علي ولو ذهبت من فوري لمجلسها وبيتها لن أجدها تجلس في مكانها وبجوارها مصحفها أو قلمها ودفترها أو تستقبلنا بطلتها وجلبابها المتدلي على نصف شعرها من أمام الباب ترحب وتهلي ويجلجل البيت بصدى صوتها الحاني ودفء مشاعرها وهي تحتضن الصغار وتركض لتحضر لهم من دواليب مخزنها ما يفرحهم ويسعدهم من ألعاب ودمى كانت قد اشترتها وخزنتها كل وموهبته ورغبته فذاك له كرة وذاك زلاجات وتلك دمية أو حلية وآخر سيارة كبيرة فلم تكن تحب أن تقدم إلا أفضل شيء وأجمل ما يحبون..

أمي... بقلبي ألف غصة تقطع بنشيجها حلاوة الحياة بدون أن تكوني أنت معنا بصحة وعافية.. قبل أيام كانت أختي الصغرى تبحث في أجهزتنا لعلها تسمع تسجيلاً لصوتها وتعيش لحظات دافئة حتى لو كانت حلماً ولكن لم نجد شيئاً فقلنا لعل في الأمر خيرة فقد يكون للتسجيلات ضرر أكثر من النفع.

أمي في مثل هذه الأيام من العام الماضي كنت سعيدة جداً جداً لقرب زواج أخي آخر من كنت تنظرين فرحهم وكانت فرحتك به آخر فرحة حتى كتبت مقالي وتمت فرحتك وكل يبارك لك ويهنيك ولم أجدك سعيدة يا أمي، كما وجدتك سعيدة في أول إطلالة هذا العام وأنت تقولين الحمد لله يارب حققت لي ما أتمنى وبعد أيام إذا بك تنقصين يوماً بعد يوم وألم يعتصرك سألناك أمي ما بك؟ حاولت أن تخفي عنا مصابك لكن الألم كان أصعب عليك.

وأصعب يوم علي يوم رأيتك وقد وضعت جبينك وما علا من رأسك على الأرض وأنت تكتمين ألمك ولم تذوقي طعما لطعام ولا شراب وحار في أمرك الأطباء حتى قالوا: ليس بها شيء.. والألم الشديد.. قالوا: لا شيء... لكن الله أعلم أن تلك الآلام لم تكن لا شيء بل مرض عضال خفي عنهم ولم يخف عن الله الواحد الأحد...

أمي لا أنسى يوم الأربعاء ليلة الخميس من منتصف شهر صفر 1432هـ وأنت جالسة وقد لازمك أبي، وقد كنت تخفين شعورك العظيم بأعراض جلطة حتى أتم رحلتي أنا وزوجي وأولادي إلى مكة المكرمة يوم الخميس، رأينا العلامات وأخذك أخي وأختي إلى طوارئ المستشفى، وفعلاً كان ما توقعنا أعراض جلطة لكن ما خفي كان أعظم... والأخبار العصيبة ها هي تتوالى على أخي وأختي ليس ذلك فحسب بل اشتباه بأورام في الرأس ورجح الطبيب أنها خطيرة في مكانها لكن لا بد من الجراحة حتى يتبين الأمر، يالله أنزل صبرك ورضاك عليها وعلى إخوتي..

أمي.. أخفيت كل ذلك حتى لا ألغي رحلتنا ولا أذهب للعمرة صبرت يا أمي لهذا الحد حتى نتم ما خططنا له ولم تفكري في نفسك وهذا ما أسررت به لإخوتي « بألا تخبروا ابنتي حتى تسافر»... نعم يا أمي علمت بحالك وذهبت لمكة وأخذت عمرتي وفاضت عبرتي حتى أحقق لك مطلبك وعدت من ليلتي ولو كنت أستطيع أن أمتطي الهواء لأعود إليك وأرقد بجوارك لفعلت... وعدت إليك وفرحت بنا كعادتك تفرحين للآخرين ولأبنائك ولا تفكرين بنفسك وجلست بقربك، وعلمت أن إخوتي أخفوا عليك تشخيص الأطباء رحمة بك فصمت عن ذلك أنا أيضا حتى همست يوماً في أذني وقلت بصوت ضعيف متعب: ابنتي أنا أعلم.. فصمت أنا كأني لم أسمع.. فقالت أعلم ما برأسي والله يا بنتي ما يكتب للإنسان إلا ما فيه خير له، هنا حبست دمعتي وطأطأت رأسي خجلاً منها أنه رغم صبرها واحتسابها لا أستطيع أن أخبرها بصراحة.. وأكملت أياما في المستشفى وإخوتي بارك اللهم فيهم وزوجاتهم وأبنائهم حولها كالعقد الذي يخشى أن يسقط منه لؤلؤة وأي لؤلؤة إنها رأس العقد ودرته..

الأيام القليلة التي بقيت فيها يا أمي في المستشفى كانت كافية أن يعرفك كل من يتعامل معك ويسمع عنك آخرون حتى أصبح الجميع حتى حراس الأمن يعرفون من هي أنت؟ من هي « ماما موضي».

وكان أن حدد لك موعد الجراحة ونقلت بسيارة الإسعاف، أتذكرك يا أمي كيف كنت تلوحين بيدك وتسلمين على من وقفن لك من المستشفى؟ كيف كانوا يودعونك وكنت أجلس بجوارك؟ وكيف قبضت على يدي بقوة وقلت لأختك خالتي العزيزة وهي تتصل لتطمئن عليك: الشكوى لله يا أختي ركبت سيارة إسعاف؟!... ورفعت سبابتك وقلت الكلمة التي اعتدنا على سماعها منك: الحمد لله يارب عساها على الشهادة، أمي كان صوتك ضعيفاً بسبب المرض، لكن ما شد من عزمي صبرك وحمدك وشكرك لله والسعادة كانت تغمرك كأنك تنتظرين مكافأة تذكرين « يمه« عندما قلت لي لا تبكوا علي ادعو لي والله ما يضيع عباده.. وصلنا المستشفى المتخصص وكانت في استقبالنا الغالية صديقة القلب والروح الحبيبة وأخت الجميع الأميرة منال بنت مساعد تذكرين « يمه» لما قلت لي « شفت يا بنتي وشلون تواضع الأميرة؟ وسترها؟ هي كذا يابنتي موعشان تكون أميرة في الدنيا وبس بل وأميرة في الجنة جعلها الله كذلك يابنتي ماحد مخلد في هالدنيا «... يالله يا أمي كم كانت كلماتك مؤثرة لحظات سريعة عصيبة ومن أشعة إلى فحوصات حتى تأكدت حاجة أمي للجراحة وتمت وبعد ما يقارب الثماني ساعات يخرج الطبيب يائساً من حياتها ليتلقى إخواني الأخبار الجديدة أنها في المرحلة الأخيرة ودرجة الخطورة كبيرة ومهما استؤصل الورم سيعود فمكانه حساس ووووو...أخرجوها تفرح بكم وتفرحوا بها فلن تعيش أكثر من عام... ثبتهم الله وثبتها... ومرت الأيام ثقيلة علينا عصيبة علينا وعليها فما باليد حيلة والله يسمع ويرى يارب لطفك بأمنا... وذات صباح باكر دخل أخي الأصغر « العريس « الذي كرس حياته وفرغ نفسه ليكون تحت قدميها الغاليتين وفقه الله ورفع قدره في الدنيا والآخرة رفع الغطاء عن وجهها كعادته يحاول أن يسمعها كلماته العذبة المحفزة المشجعة التي تفرحها وتدخل السرور إلى قلبها لكنه لاحظ أنها لا تستجيب له فنقلها على الفور ومعه أخي الأوسط بالهلال الأحمر الذي وصل _ولله الحمد_ بوقت قياسي ثم حملوها إلى أقرب مستشفى وأخذ الوعي يضعف عندها يوما بعد يوم حتى عجزت عن الكلام سوى كلمات معدودة « الحمد لله إذا أحد سألها عن حالها ولا إله إلا الله إن اشتد ألمها» حتى أصبحت لا تقوى_ولله الحمد_ إلا على رفع سبابتها بالتشهد وإن كنا لا نسمعها فالله يسمعها.. والكل يدعو لها وهي الحبيبة القريبة من كل الأسر والمحتاجة خاصة التي تعرفهم وتصلهم وهي الداعمة بأطباقها اللذيذة للطبق الخري وهي الدارسة في رحاب تحفيظ القرآن الكريم بحي المرسلات، وهي التي لا تحمل في صدرها شيئا على أحد متسامحة لا تتحمل أن يدعو أحد على أحد حتى لو كان ظالماً بل تقول: لا تشغلون لسانكم إلا بالدعاء بالخير واللي يدعي بالخير يتعود عليه اللسان ويلقاه الإنسان، وهي التي تعد إفطارا للصائمين بمسجد حيها المجاور لها منذ أكثر من أربعة وعشرين عاماً وقد كرمها إمام المسجد السابق الشيخ الكريم- عبدالرحمن الجديد وفقه الله وجزاه عنا وعنها خيراً كرمها في رمضان الماضي وأعلن اسمها (أم بدر سيدة الحي الأولى) أتذكر يومها صلت التراويح حياء في بيتها ولم تذهب إلى المصلى عندما بلغ لسمعها أن هناك شيئا بشأنها وكأن الشيخ_ حفظه الله_ شعركما شعرت هي أنه قد تكون غائبة عن الوعي في رمضان القادم، كرمهم الله بجنته وفردوسه الأعلى.. والله سبحانه وتعالى هو المقدر فلقد أوصتنا أيضا إن لم تستطع هي في رمضان القادم أن تقوم بما اعتادت عليه كل عام في رمضان الكريم من تفطير للصائمين أن نقوم نحن بذلك ومن كرمها وأدبها وأنها لا تحب أن تكلف على أحد قالت هذه الكلمات فقط وهي قد أحضرت متطلبات الإفطار العام الماضي « ما أدري السنة الجاية أقدر أجيبها وإلا الله أعلم لكن إذا ما قدرت أنتم إن شاء الله ما تقصرون «.. وهي التي افتقدها الكبار والصغار والخادمات والسائقون حتى أنه لم تبق خادمة إلا وزارتها وتبكي على يدها وتقول لها: كنت لي مثل أمي أمي....يا أم الجميع ويا رحمة الله بنا، ويا سيدة الحنان بدارنا،... نحن في رمضان لهذا العام وقلوبنا ترقبك ولا تكاد تهدأ أنفاس صدورنا وأنت غائبة الوعي في العناية الفائقة ترقدين بعيداً عنا تحت عناية الله ورحمته.

فكل من له أم الزم رجليها وكن لها كما قال الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم الزم رجليها فثم الجنة نعم الجنة ونعيمها بقربك من أمك من والديك من طاعتهما في غير معصية والبر بهما وقضاء حاجتهما.. لا زلت أذكر بنات صديقة أمي وقد زرن أمي العام الماضي وصلاً بأمهن التي ماتت _رحمها الله _ قبل فترة وكانت أمي بصحتها واستقبلتهن أطيب استقبال وأوصوني كما أوصيكم أجلسوا دائماً بقرب أمكم تهنوا فيها وتتهنى فيكم فكم نتحسر على تلك الأيام التي قد يشغلنا الأبناء أو الوظيفة ومتطلباتها للحضور لأمنا أو نتأخر في يوم الاجتماع عندها، ويوم أن رحلت عرفنا أننا قد فرطنا كثيراً فهلموا إلى أمكم إلى بابها المفتوح قبل أن....

أمي.. أمي.. يمه وتجيبني ألف دمعة ودمعة. لن تكل أيدينا عن قرع باب الكريم ذي الفضل والجود، ذي العزة والملكوت فهو الرحيم وهو القادر وهو المتفضل. كلنا أمل فيه، ولا نرجو أحد سواه - يارب أعنا - وأن يمتعنا بك وبصوتك وبضمة حنان من قلبك الحبيب.. فأرواحنا ظمأى.. وقلوبنا وجلة قد انغرس نصل السهاد بها ونحن ننتظرك، ندعوه أن يفيض علينا برجعة لك لتشرق شمسك بيننا وأن يكتب الله ما كان فيه خير لك في الدنيا والآخرة ويعظم أجرك ويرفع درجتك ويعلي منزلتك ويختم لنا ولك بخير اللهم أمين آمين يارب العالمين.

الجزيرة: توفيت رحمها الله أمس الأول، بينما كان هذا المقال في طريقه للنشر.

 

يا وطن الحنان... اشتقت لسماع صوتك!
هياء الدكان

أرشيف الكاتب

كتاب وأقلام

 

طباعةحفظ 

 
 
 
للاتصال بناجريدتيالأرشيفالإشتراكاتالإعلاناتمؤسسة الجزيرة