Friday  23/09/2011/2011 Issue 14239

الجمعة 25 شوال 1432  العدد  14239

  
   

الأخيرة

متابعة

دوليات

الرياضية

الأقتصادية

محليات

الأولى

الرئيسية

 
 
 
 

الرأي

      

إنسان الصحراء فـي جزيرة العـرب عاش منذ مئات السنين وسط قسوة ظـروف بيئتـه الصعبـة تلفـح جسده شبه العاري رياح السموم وتصهره حرارة الشمس وتتجمد أطرافه من البرد القارس. تفكير هذا الإنسان البسيط لم يتجاوز وسائل تدبير أمور حياته وتكييف بيئته بأسلوب بدائي فبحث عن مأوى يقيه من قسوة الظروف الطبيعية لم يكن المأوى سوى خيمة أو بيت شعر صوفه بالٍ أو بيت طين متواضع صنع سقفه من خشب الأثل وجريد النخل وفي أحسن الأحوال تم فرشه بالحصير، وفيما حوله يبحث عن قطرات الماء يجلبها من الأودية والآبار البعيدة، وفي تنقله يركب الدواب أو يسير المسافات الطويلة فتلسع الرمضاء قدميه الحافيتين، ويمد نظره إلى البعيد فلا يرى إلا سرابا يحسبه ماء من شدة العطش، وتحيط به الصحاري التي لا تدب في أوصالها الحياة يسير الأيام والليالي فلا يجد للحياة أثرا كأنه بجسمه النحيل حلقة صغيرة مرمية في وسط الفلاة.. يفقد الأمل في العثور على بئر ماء تصطك حوله القوافل المسافرة طلبًا للارتواء وتزدحم على جنباته طوابير الرعاة وقطعان الماشية لينقذ نفسه وراحلته من الموت بقطرات قليلة من الماء، ويضرب المستحيل أطنابه أمامه فيدب اليأس في نفسه بأن يجد ملاذا من تلك الصحراء الشاسعة المترامية الأطراف. ملاذا ليس خارجها ولكن في داخلها لأنه ارتبط بها وصار جزءا منها ينتشي بهوائها ويقبل ترابها. يفقد الأمل في أن يجد واحة على بعد مئات الأميال من المسير الذي لا ينقطع، أو خيمة منصوبة في كبد الصحراء، أو بيت طين يجد لدى ساكنيه ما يسد به الرمق.

هل ضرب هذا الإنسان بكفه الأرض ليكشف عن خزائن الذهب الأسود تحت قدميه الحافيتين؟ وهل رفع بصره ليتخيل هذه الصحراء المحبطة المحرضة على اليأس والقنوط وقد تحولت ببنيتها المتهالكة أو المعدمة إلى بنية تحتية هائلة حيث ناطحات السحاب والطرق السريعة ومياه البحار المحلاة والمنقولة بالانابيب الضخمة عبر تلك القفار لتسقي كل بيت؟ هل تخيل أبناء صحرائه بسحناتهم السمر وقد اقتحموا معاقل العلم لتتحول عقولهم إلى عقول جبارة تبهر العالم؟

ربما لم تسعفه محدودية النظرة ليقفز أسوار المستقبل لكن رجلا واحدًا فعل، كان يجلس وحيدا على شاطئ البحر بعيدا عن وطنه يقلب في صفحات الغد الذي يستحضره، ويرسم بيده على صفحات الرمل خطة مستقبل مشرق لوطن يعاني من التشرذم والتمزق والفقر والجوع والعوز والأمراض وشح الموارد والحروب والسلب والنهب وظلم القوي للضعيف.. هذا واقع وطن لو ترك على حاله لارتكس في تخلفه وانفلاته الأمني لكن رجلا بعقلية الملك عبدالعزيز يرحمه الله وبرؤية إنسان الصحراء انطلق من شاطئ البحر في الكويت حيث خلواته ليوحد أنحاء الجزيرة العربية تحت مسمى المملكة العربية السعودية في دولة مؤسسات عصرية تحكم شرع الله وتطبق أنظمة تجاري روح العصر.

رؤية إنسان حولت صحراء الموت إلى مدن عامرة بالحياة وواحات جميلة وجامعات ومعاهد ومدارس ومراكز بحوث ومستشفيات. تحولت الصحراء في زمن قصير بما يشبه المعجزة إلى دولة أذهلت العالم وغدت مقصدا لكل باحث عن حياة كريمة، وصارت نموذجا يحتذى من دول تحاول أن تتقدم.

قيسوا المسافة الحضارية من بداية انطلاقة موحد الجزيرة إلى اليوم ثم احكموا بأنفسكم حكما عادلا لا حيف فيه ولا ظلم.

shlash2010@hotmail.com
 

مسارات
إنسان الصحراء ورؤية دولة عصرية
د. عبدالرحمن الشلاش

أرشيف الكاتب

كتاب وأقلام

 

طباعةحفظ 

 
 
 
للاتصال بناجريدتيالأرشيفالإشتراكاتالإعلاناتمؤسسة الجزيرة