Saturday  27/08/2011/2011 Issue 14212

السبت 27 رمضان 1432  العدد  14212

  
   

الأخيرة

منوعات

دوليات

الرياضية

الأقتصادية

محليات

الأولى

الرئيسية

 
 
 
 

وجهات نظر

      

حمدًا لك اللهم على آلائك، وشكرًا لك اللهم على جزيل نعمائك، ونصلي ونسلم على أشرف رسلك، وخيرة خلقك، محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه ومن تبعه بإحسان إلى يوم لقائك، وبعد:

فإن الحديث عن جهود المملكة العربية السعودية ممثلة في قيادتها الحكيمة وولاة أمرها الأوفياء، وحكامها الميامين، وعلى رأسهم الملك الإنسان الشهم الفذّ الذي أتعب من بعده بسماته وخلاله وتعامله مع قضايا شعبه ووطنه وقضايا المسلمين عمومًا، خادم الحرمين الشريفين الملك/ عبدالله بن عبدالعزيز، يؤازره ويعاضده ولي عهده الأمين، صاحب السمو الملكي الأمير/ سلطان بن عبدالعزيز، ويكتمل العقد بالنائب الثاني، والطود الشامخ، صاحب السمو الملكي الأمير/ نايف بن عبدالعزيز -أدام الله علينا نعمة ولايتهم، وحفظهم من كل مكروه..

أقول: الحديث عن جهودهم لا شك أنه جزء من أداء واجبهم، والوفاء بحقهم على رعيتهم وشعبهم، لكن حينما يكون الحديث عن الحرمين الشريفين والمشاعر المقدسة وما يبذلونه في هذه البقاع المقدسة فإن الحديث له مذاق خاص، وطعم مختلف، لأنه حديث عن خصائص ومميزات حمى الله بها وطننا، وهيّأ ووفق لها قادتنا، وجعل قدرهم وشأنهم ورسالتهم أن تحمى هذه المقدسات، وأن يتوافروا عليها خدمة وإعمارًا وتطويرًا ودعمًا بكل الإمكانات والوسائل والتقنيات التي تجعل من هذه البقعة المباركة أجمل وأبهى وأفضل مناطق العالم، ثم هو حديث عن ثوابت المملكة العربية السعودية فيما يتعلق بهويتها ورسالتها تجاه الأمة الإسلامية في كل مكان، ذلك أن هذه البلاد المباركة والوطن الآمن بلد السلم والسلام، والخير والإنسانية، ومهوى الأفئدة ومهبط الوحي، وموئل المسلمين في كل مكان، هي قلب العالم الإسلامي النابض، وروحه الفاعلة، ومحركه الفعال ومحط أنظار أبنائه، ومهوى أفئدتهم، ومتجه قبلتهم، ونصير -بعد الله- لمظلومهم ومضطهدهم، ومعين لمشردهم وضعيفهم ومنكوبهم، وداعم أساسي لجميع قضاياهم على تنوع أجناسهم وألوانهم وتباين وتباعد بلادهم وديارهم، اختار الله لها أن تكون حامية وخادمة لأشرف وأطهر بقعة، ومنحها من الفضائل والنعم ما يمكنها من أداء واجبها تجاه هذا الشرف الكبير الذي اختصها الله به، ولذا فهي تعطي ولا تبخل، وتؤيد ولا تتنازل، وتعطف وترحم، تبني ولا تهدم، تسهم وتشارك، تعطي وتبذل دون منة أو أذى، أو انتظار لمدح وثناء، في ثبات على المواقف والمبادئ نابع من رسوخ وأصالة في القواعد والأسس، منتج للقوة في الحق، وفق نظرات صائبة وسياسة حكيمة، وأحكام سليمة تنطلق من رسالتها السامية وغاياتها النبيلة، وأهدافها العالية المستمدة من مبادئ الإسلام «عقيدة وشريعة وأخلاقًا»، والتي قاعدتها الأصلية، ومنبعها الصافي، ومعينها الذي لا ينضب كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وما كان عليه سلف هذه الأمة، تنطلق مما تميزت به الشريعة من الأصالة، والكمال والتمام والشمولية، والصلاحية لكل زمان ومكان وأمة قال تعالى: {وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ}، وقال تعالى: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ}، وقال صلى الله عليه وسلم: «تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدًا كتاب الله وسنتي».

ودولتنا الفتية أخذت بذلك وطبقته منذ النشأة الأولى، وعملت به في دقيق أمورها وجليلها، كبيرها وصغيرها، علمًا وعملاً، تعاملاً وتصرفًا وعلاقة، عبادة ومعاملة، أحكامًا وسلوكًا واحترامًا للحقوق، وتقديرًا لكل مستحق، وأثمر هذا التمسك كل مظاهر الالتزام بهذا الدين والقيام به وتطبيقه، وما خدمة الحرمين الشريفين إلا شاهد على هذا الثبات والتمسك بالأصول، فقد سارت على هذا المنهج الراسخ منذ عهد مؤسس هذا الكيان العظيم المملكة العربية السعودية الإمام المصلح/ عبدالعزيز بن عبدالرحمن -رحمه الله- الذي يسجل له التأريخ عناية ورعاية بالبلد الحرام منذ أن توحد مع الحجاز وصار دولة قوية فتية ترفع علمها خفاقًا يحمل كلمة التوحيد، لا إله إلا الله، محمد رسول الله, وتوالى أبناؤه البررة، وأنجاله الميامين -رحم الله الأموات، وحفظ الأحياء- على هذا الشأن العظيم ألا وهو خدمة الحرمين الشريفين، الذي يعدونه من أعظم مسؤولياتهم، وأهم أماناتهم ليجد قاصدو البيت الحرام والمشاعر المقدسة ومسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم كل ما يعينهم على التعبد وأداء المناسك والشعائر، في طمأنينة وأمن وأمان، وصار هذا جزءًا من أعمالهم ومنجزاتهم وجهودهم التي يلمسها المسلمون في وطن الإسلام، ويشعر بها كل مسلم فوق كل أرض وتحت كل سماء، وحديث الأفعال يشهد على ذلك، ويقف الراصد فيه على جملة عظيمة تعد من المآثر والمفاخر التي يفخر بها كل مسلم، كيف لا وقد خلعوا عن أنفسهم كل الألقاب التي يستحقونها، واعتبروا لقب خادم الحرمين الشريفين هو أشرف وأجمل ما يوصفون به، وما أجمله من لقب يحمل أبعادًا ودلالات عميقة في الارتباط بهذه البقاع الطاهرة، والعناية بها وخدمتها, والتشرف بذلك, وتحمل الأمانة والمسؤولية كاملة تجاهه.

ومن يرصد هذه الجهود منذ عهد الملك المؤسس الباني، الملك/ عبدالعزيز -يرحمه الله- وإلى هذا العهد الميمون يجد أن لغة الأرقام ترصد إنفاقًا كبيرًا، وعناية فائقة وأعمالاً جليلة, إذ لا يمر زمن إلا وتشهد المدينتان المقدستان (مكة المكرمة, والمدينة المنورة) خدمات وجهودًا تتواكب مع ازدياد أعداد المسلمين القادمين إلى هذه الأماكن المقدسة من شتى أنحاء العالم، وما أن تنشأ مشكلة إلا وترصد الميزانيات لدراستها ووضع الحلول المناسبة لها، وهذا كله لا يخفى على متأمل وراصد.

ويأتي تمام العقد، ومنتهى العناية ما وفق الله إليه خادم الحرمين الشريفين الملك/ عبدالله بن عبدالعزيز -أيده الله- حينما اختار هذا الشهر الكريم وفي مستهل العشر الأخيرة منه ليقدم للمسلمين أعظم منجز تأريخي نوعي في هذه البقعة المقدسة، التوسعة التي هي أعظم توسعة شهدها التأريخ، ليكتمل عقد هذه التوسعات العظيمة لهذه البقعة المقدسة، وستأتي الحديث عنها, وفي إزاء ذلك قدمت جميع ما يحتاج إليه ضيوف الرحمن من المساكن والبيوت والمآكل والمشارب، والمتابع والمطلع على أحوال الحرمين الشريفين والأوضاع الأمنية في الأراضي المقدسة يدرك بأن حجاج بيت الله الحرام لم يتمتعوا في عصر من العصور بعد القرون الأولى بنعمة الأمن والأمان والسلام في بلاد الحرمين الشريفين مثل ما تمتعوا بهما منذ زمن الملك عبدالعزيز -رحمه الله- إلى الآن، فالحمد لله على آلائه وتوفيقه وتسديده.

ومن يتأمل تلك الجهود، خصوصًا في عمارة المسجد الحرام وتشييده يدرك أن ذلك الأمر ما هو إلا تطبيق لمنهج الإسلام في حثّه على بناء المساجد وتشييدها، وتعظيم شأن من يقوم بهذه الأعمال الجليلة, فقد أثنى الله على من يعمر بيوته حسًا ومعنى, فقال: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ}، فهذه شهادة من الله بأن من يقوم بهذه الأعمال فهو مؤمن، وباعثه على هذا العمل هو إيمانه بالله، وهو دليل هداية، قال ابن كثير رحمه الله على هذه الآية: «شهد تعالى بالإيمان لعمار المساجد»، وقال القرطبي رحمه الله على هذه الآية: «دليل على أن الشهادة لعمار المساجد بالإيمان صحيحة؛ لأن الله سبحانه ربطه بها»، وإن من عمارة المساجد إقامتها، وترميمها وتعاهدها وصيانتها.

ومما ورد في فضل الإنفاق على المساجد وتعميرها والمساهمة في استمرارها وبنائها ماورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «مَنْ بَنَى مَسْجِدًا لِلَّهِ كَمَفْحَصِ قَطَاةٍ أَوْ أَصْغَرَ بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ». رواه ابن ماجه وصححه الألباني.

قال السندي في شرحه لابن ماجه: وقوله: «كمفحص قطاة: هو موضعها الذي تخيم فيه وتبيض لأنها تفحص عنه التراب، وهذا مذكور لإفادة المبالغة في الصغر, وإلا فأقل المسجد أن يكون موضعا لصلاة واحد».

وقال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: وحمل أكثر العلماء ذلك على المبالغة، لأن المكان الذي تفحص القطاة عنه لتضع فيه بيضها وترقد عليه لا يكفي مقداره للصلاة فيه. . .، وقيل بل هو على ظاهره، والمعنى أن يزيد في مسجد قدرا يحتاج إليه تكون تلك الزيادة هذا القدر، أو يشترك جماعة في بناء مسجد فتقع حصة كل واحد منهم ذلك القدر».

وفي الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ بَنَى مَسْجِدًا يَبْتَغِي بِهِ وَجْهَ اللَّهِ بَنَى اللَّهُ لَهُ مِثْلَهُ فِي الْجَنَّةِ».

قال النووي في بيان عظمة هذا الثواب: «يحتمل قوله: مثله، أمرين: أحدهما: أن يكون معناه: بنى الله تعالى له مثله في مسمى البيت، وأما صفته في السعة وغيرها فمعلوم فضلها أنها مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. الثاني أن معناه: أن فضله على بيوت الجنة كفضل المسجد على بيوت الدنيا».

و عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من بنى لله مسجدا صغيرا كان أو كبيرا بنى الله له بيتا في الجنة» رواه الترمذي، وهو حديث حسن.

فكل هذه النصوص دالة على عظم القيام على المساجد وتشييدها، وعمارتها وإصلاحها، وهو ثواب عام في عموم المساجد، فكيف إذا كان ذلك في عمارة الحرمين الشريفين، والقيام بشؤونهما، فأعظم به من ثواب وفضل لا يقادر قدره، ولا يعلم أحد منتهى أمده، ونحتسب ذلك لكل من قام بإعمار المسجد الحرام ومسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن توسعة بقعة هي مهوى الأفئدة، ومتطلع المسلمين، وعرصات مناسكهم، وقبلة عباداتهم، ومكان توحدهم واجتماعهم العظيم لا ينحصر نفعه في مجرد الصلاة، أو في شأن معين، بل يعم كل أنواع العبادات المرتبطة بالمكان، ويكون هذا العمل الجليل:

1- حماية العقيدة، وتحقيق توحيد الله، وإخلاص العمل له؛ لأن البيت إنما بني على التوحيد، وكل ما يتعلق به من عبادات فهي لإقامة توحيد الله, وإعلان شعائر التوحيد، {وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لاَّ تُشْرِكْ بِي شَيْئًا. . .}، {حُنَفَاء لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ}.

والتوحيد مقصد جميع العبادات، وهو أصل الأصول، وأساس القبول، فالقيام على بلد التوحيد، والبيت الذي بني عليه وخدمته وتهيئته للمتعبدين لاشك أنه جزء من حراسة العقيدة وحمايتها، وأعظم بعمل يحقق هذا القصد العظيم الذي هو دين جميع المرسلين، والغاية من بعثتهم.

2- إعانة للمتعبدين، وقد بيّن النبي صلى الله عليه وسلم أن من أعان متعبدًا شاركه في أجره، فقال في الغزو: «من جهّز غازيًا في سبيل الله فقد غزا», وهذا لا يختص بهذا العمل, بل كل من أعان المتعبدين في عبادتهم شاركهم في الأجر, ولذلك لما خلف النبي صلى الله عليه وسلم عليًّا رضي الله عنه في أهله, وتكلم من تكلم, قال له صلى الله عليه وسلم: «ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه ليس نبي بعدي» أخرجه البخاري ومسلم.

3- إحسان إلى الوافدين إلى هذه البقعة، والإحسان مرتبة عالية، ومنزلة عظيمة في الدين، جزاؤها من جنس العمل، {هَلْ جَزَاء الإِحْسَانِ إِلاَّ الإِحْسَان}.

4- قيام بحق البقعة والمكان، وتهيئة له، وهذا ما أمر الله به خليله إبراهيم في قوله: {وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لاَّ تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُود}, يقول الطبري رحمه الله: «يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم، معلمه عظيم ما ركب من قومه قريش خاصة دون غيرهم من سائر خلقه بعبادتهم في حرمه، والبيت الذي أمر إبراهيم خليله صلى الله عليه وسلم ببنائه وتطهيره من الآفات والريب والشرك».

5- حماية وصيانة للأماكن المقدسة، ويمكن إدراك فضل هذا بالنظر إلى مقابل ما ذكره الله، فقد توعد الله من قصد هذا البيت بمجرد إرادة سيئة، فقال: {وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيم}، فكيف بمن قام بعمل، وإذا كان هذا جزاء وعقوبة من قام بذلك، فإن فضل من حافظ على أمن البيت الحرام وسهر على ذلك، وجنّد كل طاقته لتحقيق أفضل البيئات سيكون أعظم وأوفر.

6- الوفاء بحاجة المسلمين، وتحقيق مقاصد الشريعة في اجتماعهم ووحدتهم وائتلافهم؛ لأن من أعظم ما يؤلف المسلمين ويوحد كلمتهم توحدهم على عباداتهم واجتماع كلمتهم على مناسكهم، وتوجههم، فإن هذا من مقاصد شعائر الحج.

هذه جملة من الفضائل تبين أن إعمار وتطوير وخدمة الحرمين ليست كسائر المساجد، بل هي أعظم فضلاً وأجرًا وثوابًا، لأن من المتقرر في الشريعة أن العمل يعظم بعظم آثاره، وهذا ما نحتسبه لولاة أمرنا -أيدهم الله-.

وحتى يكون هذا الحديث تفصيلاً لما حصل في هذه العهود أذكر هنا نبذة سريعة عن التوسعات السعودية التي جرت منذ عهد الملك المؤسس الباني، الملك/ عبدالعزيز بن عبدالرحمن الفيصل آل سعود -طيب الله ثراه، وجعل الجنة مأواه- الذي حرص على الحرمين الشريفين وتهيئتهما لعمّار وزوّار بيت الله الحرام، فمنذ دخوله -يرحمه الله- مكة المكرمة أمر في عام 1344هـ بترميم الحرم المكي كله، وفي أوائل سنة 1346هـ أمر بإجراء عمارة عموم المسجد الحرام داخلاً وخارجاً على حسابه الخاص، مع إجراء صيانة سنوية له، ثم أمر -رحمه الله- بإعداد دراسة كاملة لتوسعة الحرم المكي الشريف، واستمرت الدراسة حتى عام 1375هـ/1955م؛ إذ بوشر العمل فيها، وقد مرَّت التوسعة السعودية الأولى بأربع مراحل:

- المرحلة الأولى: ( 1375-1381هـ )، وشملت بناء المسعى بطابقيه، كما تمَّ بناء درج دائري للصفا والمروة ومداخل للحرم من جهة المسعى.

-المرحلة الثانية: ( 1381 - 1389هـ )، وتضمنت أعمال العمارة، والجزء الخارجي من المبنى الجديد، وتوسعة منطقة المطاف، وعمل سلالم لبئر زمزم.

- المرحلة الثالثة: ( 1389- 1392هـ)، وتمَّ خلالها بناء المكبرية، وشق الطرق، وإنشاء الميادين حول الحرم.

- المرحلة الرابعة: ( 1392-1396هـ )، وشملت تجديد الحرم القديم، وتجديد أركانه الأربعة؛ لإنشاء البوابات الثلاث الرئيسة.

كما أمر الملك عبدالعزيز - رحمه الله - عام 1348هـ بإجراء عملية ترميم للحرم النبوي، وأعلن - رحمه الله - في الثاني عشر من شهر شعبان سنة 1368هـ عن عزمه على توسعة المسجد النبوي الشريف، وأجريت الدراسات اللازمة، ثم بدئ في شهر شوال عام 1370هـ بهدم الدور المحيطة به وتعويض أصحابها عنها إيذاناً ببدء أعمال التوسعة.

وكانت مساحة المسجد 10302متر مربع، أضيف إليها 6024متر مربع في التوسعة السعوديـة التي أمر بها الملك عبدالعزيز، وانتهت في يوم السبت 5-3-1375هـ.

وتتابع على ذلك أبناؤه من بعده، سعود وفيصل وخالد وفهد -عليهم رحمة الله-، اهتمامًا وحرصًا بالمسجد الحرام والمسجد النبوي، وكانت كبرى التوسعات السابقة لهذا العهد ما حصل في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك/ فهد -يرحمه الله-، حيث وضع حجر الأساس للتوسعة في المسجد النبوي يوم الجمعة 9-2-1405هـ، ووضع حجر الأساس للتوسعة الكبرى في الحرم المكي يوم الثلاثاء 2-2-1409هـ.

واكتملت البنية الأساس لتوسعة خادم الحرمين الشريفين الملك/ فهد -يرحمه الله- في المسجد النبوي في منتصف عام 1410 هـ، على مساحة تبلغ 280000 متر مربع، يضاف لها المرافق والخدمات.

وفي هذا العهد الزاهر، والحكم الراشد، عهد ملك الحكمة والسداد، خادم الحرمين الشريفين الملك/ عبدالله بن عبدالعزيز -أيده الله- هيأه الله جل وعلا ووفقه لعمل صالح، ومنجز نوعي يصنع به التأريخ، ويسطر له بأحرف من نور، وذلك حينما اختار شهرًا مباركًا، واستهل عشره الفاضلة التي ترجى فيها ليلة شريفة عظيمة، ليدشن مشروعات كبرى في هذه البقعة المقدسة، منها ما أنجز وتم، وأصبح معلمًا حضاريًا يشهد بهمة الأفذاذ، وعظمة الإنجاز، ومنها ما تترقبه الأمة في عهد قريب، حيث وضع -يحفظه الله- حجر الأساس لأكبر توسعة للمسجد الحرام، بقيمة تصل إلى الأربعين مليارًا، وبمساحة توازي مساحة المسجد الحرام الحالي بمرة ونصف.

وإن المتأمل لهذه التوسعة العظيمة، والآية الباهرة الممتدة على مدى الأجيال، وما قام به إمام المسلمين وخادم الحرمين الشريفين من هذه المشاريع الجبارة، والخدمات الجليلة، التي خلدها له التأريخ، ليكمل بهذه المشاريع العملاقة ما ابتدأه سلفه الصالح، وليكون عمله هذا سببًا في التيسير والإحسان إلى قاصدي بيت الله من عمّار وزوّار، لتستوعب هذه البقعة أكبر عدد منهم، وليؤدوا مناسكهم في طمأنينة وخشوع وسكينة وأمن وأمان، ولينعموا بما أفاء الله جل وعلا على هذه البلاد المباركة من فضل عميم ليدرك أن ذلك لم يكن إلا بتوفيق من الله جل وعلا وحسن نية وقوة إيمان، لتكون هذه الجهود المباركة، والأعمال الجليلة من جملة الشواهد الناطقة، والحقائق الناصعة، والنعم المتتابعة على هذا الوطن وقادته وأهله، تشهد بأن هذا بلد الإسلام، وموئل العقيدة ومأرز الإيمان، وأن الله اختار لها قادة أفذاذًا، نذروا أنفسهم لخدمة دينهم وعقيدتهم وشعبهم، والله أعلم حيث يجعل رسالته.

وميزة هذه المنجزات أنها ذات طابع شمولي، فالتوسعة كما ذكرنا أعظم توسعة مرت على تأريخ هذه البقعة، بل إنها توازي جميع التوسعات السابقة وتزيد عليها النصف، والعظمة ليس في هذه القدرة الاستيعابية فحسب، بل في التصاميم الهندسية، والأشكال والمجسمات والميزات والخصائص التي استفيد فيها من الثورة المعلوماتية، والقفزة التكنولوجية، والتراكم الهندسي في مجال العمارة، وتوافر عليها ثلة من أميز المهندسين والخبراء، حتى تشكلت صورة المشروع برؤية عالمية لا يمكن أن يصل الذهن والخيال إلى تصورها، فضلاً عن إدراك ما تشتمل عليه من تفاصيل وجزئيات، هذا إضافة إلى توسعة المسعى التي انتهت ومكنت -ولله الحمد- من استيعاب الأعداد المتزايدة، وسهلت أداء المناسك، وصارت محل الرضا والقبول من كل المسلمين علماء وعامة، وهذا من توفيق الله لخادم الحرمين الشريفين، وواكب هذه التوسعات مشروعات كبرى تحول هذه المدينة المقدسة إلى مدينة عالمية أنموذجية تعد من فرائد المدن العالمية، وأول ما يبهر العقل، ويشد الفكر، ويسر الخاطر غير هذه التوسعة تلك الخدمات التي حظيت بها منطقة المشاعر، خصوصًا جسر الجمرات الذي أصبح أحد أهم المشاريع التي شهدتها المشاعر المقدسة، والذي كان له الدور البارز في توفير الأمن والأمان أمام ضيوف الرحمن أثناء رميهم للجمار، وسهّل للحجاج مناسكهم بكل يسر وسهولة، وتلك الساعة العجيبة المميزة التي تعد تحفة معمارية فريدة، سُخرت لها أفضل القدرات الهندسية في العالم لوضع تصاميمها ونُفذت بأيدي أمهر الصُناع، حتى باتت على صورتها الحالية أكبر ساعة في العالم، ينساب الأذان منها عذباً رقراقاً صافياً موصلاً رسالة التسامح والصفاء، والدعوة إلى العبادة، خمس مرات في اليوم.

وفي جانب إدارة الحشود ومعالجة الازدحام في الطرقات وجه -أيده الله- بشبكة من الطرق الدائرية والأنفاق، ومشروع متكامل لخدمة الحرمين والمشاعر بالقطارات،والذي سيكون في ظرف دقائق معدودة يتمكن الحجاج من قطع المسافات، مختصرين بذلك ساعات طويلة, مما يشكل نقلة نوعية في حركة ملايين من الحجاج والمعتمرين.

أعمال يعجز يعجز القلم عن وصفها وإحصائها، فكيف بواقعها وحقيقتها، والحق أن الحديث عن هذا العمل الجبار، والمنجز التأريخي حديث لا يمل، وليس غرضي من هذا البيان إلا أداء بعض الحق المفترض عليّ تجاه هذا القائد الإسلامي، والحكيم المظفر، خادم الحرمين الشريفين -أمد الله في عمره على الطاعة والإيمان-, وإبراز بعض هذه الجهود التي كرر -أيده الله- أنها تؤدى من قبل حكومة هذه البلاد دون منة أو فخر.

وبعد: فإن هذه الجهود المباركة لا ي شك منصف عاقل أنها من أسرار التمكين والعز والتأييد، وأن هذه الجوانب المضيئة جزء من الثوابت لم ولن تضعف أبدًا، وهذه الجهود ستزداد مضاءً وثباتًا وقوةً وفق رؤى واضحة وأهداف بينة، وعمل دؤوب، تحقق به المملكة العربية السعودية رضا الله عز وجل، وذلك لأنها تعمل لوجه الله لا تريد جزاءً ولا شكورًا سوى مرضاة الله وخدمة المسلمين.

وإن حقًا على كل مسلم وكل مواطن شهد هذا الحدث التأريخي، والعمل الإسلامي العظيم أن يحمد الله على أن هيّأ ولاة أمر هذه البلاد ووفقهم لمثل هذا العمل الجليل، وأن يدرك أن هذا سر من أسرار التمكين والأمن والأمان والوحدة والاجتماع، وأن يلهج بالثناء على الله والدعاء بأن يحفظ الله هذه البلاد آمنة مطمئنة، وأن يجزل الأجر والمثوبة، ومضاعفة الحسنات، ورفعة الدرجات لخادم الحرمين الشريفين وولي عهده ونائبه الثاني وكل من كان سببًا في هذه المنجزات، ويجعلها زادهم إلى رضوان الله وجنته، ومغفرته ورحمته، وأن يرد بهذه الأعمال الجليلة عن هذه البلاد الشرور والفتن، والبلايا والمحن، إنه سميع مجيب..

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

- مدير جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية

 

التوسعة التأريخية الكبرى: إنجاز إعجاز.. وقصب سبق مليكنا له حاز
أ.د.سليمان بن عبد الله ابا الخيل

أرشيف الكاتب

كتاب وأقلام

 

طباعةحفظ 

 
 
 
للاتصال بناجريدتيالأرشيفالإشتراكاتالإعلاناتمؤسسة الجزيرة