Monday  26/09/2011/2011 Issue 14242

الأثنين 28 شوال 1432  العدد  14242

  
   

الأخيرة

منوعات

دوليات

الرياضية

الأقتصادية

محليات

الأولى

الرئيسية

 
 
 
 

الرأي

      

ما زال وطننا العزيز ينتشي بذكرى اليوم الوطني وما زال مواطنوه يشكرون الله، الذي وفقهم إلى تحقيق ما حققوه من إنجازات إيجابية في مختلف وجوه الحياة، ويرجون منه - سبحانه - أن يسدد خطاهم ليحققوا المزيد من تلك الإنجازات

وكنت قد تحدثت - باختصار شديد - في مقالة الأسبوع الماضي عن المناسبة المبهجة تحت عنوان (تجدد البهجة باليوم الوطني). ومما أشرت إليه في تلك المقالة ما كان يتحلى به الملك عبد العزيز، تغمده الله برحمته، من صفات قيادية فذة من أبرزها التدين، دعوة وسلوكاً، والكرم الجزيل، والشجاعة المتزنة الواعية، وحسن التخطيط الحربي، وقوة الإرادة، وعمق معرفته بقومه، ووعيه بتاريخ وطنه، لا سيما تاريخ أسلافه من آل سعود.

ومما أشرت إليه، أيضاً تعامله بحصافة وفكر ثاقب مع الظروف التي أحاطت بمسيرة توحيد البلاد حتى أصبحت أكثر مناطق شبه الجزيرة العربية تنعم في ظل وحدة وارفة، إضافة إلى تبنيه خطوات رائدة تجاه الأمور الحضارية المستجدة آتت أكلها في كثير من جوانب الحياة.

وعلى هامش الفرحة باليوم الوطني الدال على اكتمال توحيد الوطن باسم المملكة العربية السعودية تبرز أمام ناظري المتأمل في تاريخ مسيرة ذلك التوحيد المبارك مسألة كثيراً ما أثيرت حول علاقات قائد تلك المسيرة التوحيدية بالدولة البريطانية في تلك المرحلة بالذات. وقد كتب عن تلك العلاقات عدد من الكتاب والمؤرخين. ويمكن أن يستخلص من كتابات هؤلاء وأولئك ما يأتي:

كان لبريطانيا نفوذ كبير على الإمارات الواقعة في الساحل الشرقي للجزيرة العربية عندما بدأ الملك عبد العزيز، رحمه الله، أولى خطواته لإعادة الحكم السعودي. وقد تابعت تلك الدولة ما كان يجري بينه وبين ابن رشيد لما تطور ذلك من تأثير في وضع المنطقة المهمة لها. كانت لا تود أن ينتصر عليه خصمه المدعوم حينذاك من العثمانيين لأن انتصاره قد يؤدي إلى تهديد للكويت وكانت أيضاً لا تود أن ينتصر هو على ذلك الخصم لأن انتصاره في نجد قد يؤدي إلى محاولته مد نفوذه على مناطق ساحلية داخلة تحت نفوذها، وبخاصة أن منها ما كان تحت حكم أسلافه من آل سعود. ولهذا تفادت التدخل في النزاع الدائر بينه وبين من يناوئه. بل إنها نصحت أمير الكويت بعدم مساعدته. أما هو فقد اتصل بها بعد دخوله الرياض عام 1319هـ - 1902م، وطلب تأييدها له. لكنها لم تتخذ أي خطوة في هذا المجال وبعد معركة البكيرية عام 1322هـ - 1904م طلب منها الحماية لمساعدة العثمانيين لابن رشيد لكنها لم تستجب لطلبه وإن حذرت العثمانيين من التدخل عسكرياً في نجد ثم حاول بطرق مختلفة أن تعترف به، ونصحها مندوبها في المنطقة، بيرسي كوكس، أن تقيم علاقات معه لكنها عارضت رأي ذلك المندوب لأسباب منها انغماسها حينذاك في القضايا المعلقة بينها وبين العثمانيين.

وكان أول لقاء بين الملك عبدالعزيز ومسؤول بريطاني هو لقاؤه بشكسبير الوكيل السياسي في الكويت، وذلك عام 1328هـ، ثم لقيه مرة أخرى في العام التالي حيث أوضح له رغبته في إخراج العثمانيين من الأحساء والقطيف لكونهما كانتا تابعتين لأسلافه، ولمنفعتها له، عسكرياً واقتصاديا، وسأل عن إمكانية حماية بريطانيا له فيما لو حاول العثمانيون مهاجمته بحراً، وأبدى استعداده لقبول وكيل بريطاني عنده لكن شكسبير قال له: إن بريطانيا في وضع لا يتيح لها مساعدته، ونصحه بعدم الإقدام على ما كان يرغب فيه لاحتمال أن ينتج عنه خطر بالنسبة له ولما أخرج العثمانيين من الإقليمين - بعد عامين من لقائه الثاني به - حاولوا استرجاعهما منطلقين من البحرين تشجيع من السلطات البريطانية هناك.

وكان وصول نفوذ الملك عبدالعزيز إلى ساحل الخليج، الذي ترتبط إماراته العربية حينذاك بمعاهدات مع بريطانيا، دافعاً لها إلى اتخاذ موقف أكثر جدية من ذي قبل بالنسبة له، ولا سيما أن بعض أراضي تلك الإمارات كانت تابعة للدولتين السعوديتين الأولى والثانية. وكان هو يدرك غاية الإدراك قوة تلك الدولة وأهمية تأمين جانبه من سطوتها، فواصل مساعيه للحصول على اعترافها به، وإقامة علاقات رسمية معه. وتحمس ممثلو حكومتها في الخليج لإنجاح تلك المساعي إدراكاً منهم لمقدرته، وأملاً في أن يكون في ذلك سلامة للإمارات السالفة الذكر. غير أن قادتها في لندن فضلوا التريث والاستمرار في التعامل مع الدولة العثمانية وكأنها ما زالت هي المسيطرة على الأحساء والقطيف، ثم أدركت - وهي على أعتاب دخول حرب مع هذه الدولة في إطار الحرب العالمية الأولى - أن استمرار موقفها السلبي نحوه ليس من مصلحتها. ذلك أنه سيدفعه إلى الوقوف مع العثمانيين عملياً، وكان من أكبر ما يشغل باله حينذاك احتمال قيامهم بمحاولة لاستعادة الأحساء والقطيف منه. ولعدم تجاوب بريطانيا معه اتخذ سياسة مرنة مع العثمانيين، الذين كان من مصلحتهم، أيضاً أن يلتقوا معه في تلك المرونة. فنتج عن ذلك توصلهما إلى اتفاقية مطمئنة نوعاً ما بالنسبة له، ويقال: إنهم طلبوا منه أن يساعدهم في الدفاع عن البصرة.

وفي ظل الظروف السابقة ازدادت حماسة ممثلي بريطانيا في الخليج لتعميق الصلة بالملك عبدالعزيز فتكررت زياراتهم له - وكان في طليعتهم شكسبير، الذي كان معجباً به كثيراً، والذي أصر على صحبته، وهو متجه لمحاربة الأمير سعود بن عبدالعزيز بن رشيد، فقتل في المعركة التي دارت بينهما في جراب سنة 1333هـ - 1915م.

وكان مما طلبته بريطانيا من الملك عبدالعزيز أن ينضم إلى حاكمي الكويت والمحمّرة لمساعدتها في انتزاع البصرة من العثمانيين، وترتيب أمورها، مقابل وعدها بأن تعترف به حاكماً مستقلاً، وتقيم معه علاقات، وتحميه من أي هجوم بحري عليه. فردّ عليها مُرحباً بالتعاون، فضل مناقشة الموضوع شخصياً مع شكسبير. وقد اتضح لهذا الأخير أنه لا نية للملك بترك موقفه الحيادي بين بريطانيا والدولة العثمانية حتى يتوصل إلى اتفاقية موقعة ومختومة مع الأولى.

فنصحه شكسبير أن يقدم خطوطاً عريضة للاتفاقية التي يطمح إليها. ومن هنا بدأت المفاوضات بين الطرفين حول ذلك الموضوع حتى انتهت بعقد معاهدة دارين، أو القطيف، عام 1334هـ - 1915م. ومن أهم بنود تلك المعاهدة: اعتراف بريطانيا به حاكماً مستقلاً لنجد والأحساء والقطيف والجبيل وملحقاتها، ومساعدتها له ضد أي دولة تعتدي على أراضيه، وتعهده بأن يمتنع عن كل مخابرة أو اتفاق، أو معاهدة، مع أي دولة أجنبية، وتعهد بأن يمتنع عن التدخل في أراضي إمارات الخليج العربية، التي هي تحت الحماية البريطانية.

والمتأمل في سير الأحداث في الجزيرة العربية والخليج خلال السنوات الثلاث من بداية الحرب العالمية الأولى يرى أن الملك عبدالعزيز اتخذ موقفاً أقرب ما يكون إلى الحياد بين بريطانيا والدولة العثمانية، وذلك لأسباب عديدة منها انشغاله بأموره الداخلية، وعدم رغبته في الإقدام على أمر لا يرى فيه فائدة واضحة له، أو يرى أن تفاديه لا يضره. ومع اتخاذه ذلك الموقف، الذي لم تكن بريطانيا راضية عنه كثيراً فإنها أمدته ببعض المساعدات المالية والعسكرية التي طلبها منها خوفاً- فيما يبدو- من أن يقوم بأعمال تعرقل مساعي حلفائه في المنطقة، وفي طليعتهم الملك حسين بن علي، فتكون لها آثار سلبية على محاولة تحقيق أهدافها. وكان من أهداف تلك المساعدات إشغال ابن رشيد بحيث لا يقوم بأي عمل يمكن أن يعيق القوات، التي كانت تدعمها، والمتجهة إلى بلاد الشام وفلسطين.

وكان من نتائج الحرب العالمية الأولى أن أصبح نفوذ بريطانيا في المنطقة أعظم من ذي قبل. فقد دخلت تحت نفوذها العراق وشرق الأردن كما وقعت تحت انتدابها المشؤوم فلسطين. وأصبحت بذلك لها الكلمة العليا في تحديد علاقات حكام تلك الأقطار بالملك عبدالعزيز.

وبعد أن وحد الملك عبدالعزيز الحجاز مع ما سبق أن وحده من مناطق الوطن الأخرى دارت مفاوضات بينه وبين بريطانيا أدت إلى معاهدة جدة، التي أمضاها بتفويض منه ابن فيصل، النائب العام في الحجاز حينذاك، وأمضاها، بتفويض من ملك بريطانيا، جلبرت كلايتون، وذلك في 18-11-1345هـ - 20-5-1927م.

ومن أهم ما تضمنته تلك المعاهدة الاعتراف باستقلال الملك عبدالعزيز التام داخلياً وخارجياً. وبذلك ألغيت معاهدة دارين، أو القطيف، السابقة المقيدة لاستقلاله.

زاد الله وطننا رسوخ أمن، وإنجاز تقدم، واتساع رخاء، ووفق قادته إلى بذل المزيد من الجهود الرامية إلى تحقيق الأهداف المرجوة للمواطنين.

 

على هامش الفرحة باليوم الوطني
د.عبد الله الصالح العثيمين

أرشيف الكاتب

كتاب وأقلام

 

طباعةحفظ 

 
 
 
للاتصال بناجريدتيالأرشيفجوال الجزيرةالإشتراكاتالإعلاناتمؤسسة الجزيرة