Friday 04/11/2011/2011 Issue 14281

 14281 الجمعة 08 ذو الحجة 1432 العدد

  
   

الأخيرة

متابعة

دوليات

الرياضية

الأقتصادية

محليات

الأولى

الرئيسية

 
 
 
 

الأخيــرة

      

التقليد منهج محدودي التفكير، وفرض النفوذ منهج ضعيفي الحجة، والتجديد منهج العظماء والمبدعين. والتقليد منهج كسول مسالم يقتل الأيدلوجية التي تسلكه بهدوء عبر قرون من الزمن، ومثاله القرون الوسطى لأوروبا وللعالم الإسلامي. وأما فرض النفوذ فهو منهج تعسفي ظالم يقضي على أيديولوجيته التي تبنته بسرعة خلال عقود معدودة من الزمن، كالمعتزلة والشيوعية. وأما التجديد فهو منهج لا يقوم عادة إلا بعد تضحية وبذل، فيحيي مكامن القوة في الأمة، فيقودها إما فكريا أو عقائديا أو عاطفيا فيدفعهم إلى تغيير أوضاعهم القائمة تغييرا جذريا ينتهي بهم إلى نجاح يتبعه فلاح، كإمبراطورية التجديد الأمريكية، وكفكر عظيم المناطقة وسيد المناظرين وشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الذي كان وما زال أصل كل حركة خير وتجديد وإصلاح في الأمة الإسلامية، وما الدعوة النجدية إلا بعض حسناته رحمه الله.

دين محمد -صلى الله عليه وسلم- دين بسيط فهمه، متكاملة قواعده، متوافقة تكاليفه ومتناسقة، يستحيل على بشر تقليده أو الإتيان بمثله. ولا عجب، فالمرتضي له رب العالمين والمُرتضى لهم هم عامة الناس، وكذا بحمده تتم الصالحات. دين محمد -صلى الله عليه وسلم- حمل أمانة نشره قلة أمية هم صحب نبي أمي، الذين وإن كانوا هم أفضل الخلائق كافة بعد الأنبياء والرسل، إلا أنهم بشر من عامة الناس. ففيهم الفقيه والعابد والمُعلم والمتعلم والسياسي والصالح والقائد والجندي والتاجر والأجير والغني والفقير. لم يصعُب دين محمد -صلى الله عليه وسلم- على الصحب الكرام البررة وعلى تابعيهم حتى جاء بعدهم فاستخدموا الدين لأغراضهم الخاصة في السياسة والتجارة. فانبرى العلماء للفكر الدخيل يحاجونه بالحجة النقلية والعقلية تارة وبالسياسة والحكمة تارة أخرى. وبين الراد والمردود عليه قوم يسمعونها زيدا فيفهمونها بكرا ويحفظونها عمرا ويكتبونها أمرا فينتجون بذلك مسخا، فتبارك الله أحسن الخالقين.

قال عليه السلام صلوا كما رأيتموني أصلي، وصلى عليه السلام قائما وجالسا وعلى دابته. وقال تعالى: {فَاذْكُرُواْ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ}. فالأصل في الدين الاتباع على قدر الاستطاعة فمن لم يستطع فما جعل الله علينا في الدين من حرج. وقال تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا}، وقد قال عليه الصلاة والسلام في حجة الوداع: (خذوا عني مناسككم) وما أتاه أحد من الحجيج وقد قدم أو أخر أو فعل كذا أو كذا إلا قال عليه السلام افعل ولا حرج. ومات عليه السلام وقد تركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها، كتاب الله وسنته. ومن هنا لم يكن قول الصحابي حجة عند جمهور العلماء إذا كان تفقها أو اجتهادا منه -رضي الله عنهم أجمعين- فكيف بقول من جاء بعدهم؟!

ومرت القرون الثلاثة المفضلة وأقفل باب الاجتهاد، اجتهاداً. وأصبحت علوم الدين هي الصنعة والمهنة، مع عز الإسلام وعلو نجمه. فاختُصرت المطولات وشُرحت المختصرات في عجن وطحن وخلط ونشر وجمع وتفريق. وأصبح أتباع المذاهب حتى يومنا هذا يفتون الناس بما قرأوه في كتب الفروع. فتوسع هذا وضيق ذاك وابتدع مبتدع وتشدد مريد في اتباع شيخه. ولو تأمل أحدنا في تطبيقات المسلمين العقائدية والتعبدية والتعاملية لوجدها تدور بين التشدد في خذوا عني مناسككم وبين التوسع في افعل ولا حرج، أي بين الأصل والاستثناء.

قاعدة اتقوا الله ما استطعتم هي قاعدة شاملة جامعة لجميع أحكام الدين، وهي قاعدة وسط بين الإفراط والتفريط. والاستطاعة تختلف باختلاف الناس. فمن الناس من يسهل عليه صيام الدهر ومنهم من يشق عليه صيام رمضان. ومن الناس من يسهل عليه الاعتكاف والجهاد، ويشق عليه طلب العلم أو حفظ القرآن ومنهم من هو عكس ذلك. فالشيخ أو المفتي لا يستطيع تقييم الاستطاعة والحرج عند إنسان وآخر، ومن ادعى ذلك فهو يرفع شيخه إلى مقام أعلى من مقام البشر.

إذن ليست السياسة -كما هو الوضع اليوم- هي الأصل في الفتوى في أمور الدين عموما، بل الأصل هو الالتزام الكامل بالنص الصريح من كتاب أو سنة فمن وجد حرجا فلا إثم عليه «ما جعل عليكم في الدين من حرج».

والمسكوت عنه أنه ما أظهر فقه «افعل ولا حرج» إلا سياسات التشديد في فرض «خذوا عني مناسككم» وهذا في أمور الدين كلها، والله أعلم.

hamzaalsalem@gmail.com
تويتر@hamzaalsalem
 

المسكوت عنه
الاتباع بين التقليد والتجديد
د. حمزة بن محمد السالم

أرشيف الكاتب

كتاب وأقلام

 

طباعةحفظ 

 
 
 
للاتصال بناجريدتيالأرشيفالإشتراكاتالإعلاناتمؤسسة الجزيرة